الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. عام يطوي خيمته وعناوين رحيله مفتوحة على كل الاحتمالات

شراع .. عام يطوي خيمته وعناوين رحيله مفتوحة على كل الاحتمالات

خميس التوبي

يطوي العام 2014م خيمته مؤذنًا بالرحيل تاركًا خلفه إرثًا كبيرًا من الجراحات المفتوحة ومضيفًا إليها المزيد، تحت سماوات ملبدة بغيوم كثيفة دون أن يلوح في الأفق انقشاعها، واستمرار للأيادي ذاتها التي أدمت الشعوب منذ العام 2011م في نكء الجراحات، رافضة السماح لكل جرح من هذه الجراحات رجاء البرء أو تدخل معالج إلا بالقدر الذي يحافظ على بقاء الجرح نازفًا وملتهبًا.
يطوي العام 2014م خيمته وسياسة الأميركي لم تتغير، كعادته يصر على التفرد بها، يُدْخِل تحتها معه من يشاء من الحلفاء والعملاء، ويطرد المختلفين مع سياسته الفظة والمنافقة، لكنه مع ذلك لم يحصد إلا الفشل تلو الفشل في إيقاع الآلام والمآسي والكوارث بالذين أبقاهم خارج الخيمة لإذلالهم وإرهاقهم، ظانًّا ومتوهمًا أن سياسته هذه ستجبرهم على الخضوع والخنوع والانحناء له.
ويتوزع هذا الإرث الكبير على جهات الأرض الأربع وفق خريطة الأحداث التي عمل الصهيو ـ أميركي على رسمها تحقيقًا لأوهام التفرد بالعالم وقيادته والتحكم في مصائر شعوبه وهي:
أولًا: على الصعيد الفلسطيني أشاحت السياسة الأميركية عن وجهها القبيح تجاه القضية الفلسطينية مؤكدة انحيازها المطلق ونفاقها لكيان الاحتلال الصهيوني بإعلان رفضها دعم مشروع القرار الفلسطيني لإنهاء الاحتلال وفق حدود عام 1967م، بزعم أن المشروع لا يلبي الاحتياجات الأمنية للاحتلال الصهيوني. وهذا الموقف هو تبنٍّ واضح للمشروع الصهيوني المقابل والساعي إلى تصفية القضية الفلسطينية؛ بمعنى أن الأميركي دخل ـ كعادته ـ بكل جبروته لتعطيل أي جهد فلسطيني لاستعادة حقوقه المغتصبة، وهو ما يؤذن بمرحلة جديدة من العبث الصهيو ـ أميركي بإعادة الفلسطينيين إلى حلقة التفاوض المفرغة في الوقت الذي تواصل فيه آلة الاستيطان التهام ما تبقى من الأرض الفلسطينية. أما ما يخص قطاع غزة، فيبدو أن الصهيو ـ أميركي ومن ورائه عملاؤه يحاولون ممارسة شيء من الابتزاز للمقاومة بالقطاع مقابل إعادة الإعمار وسط الإلحاح وضغط المظاهرات الشعبية المطالبة بإعادة الإعمار، إما بالتخلي عن سلاحها، أو التنازل عن شروط من الاتفاق الذي رعته القاهرة أثناء العدوان الصهيوني على غزة، كإعادة بناء مطار غزة والميناء؛ أي أن العام 2015م لن يكون أفضل من العام 2014م إن لم يكن أسوأ منه.
ثانيًا: على صعيد الأزمة السورية، وفي ظل قيادة روسيا الاتحادية محاولات التقريب بين الحكومة السورية والمعارضة وإنضاج حوار وطني سوري ـ سوري منتج وفعَّال، يتضح فشل الأميركي في بلوغ ما خطه عقله من مشروع هيمنة على المنطقة لصالحه وصالح حليفه الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني، والتسليم بالدور الروسي. ولا يخفى أن صمود سوريا شعبًا وجيشًا وقيادة هو أحد مداميك النجاح في إفشال المؤامرة عليها، فحالة النضج والوعي لدى المواطن السوري ولو جاءت متأخرة بعض الشيء، إلا أنها كانت كفيلة بزرع الوهم والشك في أنفس معشر المتآمرين، وتسطير مواقف بطولية في مواجهة المد الإرهابي المدعوم من أكثر من ثمانين دولة. ولكن في ظل استمرار المجرم والعدو الصهيوني في النفخ في رماد التآمر ضد سوريا تبقى أبواب الاحتمالات مفتوحة أمام الجهود الروسية القائمة، فالأميركي لا يزال يلازم الصمت تجاهها، وإن كانت الخشية تتنامى من ارتدادات الإرهاب الذي صنعه الأميركي وحلفاؤه وعملاؤه.
