الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / قراءات نقدية تتناول الحداثة وما بعدها وعلاقاتها بالأداء الفني والتطور في ساحة الفنون

قراءات نقدية تتناول الحداثة وما بعدها وعلاقاتها بالأداء الفني والتطور في ساحة الفنون

“ما بعد الحداثية والفنون الأدائية”

عرض ـ حسام محمود:
يستعرض كتاب “ما بعد الحداثية والفنون الأدائية” ـ لمؤلفه الكاتب الأميركى نك كاى، وترجمة الدكتورة نهاد صليحة ـ قراءات تاريخية تناولت الحداثة وما بعد الحداثة بالتحليل النقدى ليكشف أوجه القصور فى بعضها وعلاقاتها بالأداء الفنى والتطور فى ساحة الفنون كافة ، ومن خلال تناول هذه القراءات حول مفهوم وملامح ما بعد الحداثية يسعى الكاتب عبر تحديد وتنقيح مفهوم ما بعد الحداثة إلى تشكيل نموذج مناسب يصلح لرصد وتناول المصادر والأنماط البينية التي تجمع بين تخصصات متعددة، وتشترك فيها عروض فنية كثيرة تتنوع تنوعا كبيرا من حيث الشكل والمضمون.

حداثة بلا قيود
يركز المؤلف على فنون العرض الحديثة والمعاصرة في أميركا الشمالية ووضع حدود تسمح برصد أكثر فاعلية للتأثيرات المتبادلة بين العروض المختلفة والملامح المشتركة بينها ، وذلك في إطار القراءات النقدية المختلفة ، التي رصدت وقننت أشكال ما بعد الحداثة ومجازاتها . و‏يشير الكاتب إلى محاولة تحديد وتعريف مصطلح ما بعد الحداثة من خلال تنبيه لطرح الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو لمصطلح ما بعد الحداثة في كتابه نهاية الحداثة ، وقام فيه بتفسير المصطلح من خلال تمحيص تطلب بدوره تعريف مفهوم مصطلح الحداثة ، ويرى جياني فاتيمو أن الحداثة هي حالة وتوجه فكري تسيطر عليهما فكرة رئيسة فحواها أن تاريخ تطور الفكر الإنساني يمثل عملية استنارة مطردة تتنامى وتسعى قدما نحو الامتلاك الكامل والمتجدد عبر إعادة التفسير لأسس الفكر وقواعده . ‏ فيما يستعرض الناقد الأميركي أسلوبا فنىا يلتزم بغرض محدد يتلخص في عرض ومناقشة القراءات النقدية المختلفة لفن ما بعد الحداثة ولتجليات وتداعيات الحداثة في مجالات الفنون التشكيلية والرقص بهدف تلمس سلسلة حالات التمزق، والتي أتت بها فترة ما بعد الحداثة . ويركز الكتاب على نموذج أسلوب ما بعد الحداثة الذي صاغه النقد الفني الخاص بالعمارة آخذا في اعتباره كل الصراعات التي فجرها هذا النموذج، وحالات الاستبعاد التي فرضها . ورغم أن هذا النموذج النقدي طرح أول الأمر في مجال التناول النقدي لفن العمارة إلا أنه أصبح بمنزلة القاعدة الأساسية للعديد من الكتابات النقدية المنوعة التي تناولت بالوصف والتحليل أشكال الاختلاف والانحراف التي أتى بها تيار ما بعد الحداثة في مجالات الرسم والنحت والأدب والتصوير الفوتوغرافي والإبداع التليفزيوني والسينمائي . لقد برعت هذه الرؤية فى نقد جوانب فنون الرقص والمسرح انطلاقا من نموذج يسعى إلى رصد وتعريف سياسات وأشكال الزعزعة، والتقويض التي أتت بها ما بعد الحداثة في مجال الفنون المسرحية .

