الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التقييم الاستراتيجي لمستقبل اليابان والهند الجيوسياسي بعد العام 2014م (3-3)

التقييم الاستراتيجي لمستقبل اليابان والهند الجيوسياسي بعد العام 2014م (3-3)

محمد بن سعيد الفطيسي

” كما سلف وقلنا إنه لقياس مستقبل المكانة الدولية لأمة ما, فإن هناك عدة مقاييس دولية متعارف عليها لدى منظري السياسة والتاريخ, منها مقاييس صيغ القوة ومصادرها الأربعة المعروفة دوليا لدى العديد من منظري التاريخ السياسي وهي: القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والايديولوجية، كذلك من خلال قياس مستوى الثروة والنفوذ,”
ــــــــــ
لا يزال الوقت مبكرا بالنسبة للهند:
قد لا يكون العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين هو عقد الهند الذهبي, والذي نستطيع أن نؤكد فيه بأن هذا العملاق الآسيوي القادم بقوة, سيستطيع أن يبرز كمنافس عالمي مؤثر في مجريات التاريخ الحديث ومتغيرات الجغرافيا السياسية على رقعة الشطرنج الدولية, فالهند بالرغم من جميع إمكانياتها ومؤهلاتها السياسية والاقتصادية والتاريخية والديموغرافية والجغرافية الجبارة, لن تستطيع – من وجهة نظرنا الشخصية ـ ان تبرز كقوة جيوسياسية او جيواستراتيجية عالمية مؤثرة تحديدا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
فالفكرة التي تروج الى تلك الغاية تتطلب المزيد من الوقت والجهد,أي أنها من الناحية التحليلية العلمية ليست متاحة للهند في الوقت الراهن, ولكن ما نستطيع التأكيد عليه تحديدا هو ان عشر سنوات قادمة ستكون كفيلة وكافية للتأكيد على مكانة الهند الإقليمية كقوة بازغة ومنافسة في القارة الأسيوية تحديدا, وخصوصا في ظل ما تعيشه الهند حاليا من متغيرات وتحولات بناءة نحو السعي لتحقيق ذلك الهدف المشروع, شريطة بقاء تسارع النمو والتقدم التكنولوجي والعلمي على ما هو عليه اليوم, كما إننا نستطيع ان نؤكد على أن الهند ستكون خلال هذا العقد من القرن الحادي والعشرين واحدة من أهم وأبرز اللاعبين الإقليميين بعد التنين الصيني والعملاق الياباني, وبالتالي فإننا سنعتبر العقد القادم بالنسبة للهند, اقرب الى سنوات بناء وتأكيد المكانة الإقليمية منها الى الزعامة العالمية.
عقبات في طريق الهند :
كما سلف وقلنا إنه لقياس مستقبل المكانة الدولية لأمة ما, فإن هناك عدة مقاييس دولية متعارف عليها لدى منظري السياسة والتاريخ, منها مقاييس صيغ القوة ومصادرها الأربعة المعروفة دوليا لدى العديد من منظري التاريخ السياسي وهي: القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والايديولوجية، كذلك من خلال قياس مستوى الثروة والنفوذ, وعلى سبيل المثال اقترح كينيث والتز، عالم السياسة المعروف، خمسة مقاييس مختلفة لتقدير قوة الدولة، وهي: السكان، والمساحة، والموارد الطبيعية، والقدرات الاقتصادية، واستقرار وسلامة النظام السياسي، والقوة العسكرية, بينما يعتبر بول كينيدي، المؤرخ البريطاني، أن حجم السكان ومعدلات التحضر ومستوى التصنيع، واستهلاك الطاقة والمخرجات الصناعية، هي أيضا مقاييس أساسية للقوة.
فإذا ما عكسنا تلك المقاييس سالفة الذكر على الهند, فإننا نستخلص التالي بشكل تقريبي: يتجاوز عدد سكان الهند المليار و150 مليون نسمة, كما تحتل المرتبة السابعة من حيث المساحة عالميا, شهدت الهند حضارات العالم القديم, وتاريخيا كانت مركزا لعديد الطرق التجارية المهمة, ومستقرا لعدد كبير من الديانات واللغات واللهجات القديمة والحديثة, أما اقتصاديا فيحتل الاقتصاد الهندي المركز العاشر عالميا من حيث تبادل العملات، والرابع من حيث معادل القوة الشرائية (PPP) , للهند احتياطات من النقد الخارجي تبلغ حوالي 143 بليون دولار تقريبا.
