الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. ديوان للمظالم .. بسلطة مستمدة من عاهل البلاد

العين الثالثة .. ديوان للمظالم .. بسلطة مستمدة من عاهل البلاد

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

نشم في الأفق قضايا (قد) تطرح للرأي العام، وسوف تشغله كثيرا، كقضية ما يسمى بالتاجر، ونستشرف أن تتخذ نفس وسيلة اي وسائل التواصل الاجتماعي اطرافها، مواطنون ضد كيانات معنوية كبيرة وبارزة جدا، أو ضد ممارسات عمومية، وقد اطلعنا على نموذج لها، فهل يجب أن تكون ساحتها وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل من مصلحتنا الوطنية أن تدخل بلادنا في كل فترة زمنية في تجاذبات، تبدأ عبر الفضاء الافتراضي، ومن ثم تحرك الفضاء الواقعي؟ وقد يقول قائل، لماذا لا تكون ساحتها القضاء؟ هى قضايا ليست عادية، وبها حمولات سياسية ذات وزن ثقيل، ومن ثقلها، قد يخفق الحامل في حملها أو تحملها.
أصل القضية هنا، أن هناك مواطنين يحملون شعورا بالظلم تجاه ممارسات أو سلب حقوق أو .. وقد تكون هناك نخب بارزة تشعر الآن أكثر من اي وقت مضى بالاستقواء الكياني بصورة غير مسبوقة، فهل ينبغي (نكرر) ان تكون القضايا ساحتها وسائل التواصل الاجتماعي أم عبر قناة دستورية جديدة غير القضاء لثقلها ووزنها، وغير وسائل التواصل الاجتماعي لخطورتها؟ من هنا، نرى ضرورة انشاء كيان سيادي مستقل يرتبط مباشرة بالمؤسسة السلطانية، تحت مسمى ديوان المظالم،، له فروع في كل المحافظات، ويتم اختيار فرق العمل فيه من مواطنين متخصصين ومؤهلين، ومختارين بعناية فائقة ووفق معايير تختلف تماما عن معايير تولي المناصب الحكومية القائمة على اعتبارات القبيلة والمحسوبية والعلاقة الشخصية .. وقد كشفت لنا الظروف الآن، كيف قد أصبحت انتاجات تلك المعايير تلقي بظلالها السلبية على مرحلتنا الوطنية، ومن ثم فالمرحلة الآن تنقصها هذا الكيان المهم الذي سوف يعالج قضايا وشكاوى مواطنين حساسة وبصورة مباشرة وبسلطة مستمدة من عاهل البلاد حفظه لتفادي مشكلات قد تعرقل معالجة الشكوى والقضايا من خلال المؤسسات المختصة من جهة وللحيلولة دون التصعيد الاعلامي، كما انه اي هذا الكيان سوف يكون بمثابة الردع الذي يصوب الاداء العام للنخب العمومية، ويحول بالتالي دون خلق سوابق تراكمية قد تنفجر في لحظة مستقبلية، وبإنشائه، لن يعذر احدا، ولن يتعاطف معه، إذا ما اختار زاعم حق أو حقوق وسائل التواصل لإثارة قضيته بديلا عن هذا الكيان، لماذا ؟ لوجود مؤسسة مختصة ومتخصصة ومتفرغة للبحث والاستقصاء في كل المظالم دون استثناء، وانصاف المتضررين مهما كان الضرر ومستوى فاعليه، لا أحد محصن، ولا مظلمة ترفض مهما كانت حساسيتها، الباب سيكون مفتوحا لكل القضايا، والحلول تكون محصنة بالسلطة الممنوحة من عاهل البلاد ـ حفظه الله ـ لهذه المؤسسة التي ينبغي أن يكون تدخلها إما تقديم حل نهائي للقضايا المعروضة عليها من منظور المصلحة السياسية أو احالتها للقضاء للبت فيها، وتكون المحاكمة العادلة هى الفيصل في النازعة، وهذه المؤسسة سوف تدفع كل من يشعر أو يزعم بالظلم إلى اللجوء الى رفع مظلمته اليها دون تردد أو خوف مهما كان حجم ووزن أطراف النزاع في الخصومة مسئول كبير في منصبه أو نسبه، ومعها سوف يتحول الصراع من وسائل التواصل الاجتماعي الى إأدارته عبر قناة دستورية تحسمه إذا كان طابعه سياسي أو تحيله للسلطات القضائية المعنية إذا كانت مضامينه ذات طابع قضائي خالص، وديوان المظالم، هي فكرة ومضمون، ليسا جديدين، ويعد سيدنا ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم أول من أسس لهذا النظام في الاسلام، ثم مارسه الخلفاء الراشدون، وهذا يتناغم مع التوجهات العمانية التي تلجأ لتراثنا العماني الاسلامي للاستفادة من تجاربه وتطويرها لخدمة الحاضر والمستقبل، أما في العصر الحديث، فقد ظهرت هذه التجربة في السويد لأول مرة عام 1809عندما تضمن الدستور قرارا بتعيين،، امبودسمان ،، ثم انتشرت الفكرة بعد ذلك إلى الدول الاسكندينافية ثم الى كثير من بلدان العالم المختلفة التي انشأت بدورها مكاتب مماثلة، ولم يتم تعريف كلمة،، امبودسمان ،، واصبحت معروفة الدلالة في ادبيات حقوق الانسان، وقد كان من مهامها تلقي الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الانسان، واتخاذ المبادرات لتصحيح بعض الاوضاع الخاطئة.
من هنا، نرى من الأهمية الظرفية وافاقها المستقبلية، تبني هذه التجربة التي هى اسلامية المنشأ والتطبيق، وتطويرها بما يتناسب مع اوضاعنا الحديثة خاصة بعد ما تعقدت طبيعة الحياة المعاصرة، وتزايدت الشكاوى والتظلمات، وتطبيقها الآن كما أوضحنا قد تجاوز بيئة منشأها زمنا ومكانا، وأصبحت دول أجنبية تتبناها لكسب مجتمعاتها، ولم تتبناها هذه الدول الا بعد ما وجدت اهمية وجودها لتدعيم مبدأ العدال الذي هو اساس الحكم، وعن طريقه يستتب الأمن ويديم الاستقرار، وبلادنا في أمس الحاجة إليها كذلك ، فبمجرد اطلاع هرمنا السياسي مباشرة على قضايا المواطنين الكبيرة التي يكون أطرافها سلطات محلية أو مركزية أو فاعلين كبار في الدولة، هو في حد ذاته سوف يعزز شعور المواطنين بالأمان في العدالة التعزيزية والتكميلية، فديوان المظالم سوف يعزز فعلا هذا الشعور الذي سيكون كابحا لخطوات التصعيد الاعلامية أو الاتصالية، فالإنسان يلجأ للتصعيد لشعوره بالقهر لسد ابواب الاستماع والانصات له مع ما يصيبه من يأس من استحقاق حقوقه.

إلى الأعلى