الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى .. جائزة السلطان وعملاق الفنون

رؤى .. جائزة السلطان وعملاق الفنون

غمرت تقاسيم البهجة والحبور محيا الخطاطين والهواة داخل وخارج السلطنة عقب الإعلان عن إدراج “الخط العربي” ضمن مجالات المنافسة في مسابقة جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب للعام القادم بجانب مجالات “أدب الطفل” و”دراسات اللغة العربية” ليحمل هذا الفن تكريما جديدا ينم على اهتمام راسخ من لدن القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ــ حفظه الله ورعاه ــ بعملاق الفنون الحضارية الذي تزاوج مع القرآن الكريم.
ولا غرابة هذا الاهتمام فكم من كلمات تتلألأ وسطور تتسامى خطها صاحب الجلالة ــ أبقاه الله ــ بيده تحمل رسما خطيا رفيعا وضاءة مشرقا يفصح على أن جلالته ـ حفظه الله ـ منذ نشأته نال اكتساب مهارات هذا الفن وحظى بعلومه لتقف العيون شاهدة على محاسن ما سطره ويسطره قلمه الحكيم، لتتربع تلك الحلى السامية على مداخل وأستار عدد من المنشآت والمؤسسات الحكومية وغيرها، وتتزين أغلب الجوامع السلطانية بآيات قرآنية رصعتها أيدي خطاطين مهرة وحظيت أروقة القصور والمنشآت السلطانية بنصيب من اللوحات الخطية المقتناة في دلالة واضحة على قرب هذا الفن من قلب القائد المفدى.
وما ولادة الجمعية العمانية للفنون التشكيلية ـ وتبعيتها لمركز السلطان قابوس العالي للثقافة والفنون إلا دليل على عمق ما يحظى به الفن بشتى أصنافه من اهتمام متواصل في العصر الميمون ومؤشر على ما وصل إليه من تقدم وتطور حتى أن بعض الفنون هنا تتصدر الريادة على مستوى عالمي ليعد من رموز التقدم الازدهار.
فالمتأمل في لوحة خط نموذجية يجد خارطة هندسية رفيعة وجاذبية ساحرة تستلهم الوجدان وتسبر مكامن الإحسان وتستنطق الأعاجم والأفهام ليلامس الأبعاد الخفية وأسرار الذائقة الحية مما حدا بكبار فناني العالم الغربي “بيكاسو” أن يعلنها صراحة: “إن أقصى نقطة أردت الوصول إليها في فن التصوير وجدت الخط الإسلامي قد سبقني إليها منذ أمد بعيد” وتسطر الفنانة البلجيكية “ليلى فان أوست” شهادتها قائلة: “لا توجد كلمات في العالم أجمل من الكلمات العربية إن حروفها لوحات رائعة بحد ذاتها”.‏ ليدلل بتجدده وهيبته وإكباره على حسن جماله وتغلغله في الأحاسيس والأوتار المتذوقة.
ويحظى الخط العربي بمكانة مرموقة في “غير بلدانه” تترجم بسلسلة من المعارض الواعدة ، والمنشآت الفخمة، والمؤتمرات الدولية ، وترصد لمسابقاته الجوائز “القيمة” وتحتدم المنافسة على اقتناء لوحاته في المزادات العالمية تصل إلى آلاف الريالات، فهو لحق ثروة غيبت في الشرق وأشرقت في الغرب رغم صراعه مع العولمة والبرمجيات الحديثة إلا أن لخط اليد تأثيراته الجلية على النفس والسلوك والمشاعر الإنسانية.
ومشهد الخط العربي في السلطنة حاليا يرتسم من محيط شبابي معدود غيور على هذا الفن يسعى إلى إجادته وإشاعته وفق الإمكانيات المتواضعة المتاحة في مواجهة رزمة من التحديات ليس آخرها قلة الدعم وعدم وجود مناخ ومنشآت مهيأة بالمراجع الأكاديمية والمستلزمات الحديثة التي تخدم هذا الفن ولكن الصرخة المدوية اغتيال هذا الفن من قبل بعض المؤسسات الحكومية والخاصة التي تستغلي قيمة الخط ولا تأبى بما تصدره من الإصدارات والرسائل الرسمية وأوسمة الشعارات التي تعتلي ورقة المخاطبات ومطبوعات المؤتمرات والملتقيات التي تمثل البلاد محليا وتارة خارجيا حيث تتضمن تلك الأوراق في الغالب على خط ضعيف ركيك مكتوب باليد بعيدا عن هيبة وروح الخط الأصيل لا يمثل ديباجة هذا الفن العملاق بتاتا فضلا عن تمثيله للسلطنة في كثير من المحافل وعلى سبيل المثال مؤخرا شعار “مهرجان الشعر العماني التاسع” مما يستدعي أن تقف الجهات المعنية وعلى رأسهم مجلس الوزراء الموقر بوضع تشريع وآلية بالتوافق والتعاون مع محترفي الخط بالسلطنة لتعمم وتحافظ على نسيج هذا الإرث الحضاري وتعزز من مكانته في مؤسسات الدولة بداية من القطاع التعليمي التربوي، كما يتطلب الوضع إعادة النظر في تهيئة مناخ زاخر بالإمكانيات والمتطلبات الإدارية والفنية القويمة لإعداد مشروع أجيال تحافظ على هوية الخط وتكتسب المفاهيم الصحيحة، ونشر ثقافة هذا الفن بإفساح المجال للخطاطين في الإسهام بخط شهادات التكريم والمركز ووضع تصاميم العناوين والشعارات، ودعوتهم في المهرجانات والملتقيات، وتفريغ الخطاطين لتنظيم حلقات العمل وحلقات العمل التعريفية في مختلف ولايات السلطنة بالمدارس والجامعات والكليات والأندية والمراكز التعليمية والثقافية للمحافظة على هذه الثروة وتمجيدها.

إبراهيم بن سعيد الحسني

إلى الأعلى