الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الجن “2″

سورة الجن “2″

إعداد ـ أم يوسف
سميت سورة الجن ‏بهذا ‏الاسم ‏لأنها ‏ذُكر ‏فيها ‏أوصاف ‏الجن ‏وأحوالهم ‏وطوائفهم ‏وأيضا ‏سورة ‏‏(‏قُلْ ‏أُوْحِيَ ‏إَلَىَّ‎).
وهي: مكية من المفصل وآياتها “28″ وترتيبها الثانية والسبعون، نزلت بعد الأعراف وتعالج السورة أصول العقيدة الإسلامية “الوحدانية، الرسالة، البعث، والجزاء”، ومحور السورة يدور حول الجن وما يتعلق بهم من أمور خاصة، بدءا من استماعهم للقرآن إلى دخلوهم في الإيمان، وقد تناولت السورة بعض الأنباء العجيبة الخاصة بهم: كاستراقهم للسمع، ورميهم بالشهب المحرقة، وإطلاعهم على بعض الأسرار الغيبية، إلى غير ذلك من الأخبار المثيرة.
* سبب نزول السورة:
عن عبد الله بن عباس قال: انطلق النبي في طائفة من أصحابه إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأُرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: مال لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأُرسلت علينا الشهب قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شئ حدث فاضربوا مشارق الارض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء فانصرف اولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم وقالوا:”يا قومنا إنا سمعنا قرأنا عجبا يهدى إلى الرشد فأمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ” فأنزل الله على نبيه” قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن” ـ (البخاري).
فإلى التفسير مع الامام القرطبي ..
بِسْمِ اْللهِ اْلرَّحْمَنِ اْلرَّحِيمِ
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً، وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً)
الرابعة: واختلف أهل العلم، في أصل الجن؛ فروى إسماعيل عن الحسن البصري: أن الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب. فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان.
وروى الضحاك عن ابن عباس: أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشياطين ، وهم يؤمنون، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين هم ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. واختلفوا في دخول مؤمني الجن الجنة، على حسب الاختلاف في أصلهم. فمن زعم أنهم من الجان لا من ذرية إبليس قال: يدخلون الجنة بإيمانهم. ومن قال: إنهم من ذرية إبليس فلهم فيه قولان: أحدهما: وهو قول الحسن يدخلونها. الثاني: وهو رواية مجاهد لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. حكاه الماوردي. وقد مضى في سورة “الرحمن” عند قوله تعالى:(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) بيان أنهم يدخلونها.
الخامسة: قال البيهقي في روايته: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال:”لكم كل عظم” دليل على أنهم يأكلون ويطعمون. وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم ، اجتراء على الله وافتراء ، والقرآن والسنة ترد عليهم ، وليس في المخلوقات بسيط مركب مزدوج ، إنما الواحد الواحد سبحانه، وغيره مركب وليس بواحد كيفما تصرف حاله. وليس يمتنع أن يراهم النبي (صلى الله عليه وسلم) في صورهم كما يرى الملائكة. وأكثر ما يتصورون لنا في صور الحيات، ففي الموطأ: أن رجلا حديث عهد بعرس استأذن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأنصاف النهار أن يرجع إلى أهله .. الحديث، وفيه: فإذا حية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها. وذكر الحديث، وفي الصحيح أنه عليه السلام قال: “إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر” . وقال: “اذهبوا فادفنوا صاحبكم” وقد مضى هذا المعنى في سورة “البقرة” وبيان التحريج عليهن. وقد ذهب قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة ، لقوله في الصحيح: “إن بالمدينة جنا قد أسلموا”. وهذا لفظ مختص بها فيختص بحكمها. قلنا: هذا يدل على أن غيرها من البيوت مثلها لأنه لم يعلل بحرمة المدينة ، فيكون ذلك الحكم مخصوصا بها، وإنما علل بالإسلام، وذلك عام في غيرها، ألا ترى قوله في الحديث مخبرا عن الجن الذي لقي: “وكانوا من جن الجزيرة” وهذا بين يعضده قوله: “ونهى عن عوامر البيوت” وهذا عام.
وقوله تعالى:(فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً) أي: في فصاحة كلامه. وقيل: عجبا في بلاغة مواعظه. وقيل: عجبا في عظم بركته. وقيل: قرآنا عزيزا لا يوجد مثله. وقيل : يعنون عظيما. (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) أي إلى مراشد الأمور. وقيل: إلى معرفة الله تعالى و(يَهْدِي) في موضع الصفة أي هاديا. (آمَنَّا بِه) أي فاهتدينا به وصدقنا أنه من عند الله (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً) أي لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه ؛ لأنه الذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر، ثم رمي الجن بالشهب. وقيل لا نتخذ مع الله إلها آخر ؛ لأنه المتفرد بالربوبية. وفي هذا تعجيب المؤمنين بذهاب مشركي قريش عما أدركته الجن بتدبرها القرآن. وقوله تعالى:(اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ) أي: استمعوا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فعلموا أن ما يقرؤه كلام الله. ولم يذكر المستمع إليه لدلالة الحال عليه. والنفر الرهط، قال الخليل: ما بين ثلاثة إلى عشرة. وقرأ عيسى الثقفي (يَهْدِي إِلَى الرَّشَدِ) (بفتح الراء والشين).
