الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / موسكو .. سياسة النديّة للغرب

موسكو .. سياسة النديّة للغرب

د. فايز رشيد

” روسيا لم تقف مكتوفة الأيدي تجاه التحديات والاستفزازات الغربية. لقد وقّع الرئيس الروسي بوتين قانونا سمي بـ :” العقيدة العسكرية الروسية الجديدة ” وتشمل: الأولوية لمجابهة الأخطار من قبل حلف شمال الأطلسي, من مهام الأساس للجيش الروسي تأمين المصالح الوطنية لروسيا وبخاصة في منطقة القطب الشمالي ( منطقة تماس مع أميركا), تحديد 14 خطرا يواجه روسيا,”
ــــــــــــــــــــــ
نجح الجمهوريون الذين سيطروا على مجلسي الشيوخ والنواب في الانتخابات التشريعية الأميركية الأخيرة في محاصرة الرئيس باراك أوباما وحزبه. نعم, نجحوا في جعل رأس هرم الإدارة الأميركية بطة عرجاء! ليس ذلك فحسب وإنما نجحوا في سن قانون “دعم الحرية في أوكرانيا ” والذي ينص على: فرض المزيد من العقوبات على روسيا, وتقديم أسلحة حديثة وفتّاكة إلى سلطات كييف. من جهته قام البرلمان الأوكراني بإلغاء قانون “حياد اوكرانيا”, كما أن الرئيس ورئيس وزرائه وسياسيين عديدين أعلنوا عن رغبتهم الشديدة في الإنضمام إلى كافة الإتفاقيات والهيئات الغربية وعلى رأسها: حلف شمال الأطلسي.
من جهته حاول الغرب وما يزال تشديد الحصار على روسيا في ثلاثة قطاعات: المصرفي, قطاعي الطاقة والأسلحة. العقوبات تهدف إلى شل عصب الإقتصاد الروسي وضرب سيولته النقدية. الرئيس أوباما وقّع قانون “دعم حرية أوكرانيا” وقام بفرض عقوبات جديدة على روسيا: منع تصدير البضائع والتقنيات والخدمات إلى شبه جزيرة القرم. الاتحاد الأوروبي حظرعلى كافة الاوروبيين, تصدير البضائع والاستثمار والتجارة إلى شبه جزيرة القرم. كندا منعت تصدير التكنولوجيا المستخدمة في قطاعي النفط والغاز إلى السلطات في القرم. كما قامت بحظر دخول أكثر من 120 مسؤولا روسيا إليها, وقامت بتجميد أرصدتهم في بنوكها. موسكو جد مستاءة من العقوبات الأخيرة, واعتبرتها “ألغاما في طريق العلاقات مع أميركا وكافة الدول الغربية “.
ما زاد الطين بلّة: انخفاض أسعار النفط عالميا إلى ما دون النصف, اي أقل من 60 دولارا للبرميل!. موسكو تعتبر أن هذا الإنخفاض مقصود وأن لواشنطن ضلع أساسي فيه, وبخاصة أنها ضبطت (وفق بيان رسمي روسي) عملاء أميركيين في البورصة يعملون لتخريب أسعار العملات الصعبة, وتقليل سعر صرف الروبل بالنسبة للعملات المعنية .. الامر الذي يؤدي إلى ارتفاع نسبة التضخم في روسيا وانهيار الروبل. لقد بلغت خسائر روسيا جرّاء العقوبات وانخفاض أسعار النفط 120 مليار دولار( حتى اللحظة) !.
روسيا لم تقف مكتوفة الأيدي تجاه التحديات والاستفزازات الغربية. لقد وقّع الرئيس الروسي بوتين قانونا سمي بـ :” العقيدة العسكرية الروسية الجديدة ” وتشمل: الأولوية لمجابهة الأخطار من قبل حلف شمال الأطلسي, من مهام الأساس للجيش الروسي تأمين المصالح الوطنية لروسيا وبخاصة في منطقة القطب الشمالي ( منطقة تماس مع أميركا), تحديد 14 خطرا يواجه روسيا, منها الانتباه الشديد لما يسمى بـ ” الضربات الفورية الأميركية) والقرار والتنفيذ الاميركي لها يستغرق فقط ساعة واحدة, مجابهة الاستخبارات الأجنبية والهيئات الساعية لتخريب روسيا وتدمير أمنها, مواجهة التهديدات المتصاعدة للتطرف والإرهاب. ولعل من أهم بنود العقيدة الجديدة: حق روسيا في استعمال الأسلحة النووية للأغراض الدفاعية.
