الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “ظاهرة” التاجر مظاهر

“ظاهرة” التاجر مظاهر

” إنني أتهم – بصراحة – جهات وقوى معروفة وغير مرئية تدفعنا إلى هذه المآلات المقلقة التي لا يسعد أحد منا أن نصل إليها. من المفارقات أن البعض ممن يذرفون دموعهم على الإصلاح ويعبئون الشارع لمواجهة الفساد ويعبثون بصورة وطننا لا علاقة لهم أبدا بالإصلاح، فقد خرجوا – أصلا – من بؤر الفساد وتعبئت جيوبهم الخاصة من حصاده المر.”
ـــــــــــــــــــــــ
تابعت تغريدات مظاهر التاجر عبر حسابه الخاص على تويتر حول ما يصفه بالفساد في القضاء والأمن والإدعاء من خلال الهاشتاغ الخاص به والذي يطالب من خلاله الفريق سلطان النعماني، وزير المكتب السلطاني، بمساندته والنظر في جميع القضايا التي كتب تغريدات عديدة عنها. تباينت الآراء وتعدّدت الرؤى حول ما يطرحه مظاهر وسط مجتمعنا المسالم والهادئ.
وحيث لا تربطني بالمذكور أي سابق علاقة أو معرفة كان من البديهي أن أقف على خلفية هذا الشخص الذي يستجدي العدالة أن تنصفه ويسعى لكشف وفضح الفساد والمفسدين عبر كافة الوسائل المتاحة، وصولا إلى المحطات الفضائية الدولية، ليصبح بذلك كأحد رموز الاصلاح الذين يشار اليهم بالبنان. توقعت بديهياً أن التاجر بتوجهه هذا يجمع بين ثناياه كل الخصال والصفات الحميدة والمواقف العظيمة، وبالتالي هو مثال يقتدى به وسط مجتمعه المحلي. وبالسؤال عن خلفيات التاجر في محيط بلدته كونهم الأدرى والأعلم بشخصه، دهشت لما سمعت دون الحاجة للتعمق في التفاصيل.
ومن ثم تمعنت مجددا في أطروحاته وتساءلت في قراره نفسي كيف يسعى من يحارب الفساد إلى الأساليب الملتوية لتحقيق العدالة فهذا مسلك فاسد إذ لا يمكن معالجة الداء بداء، والقاعدة تقول إن من يريد أن يحارب الفساد ينبغي أن لا يكون منغمسا في الفساد، ومن يدعو إلى تصحيح الآخرين عليه أن يصحح نفسه أولاً وأن يكون قدوة في النزاهة. تساءلت أيضا وفي حين حقق التاجر مراده عبر الأساليب غير السوية هل كان ليثير هذه الزوبعة ويواصل مقارعة قوى الفساد أيضا؟ السؤال المنطقي الذي يتوجب علينا طرحه هنا هو، وفي حال توفر كل الأدلة المادية والمستندية التي يواصل الاشارة اليها التاجر والتي حسبما يلوح ستسقط من يستهدف من شخوص، أولئك الذين بيدهم في الأساس إمكانية تبرئة ساحته مما أدين به سلفا وقلب الموازين – في حال كانوا فاسدين – ولم يفعلوا انذاك، ألا يتوجب منا هذا التريث قليلا والتفكر كثيرا؟ وفي حين أن رسالته وحيثيات قضيته وصلت للعالم كافة وقطعا إلى كافة الجهات المعنية في الدولة التي بادرت بالتأكيد بفتح تحقيق لتتضح صحة الإدعاءات وينال كل مذنب جزاءه، إذا، بماذا نبرر مواصلة المذكور حملة التشهير المستعرة ضد مؤسسات الوطن؟ لا يمكن تفسير ذلك إلا بشيء واحد وهو محاولة النيل من هيبة الدولة.
إن المزايادات من مظاهر الذي نصب نفسه واعظا وأراد أن يعطينا دروسا في النزاهة والوطنية هو ما دفعني للرد علي رسائله المليئة بعبارات التباهي وإلقاء الكلام علي عواهنه من أجل إثارة الزوابع فقط. وليته اكتفي بهدا فحسب فمن الواضح أنه يواصل محاولة زرع أسافين الشك بيننا وجرح هيبة الدولة في مفاصلها وجوانبها المختلفة. من يقف خلفه ياترى، ومن وراء صناعة هذه المرحلة التي تسعى لاشاعة هواجس القلق بيننا؟ إنني أتهم – بصراحة – جهات وقوى معروفة وغير مرئية تدفعنا إلى هذه المآلات المقلقة التي لا يسعد أحد منا أن نصل اليها. من المفارقات أن البعض ممن يذرفون دموعهم على الاصلاح ويعبئون الشارع لمواجهة الفساد ويعبثون بصورة وطننا لا علاقة لهم ابدا بالإصلاح، فقد خرجوا – أصلا – من بؤر الفساد وتعبئت جيوبهم الخاصة من حصاده المر.