وفي نفس السياق يؤكد الباحث جون0د0دوناهيو في كتابه ” حسن الإدارة في عالم اخذ في التعولم ” أن الهند تملك حاليا معدلا للنمو يفوق الـ 6% , على عكس ما كان عليه سابقا حيث لم يتعدى الـ 1 – 2 % , وفي الهند طبقة وسطى آخذه في البروز تتألف من ملايين الناس, والإنجليزية لغة رسمية يتحدث بها عدد يراوح بين 50 مليونا و100مليون من الناس, وبالبناء على هذه القاعدة فإن صناعة المعلومات الهندية آخذه في لعب دور انتقالي, وبالإضافة الى ذلك فإن الهند قوة عسكرية لديها عدة عشرات من الأسلحة النووية, وقذائف ذات مدى متوسط, وأكثر من 1.2 مليون عسكري, أما فيما يتعلق بالقوة الناعمة الطرية, فقد أقامت الهند الديموقراطية وظلت تعتبر من قادة بلدان دول عدم الانحياز أثناء الحرب الباردة, وللهند مهاجرون ذوو نفوذ وتأثير في الخارج, وصناعتها السينمائية ـ بوليوود ـ هي الأكبر في العالم من حيث عدد الأفلام المنتجة سنويا , بالمقاربة مع هوليوود في أجزاء من آسيا والشرق الأوسط.
وتعد الشراكة الهندية الروسية من ابرز الأوراق الرابحة التي تلعب الهند عليها للدخول الى سلم القوى الجيوسياسية في العقود القادمة حيث وقعت الهند وروسيا على 25 وثيقة تعاون في مجال الطاقة النووية السلمية. وتم تحديد خطط لبناء مفاعلات نووية في الهند، وإنتاج مشترك لليورانيوم الطبيعي والوقود النووي وإتلاف النفايات النووية. وروسيا سوف تبني للهند أكثر من اثني عشر مفاعلاً دون الأخذ بعين الاعتبار العقوبات على محطة كودانكولام للطاقة النووية, والحديث هنا لا يدور فقط حول التجارة في الخدمات النووية، أو البضائع، أو حتى التكنولوجيا، وإنما حول إنشاء صناعة كاملة للهند من قبل روسيا, ولأول مرة في تاريخ العلاقات التجارية، تمكنت روسيا من الاتفاق على إبرام عقود طويلة الأجل لتوريد النفط إلى الهند. حيث تم التوقيع على عقد أولي من قبل “روسنفت” وشركة إيسار- أكبر مكرر ومورد للمنتجات النفطية إلى السوق الهندية وأسواق المنطقة. وينص العقد على تسليم هذه المنتجات ابتداءً من عام 2015. والحديث يدور عن 10 ملايين طن سنوياً لمدة 10 سنوات مع خيار التمديد, كما قامت روسيا في العام 2012م بإدخال الهند الى عالم حاملات الطائرات من خلال حاملة طائرات ايه سي أدميرال جورشكوف روسية الصنع.