ثالثًا: على صعيد الأزمة الأوكرانية، لا يزال الأميركي مصرًّا على استخدام هذه الأزمة المفتعلة نحو إكمال مشروعه لمحاصرة روسيا الاتحادية مستخدمًا أوروبا القديمة ـ حسب الوصف الذي أطلقه عليها دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الأسبق ـ مطية لتحقيق ذلك، رغم مشاعر الظلم والغبن التي لحقت بالشعوب الأوروبية من منتجين ومستهلكين من العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بأوامر سيده الأميركي.
وتتبدى محاولات الأميركي في محاصرة روسيا وتشكيل دوامة تهديدات من خلال: أولًا: التدخل في الشأن الداخلي لأوكرانيا وإرغامها على التخلي عن وضعها دولة غير منحازة تمهيدًا لانضمامها لحلف شمال الأطلسي مع استمرار توريد الأسلحة الأميركية والأوروبية للجيش الأوكراني، وإجراء الناتو مناورات وتعزيز دورياته بدول البلطيق، مع مواصلة نصب منظومة الدرع الصاروخية بالدول المجاورة لروسيا كبولندا والتشيك. ثانيًا: هز سوق النفط والتلاعب بأسعاره لإلحاق المزيد من الإرهاق والضعف بالاقتصاد الروسي وكذلك الإيراني والفنزويلي، حيث سعر البرميل مرشح للنزول إلى ما دون الخمسين دولارًا، وذلك عقابًا على الدور الروسي والإيراني في دعم سوريا ومنع سقوطها في فم الأميركي وحلفائه، وكذلك لاعتقاد الأميركي أن استمرار الاقتصاد الروسي في النمو يعني قدرة روسيا على خوض حروب عسكرية لردع الأخطار التي تهدد أمنها القومي؛ أي منعها من التدخل عسكريًّا في أوكرانيا ودول البلطيق لضمان أمنها القومي وحدودها. ثالثًا: إنهاء مهمة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان لتوفير النفقات وتركيز جهد الحلف في أوروبا الشرقية في دول البلقان والبلطيق، ويأتي هذا الانسحاب بالتوازي مع التحذير الروسي من عودة “داعش” إلى أفغانستان. ويبدو أن الأميركي يتجه إلى إعادة الإرهاب الذي صنعه في أفغانستان بذراعه المسماة “داعش” بعد أن أحال إلى التقاعد تنظيم القاعدة، واحتمالات تمدد هذا الإرهاب في الدول المجاورة كإيران والصين والدول المتحالفة مع روسيا من دول الاتحاد السوفيتي السابق، حيث يتزامن مد “داعش” إلى أفغانستان مع إعلان الأميركي أن الأخيرة لم تعد مصدرًا للإرهاب.
رابعًا: محاولة الأميركي التوصل إلى اتفاق مع الجمهورية الإسلامية حول ملفها النووي وإعادة العلاقة معها، ويسعى الأميركي من هذه المفاوضات إلى أمرين مهمين واستراتيجيين هما: الأول، ضمان عدم قيام إيران بمهاجمة كيان الاحتلال الصهيوني مباشرة أو عبر حلفائها كحزب الله والمقاومة الفلسطينية، وتخليها عن دعم هؤلاء الحلفاء، وهذا المسعى يمثل هاجسًا مؤرقًا لدى كيان الاحتلال الصهيوني والولايات المتحدة، خاصة وأن الصمود البطولي للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وتكبيدها العدو الصهيوني خسائر مباشرة وكبيرة ولأول مرة في تاريخها كان بفضل الدعم الإيراني والسوري، وكذلك الأسلحة النوعية التي عرضتها المقاومة الفلسطينية مؤخرًا في احتفالات تأسيسها وتأكيد الفصائل المقاومة أن هذا ما كان ليكون لولا الدعم الإيراني. والثاني، إكمال الطوق على روسيا الاتحادية عبر البوابة الإيرانية وبحر قزوين.
إذًا، تلك هي التركة الكبيرة والعناوين المفتوحة على كل الاحتمالات للعام القادم؛ إما أن تقود سخونتها إلى إنضاج تسويات، أو إشعال حروب، وليس مستبعدًا إذا ما تواصلت حرب أسعار النفط أن يكون الانتقام من كيان الاحتلال الصهيوني واردًا، فصواريخ موجعة تنطلق من المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية باتجاه العدو الصهيوني كفيلة بإشعال نار أسعار النفط.

إلى الأعلى