اقتصاديا قامت روسيا بتجميد اسعار العديد من السلع ومنها المشروب الرئيسي للروس ( الفودكا), كما قامت برفع سعر الفائدة الأساسية على الروبل, وذلك في محاولة منها للحفاظ على استقرار الوضع الإقتصادي الروسي. لقد ذكر الرئيس بوتين في خطاب قريب له: ليس بمقدور أحد عزل روسيا أو إرهابها.
التصعيد هو سمة الوضع في العلاقة بين روسيا والغرب. إن ما يجري من أحداث في أوكرانيا يؤثر مباشرة على أمن الفيدرالية الروسية. لذلك, فإن روسيا ستمضي في الصراع الدائر, إن مع الدولة الجارة أو في صراع الحرب الباردة من جديد مع حلف الناتو. الطرفان الروسي والناتوي يحاولان ما استطاعا إحراز مكاسب لكل منهما على حساب الصراع في أوكرانيا: الناتو حاول ضمها إلى الحلف من أجل بناء قواعد عسكرية له فيها( ونجح تقريبا في ذلك),على طريق استكمال إحاطة روسيا بالأسلحة الصواريخية, وروسيا مستفيدة من درس بولندا, تضغط باتجاه منع تحقيق هذا الأمر, من خلال الضغط على حلفائها الأوكرانيين من أصل روسي, في اتجاه منع تمرير المخطط الغربي في أوكرانيا.
لذلك, فإنه بالمعنى الواسع تم تدويل الصراع الأوكراني, وهو مرشح لامتدادات أخرى، من الملاحظ أن حدة التصريحات بين الزعماء الغربيين ونظرائهم الروس زادت مؤخرا وهي تأخذ شكلا تصاعديا. بوتين بدوره كان قد قال في تصريح سابق له بعد التفويض الذي أخذه من البرلمان الروسي ( مجلس الدوما) باتخاذ ما يراه مناسباً من قرارات لحماية الروس والناطقين بالروسية في أوكرانيا: “آمل أن لا اضطر إلى استخدام هذا الحق وأن نتمكن من حل المشكلات الخطرة بالوسائل السياسية والدبلوماسية”. وكالة الإعلام الروسية قالت:”إن بوتين ذكر أيضاً في اجتماع رسمي بشأن صناعة الدفاع الروسية أن موسكو يجب أن تزيد إنتاج نظم للصواريخ المضادة للصواريخ والمضادة للطائرات بما فيها صواريخ “إس-300″. التصريح يعني ما يعنيه.
التقديرات تشي بأن الأوضاع في أوكرانيا من جهة, وبين روسيا وبينها من جهة ثانية, وبين روسيا والغرب من جهة ثالثة لن تستقر عند الوضع الحالي, نعم بالنسبة لأوكرانيا الولايات الاحتمالات مفتوحة على أكثر من صعيد: هناك التهديد بالتقسيم بين أوكرانيا الشرقية والأخرى الغربية. روسيا التي اعلنت رفضها للخطوات الأوكرانية من خلال تصريحات واضحة ومحددة لرئيس الوزراء ميدفيديف نادت بالعودة الى تطبيق الأتفاق الموقع بين حليفها يانكوفيتش وبين المعارضة, ربما تلجأ الى التدخل العسكري ( رغم استبعاد ذلك في الوقت القريب) في أوكرانيا. احتمال الحرب الأهلية احتمال وارد هو الآخر. الأمر مرهون بتطورات الصراع, غير أن من الثابت القول أن روسيا(والرئيس بوتين شخصياً) لن تقف مكتوفة الأيدي في الصراع الدائر حول أوكرانيا, فالأخيرة بالنسبة لها(بالإضافة إلى دول البلطيق وبيلو روسيا) عامل استراتيجي مهم في حساباتها الإستراتيجية … بالتالي لا مجال للتسليم الروسي للناتو في نشر قواعد صاروخية ناتوية على أراضي الجمهورية المجاورة, كما أن موسكو نصّبت من نفسها قطبا مواجها للولايات المتحدة على الساحة الدولية. المواطنون الروس في غالبيتهم بستفزون إذ ما لامس عدو شعورهم القومي. من قبل أوقفوا زحف نابليون, وهزموا القوات النازية على أبواب موسكو .. وأصروا على أن لا يدخلها النازيون … وهذا ما حصل.

إلى الأعلى