رؤية الفنون
تتميز الحداثة بخاصية الوعي وتجاوز تفاسير الماضي ومفاهيمه، والسعي الدائب نحو المستقبل لتحقيق الإدراك المطرد بالأسس الحقيقية والمتجددة التي تبطن الممارسات الإنسانية وتضفي الشرعية عليها ، سواء في مجالات العلوم والفنون والأخلاق أو المجالات الفكرية والعملية . ويشير الفيلسوف الايطالى فاتيمو إلى ضرورة مواجهة المفارقات المحيرة لأن مقطع ما بعد يعني التجاوز، تجاوز الماضي والسعي نحو المستقبل . لكن ما بعد الحداثة حين تسعى إلى تجاوز الحداثة ، بمعنى تجاوز الماضي إلى المستقبل ، فإنها تبدو وكأنها تعارض عملية التجاوز ذاتها ، إنما يعني في نهاية الأمر ترسيخ مفهوم الحداثة الذي يسعى مصطلح ما بعد الحداثة إلى نفيه وتجاوزه الأمر الذي يترتب عليه، فمنطقيا أن مصطلح ما بعد الحداثة بمعنى تجاوز الحداثة كعملية تجاوز مستمر للماضي إنما يطعن في مصداقية التوجه الحداثي نحو المستقبل ، وفي سعيه الدائب والمتجدد لإعادة اكتشاف أسس الفكر والممارسة ، وتيار ما بعد الحداثة بهذا المعنى يمثل معارضة لتيار الحداثة وتشكيكا في شرعية مشروعه الحداثي الذي يسعى واعيا إلى تحدي هويته، ويناهض النتاج الفني للماضي القريب ، ويتجاوزه سعيا إلى تأسيس قواعده الخاصة، واكتشاف شروطه الفنية المتفردة وفق رؤية كلية تؤمن بوجود قصة أساسية تكمن وراء كل القصص ، وتشرح معناها الحقيقي ذلك أن ما بعد الحداثة تمثل بالدرجة الأولى محاولة لدحض ادعاء الحداثية بإمكانية اكتشاف القواعد والأصول فهي ظاهرة تنهض على تحدي المفاهيم السائدة لتقويضها ولتحقيق هذا تستخدم المفاهيم نفسها . ‏

النقد الشامل
يوضح الكتاب فى رؤيته الفنية أن العروض المسرحية التي تدور في فلك ما بعد الحداثة مثل عروض بنج تشونج وشملت عناصر قصصية ، وكذلك في حالة عروض فرقة ووستر لاليزابيث لوكونت التي تجمع بين عناصر مختلفة صوتية وبصرية من مصادر منوعة كالأعمال الدرامية والأفلام السينمائية . وفي عرض فلنتوقف عند أورديث قدمت الفرقة مسرحية يوجين أونيل رحلة يوم طويل إلى أعماق الليل في 13 دقيقة فقط بعد اختصارها . كما تتجلى ما بعد الحداثة في الأعمال الأخيرة للفنانة جون جوناس التي بدأت مسيرتها بدراسة النحت ثم شاركت في تيار ما بعد الحداثة في المسرح الأميركي الراقص ، ففي هذه الأعمال تتناول الفنانة قصصا مألوفة وأساليب معروفة وتوظف عددا من الوسائل المنوعة بطريقة تعتمد تدمير قدرة هذه الأساليب على الانتظام والتآلف في وحدة فنية . وتحت هذا النموذج لفن ما بعد الحداثة يكمن أيضا إدراج عروض المونولوج أو المونودراما التي تقدمها كارين فينلي , وتوظيف فيها الكاميرا والتصوير الفوتوغرافي . وكذلك أسلوب لوري أندرسون الذي يعتمد على تغريب الصور الشعبية الرائجة، وتوظيف المفارقة في سرد قصص متناقضة ، كما يعمد إلى خرق الفواصل المعتادة بين فنون التصوير والفيديو والأغاني والعرض المسرحي وموسيقا الروك . ‏ويؤكد المؤلف أنه من السهل إدراك عناصر القلق والتوتر التي تكتنف مصطلح ما بعد الحداثة فإذا كانت ما بعد الحداثة تعني التشكيك في إيمان الحداثة بوجود أسس شرعية ، فإنها بهذا تجعل من الهجوم على الحداثة غايتها . بدلا من أن تتخذه منطلقا للسعي الحقيقي إلى تجاوزها بحثا عن جديد ، ومن ثم يمكن اعتبار خطاب ما بعد الحداثة وإبداعها الفني الذي يغلب عليه التنافر مجرد محاولات لتفكيك ادعاءات الشرعية للحداثة ، ومن هذا المنظور يتجلى مصطلح ما بعد الحداثية كمفهوم متعدد الأوجه يتجلى في ظواهر منوعة يجمع بينها هدف واحد هو تخريب فرضيات الحداثة ، وما يبنى عليها من نتاج ثقافي، وكما يقول الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا يوتارد ، فإن كل عمل ينتمي إلى الحداثة ينبغي أن يمر أولا بطور ما بعد الحداثة لأن ما بعد الحداثية لا تمثل الحداثية في مرحلة احتضارها بل في مرحلة ميلادها . وهنا فإن فن ما بعد الحداثة يقاوم التقنين والتجديد ، فهو يحدث كتعبير عن أزمة حادة ، ويتولد رغما عنه كسر القواعد ، وهو لهذا يشير إلى تشككه في اللغات والأساليب والصور . بل إن العرض المسرحي يتأرجح دوما بين الحضور والغياب ، وبين الزعزعة والتكريس أكثر من أي شكل فني آخر ، ولهذه الأسباب بعينها ذهب بعض النقاد إلى القول بأن الطابع المسرحي في حد ذاته يناهض المشروع الحداثي .

إلى الأعلى