قوله تعالى:(وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) كان علقمة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وابن عامر وخلف وحفص والسلمي ينصبون (أن) في جميع السورة في اثني عشر موضعا، وهو: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا)، (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ)، (وَأَنَّا ظَنَنَّا)، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ)، (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا)، (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ)، (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ)، (وَأَنَّا لا نَدْرِي)، (وأنا منا الصالحون) ، (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ) ، (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى)، (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُون) عطفا على قوله: (أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ)، (أَنَّهُ اسْتَمَعَ) لا يجوز فيه إلا الفتح ؛ لأنها في موضع اسم فاعل (أُوحِيَ) فما بعده معطوف عليه. وقيل : هو محمول على الهاء في (آمَنَّا بِهِ)، أي و”بأنه تعالى جد ربنا” وجاز ذلك وهو مضمر مجرور لكثرة حرف الجار مع “أن”. وقيل: المعنى أي وصدقنا أنه جد ربنا. وقرأ الباقون كلها بالكسر وهو الصواب ، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفا على قوله : (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا) لأنه كله من كلام الجن. وأما أبو جعفروشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع وهي: قوله تعالى:(وأنه تعالى جد ربنا)، (وأنه كان يقول) ، (وأنه كان رجال)، قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي لأنه من كلام الجن. وأما قوله تعالى:(وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) فكلهم فتحوا إلا نافعا وشيبة وزر بن حبيش وأبا بكر والمفضل عن عاصم ، فإنهم كسروا لا غير. ولا خلاف في فتح همزة “أنه استمع نفر من الجن”، “وأن لو استقاموا” “وأن المساجد لله”،”وأن قد أبلغوا”. وكذلك لا خلاف في كسر ما بعد القول ؛ نحو قوله تعالى:(فقالوا إنا سمعنا) و(قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي) و(قُلْ إِنْ أَدْرِي). و(قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ). وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء، نحو قوله تعالى:(فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) و(فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) لأنه موضع ابتداء.
وقوله تعالى:(وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) الجد في اللغة: العظمة والجلال ؛ ومنه قول أنس: “كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا أي: عظم وجل” فمعنى: (جَدُّ رَبِّنَا) أي عظمته وجلاله ؛ قال عكرمة ومجاهد وقتادة. وعن مجاهد أيضا: ذكره. وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمة أيضا: غناه. ومنه قيل للحظ جد ، ورجل مجدود أي محظوظ ؛ وفي الحديث: “ولا ينفع ذا الجد منك الجد” قال أبو عبيدة والخليل: أي ذا الغنى، منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة. وقال ابن عباس: قدرته. الضحاك: فعله. وقال القرظي والضحاك أيضا: آلاؤه ونعمه على خلقه. وقال أبو عبيدة والأخفش ملكه وسلطانه. وقال السدي: أمره. وقال سعيد بن جبير: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا) أي تعالى ربنا. وقيل: إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أب الأب ، ويكون هذا من قول الجن. وقال محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق والربيع : ليس لله تعالى جد، وإنما قالته الجن للجهالة ، فلم يؤاخذوا به. وقال القشيري : ويجوز إطلاق لفظ الجد في حق الله تعالى إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن ، غير أنه لفظ موهم ، فتجنبه أولى. وقراءة عكرمة “جد” بكسر الجيم: على ضد الهزل. وكذلك قرأ أبو حيوة ومحمد بن السميقع. ويروى عن ابن السميقع أيضا وأبي الأشهب “جدا ربنا”، وهو الجدوى والمنفعة. وقرأ عكرمة أيضا “جد” بالتنوين “ربنا” بالرفع على أنه مرفوع، بـ “تعالى” ، و”جدا” منصوب على التمييز. وعن عكرمة أيضا “جد” بالتنوين والرفع “ربنا” بالرفع على تقدير: تعالى جد جد ربنا، فجد الثاني بدل من الأول وحذف وأقيم المضاف إليه مقامه. ومعنى الآية : وأنه تعالى جلال ربنا أن يتخذ صاحبة وولدا للاستئناس بهما والحاجة إليهما ، والرب يتعالى عن الأنداد والنظراء.

إلى الأعلى