طريقة شطرنجية من نوع خاص يُمارسها المذكور فهو يلجأ إلى أسلوب المراوغة واللعب تحت الطاولة والتلاعب بالألفاظ وتمرير تحريضات على مؤسسات الدولة
الحساسة ونظامها وسياساتها بهدف خلق المشاكل لإشعال روح الغضب والسخط بين المواطنين، والذى سيؤدي حتما إلى إنقسام حقيقي في المجتمع.
هل أصحبت السلطنة في نظر التاجر لا تعرف الحقوق ولا القانون إلى درجة أنها ليست بخير إلاَّ بمن هم من أمثاله. هل أصبح المعيار في نظر التاجر هو الجرأة على الدولة والإساءة إليها والتحريض عليها والتهجم على مؤسساتها وإحداث الفتن؟ هل هذه الأعمال تستحق الوسام عند مظاهر؟ هل أصبحت الاستهانة بالعقول إلى هذه الدرجة المكشوفة؟
للأسف ما بت أسمعه في التغريدات مؤخرا لم يخطر في بالي أن أسمعه أبدا، وما المسه من حماسة لدى البعض والذين خرجوا عن كل مألوف يدفعني الى الخوف فعلا من المستقبل الذي يتربصنا اذا لم نسارع فورا إلى إستدراك هذه التحولات بمعالجات حقيقية – وغير مألوفة أيضا – فلا داعى أن نعيد ونزيد فى أمور لن تبنى بل تهدم. لماذا كل هذا الشحن المتكرر ضد السلطة؟ هل هي محاولة استدراجية لتكوين جبهات معارضة ضد الدولة؟ يتفنن البعض في التحريض ضد الدولة وتشويهها ومحاولة استعداء الداخل والخارج ونشر تغريدات ومقالات مغرضة.
لا اتفاجأ شخصيا بالإنتقادات التي توجه للحكومة، لكن ما يصدمني ويؤلمني – فعلا – هو حالة الانقضاض على هيبة الدولة لدرجة أصبحت أشعر معها بأننا أمام مرحلة تكسرت فيها الخطوط الحمر، وسقطت فيها كل الاعتبارات التي حرصنا فيما مضى على احترامها، وكأننا – للأسف – أمام محاولات جادة ومقصودة وربما غير بريئة تريد أن تجرح في السلطنة رموز مؤسساتها والقيم الوطنية وتحطم صورتها بلا أدنى اعتبار لأي مصلحة أو هدف. إن العلاقة التي يجب أن تكون بين المواطن والدولة ينبغي أن تكون مبنية على الثقة المتبادلة وعلى ضرورة وضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وبما يخدم معادلة الحفاظ على هيبة الدولة و هيبة المواطن معا.
إن هيبة القضاء في السلطنة وكلمته النافذة الفاصلة نابعة من هيبة الحاكم، كما أن إقامة العدل بين الناس من اختصاصات ومسؤوليات ولي الأمر، ولذلك فهو ينيب القضاة الأكفاء الأجلاء ذوى السمعة الطيبة ليحكموا بين الناس بالعدل والقسطاس ويسعوا بكل نزاهة واقتدار إلى تحقيق العدالة ضمن إجراءات قانونية سوية، فولي الأمر هو من تستمد الولاية القضائية منه، لأنه رأس الدولة والقائم عليها. ومن هنا نأتي إلى معادلة مهمة وبديهية وهي أن الطعن في القضاء والتشكيك في نزاهة القضاة هو طعن في حاكم الدولة الذي ائتمنهم على هذه الأمانة وأقامهم لتحقيق العدل بين الناس ووضع فيهم ثقته وأعطاهم السلطة وجعلهم مستقلين لا تأثير لأحد على حكمهم. فمن يشكك في نزاهة السلطة القضائية ويطعن في عدالتها فإنما يطعن فيمن أقام هذه السلطة وأناب القضاة.

أسامة الحرمي
كاتب عماني
إن الشعب العماني الأبي الوفي ينظر إلى قيادته الرشيدة بكل فخر واعتزاز وإكبار، ويفتخر بنزاهة القضاء العماني الحريص على قول الحق وتحقيق العدالة من دون محاباة لأحد ولا إنحياز لأحد ولا تحامل على أحد. إن صاحب كل عقل سديد يرى أن التمسك بسيادة القانون والانصياع لأحكامه أمر حتمي لا مناص عنه لصيانة وحماية الحقوق والحريات وتحقيقا للعدالة وحفظا للأمن والأمان والاستقرار والتي هي لمن أعظم النعم التي يظفر بها الإنسان. إن الشعب العماني ينطق بملء فمه ويقولها بكل قوة: نعم لسيادة القانون، ونعم لنزاهته وعدالته.

إلى الأعلى