تبقى هناك بعض الإشكاليات الرئيسية الداخلية منها والخارجية, والتي قد تبطئ من تسارع وتيرة المدنية والتقدم الهندي المستقبلي خلال الفترة القادمة, وبالتالي بروز الهند كمنافس عالمي بالدرجة الأولى, فداخليا على سبيل المثال لا الحصر تظل الأمية والفقر وتزايد الفجوة الأخذة في التسارع بين المناطق الفقيرة والغنية, والخلافات حول بعض الإصلاحات الديموقراطية من أهم التحديدات التي تواجهها الهند اليوم, أما على الصعيد الخارجي فتواجه الهند عدة إشكاليات رئيسية أهمها :ـ الصراع الهندي – الباكستاني , والمنافسة الصينية ـ اليابانية الإقليمية , كذلك صعوبة التوازن في الإلية الاستراتيجية السياسية في علاقاتها الخارجية مع الولايات المتحدة الاميركية , ولكن ذلك بالطبع لن يستطيع الحد او إيقاف طموحاتها المستقبلية الجيوسياسية , فقطار التقدم والمدنية والمنافسة الهندية الإقليمية على وجه الخصوص قد تحرك بوتيرة آخذه في التسارع والتقدم الثابت منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي , ليبلغ ذروته مع نهاية عقد التسعينات وبداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
نعم … قد تشكل العقبة الخارجية للقيادة الهندية خلال المرحلة القادمة, وخصوصا كون الهند تتطلع للحصول على موطء قدم لها بين العمالقة الكبار خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين, نوعا من الأرق والقلق المتزايد لقياداتها السياسية والعسكرية, فالهند وبحسب رؤية منظر السياسة الخارجية الاميركية زبجينيو بريجنسكي ( تمتلك رؤية جيوستراتيجية لدورها الإقليمي سواء بمواجهة جيرانها او في المحيط الهندي, الا ان طموحاتها في هذه المرحلة لا تتطفل الا هامشيا على المصالح الاوراسية) كما أنها لا تشكل في الوقت الراهن – المدى القريب – مصدرا للقلق الجيوبوليتيكي لروسيا والصين, وهما اقرب المنافسين لقوتها الجيوسياسية والجيواستراتيجية, هذا بخلاف التفاوت الواضح للنظرة الاميركية للدور الهندي العالمي, وهو ما شكل في كثير من الأحيان نوعا من التهميش وبرود العلاقة بين الطرفين, وشعور القيادة الهندية بالإحباط وعدم الرضا.
وفي هذا السياق يقول آن في سوبراماتيان وهو كاتب ومحرر صحفي بارز بصحيفة News Insight وهي مجلة هندية للشؤون العامة: ان الولايات المتحدة الاميركية وفي عهد إدارة الرئيس الاميركي الـ 44 باراك أوباما قد قامت ( بإهمال الهند بينما تقوم بإصلاح العلاقات الاميركية مع أوروبا الناتو وروسيا، وتشرك الصين من جديد، وتسترضي اليابان، وتركز طاقاتها العسكرية لإنقاذ أفغانستان وباكستان من القاعدة وطالبان، وسقطت الصفقة النووية الهندية ـ الاميركية التي أخذت العلاقات الثنائية إلى أوجها في إدارة بوش السابقة، من قائمة أولويات الرئيس باراك أوباما، والتي قد تكون في خطر فعلا بمتابعته لمعاهدة حظر التجارب الشاملة ، لأنها تضع الهند تحت ضغط هائل لتجربة رادعها غير الكامل).
الهند ,,, البحث عن موطئ قدم بين الكبار:
أشرنا في كتابنا سالف الذكر بأن مستقبل الهند الجيوسياسي والجيواستراتيجي ستتحدد معالمه الاستراتيجية خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين, لتصبح الهند واحدة من أهم القوى الإقليمية المنافسة والبازغة في القارة الآسيوية فقط خلال تلك المرحلة, ولكنها بالطبع ستأتي لاحقا بعد قوى الصف الثاني في القارة الأسيوية، ونقصد الصين واليابان, ورابعا بدخول روسيا اللاعب القاري الرئيسي والثاني عالميا, وهذا فقط في حال لم تتحد بعض الدول سالفة الذكر لتشكل معا تحالفا إقليميا ومنه عالميا وان كان فضفاضا , ـ ونقصد – تحالف روسي – صيني – هندي , وبالتالي فان الهند وفي تلك اللحظة سيتم النظر إليها كجزء من تحالف عالمي لا منافس له مطلقا , وخصوصا كونه يحوي قوة عالمية مستقبلية عظمى وهي روسيا , بالإضافة الى الصين والهند وهما قوتين إقليميتين قاريتين , رغم ان الاحتمال الأرجح هو ان تصبح الهند جزءا من مجموعة الدول الآسيوية التي ستميل الى إيجاد توازن استراتيجي مع الصين خلال العقد الثالث من القرن 21.

إلى الأعلى