السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما بعد إسقاط أو سقوط الطائرة الأردنية..؟

ما بعد إسقاط أو سقوط الطائرة الأردنية..؟

جواد البشيتي

بعد سقوط (أو إسقاط) مقاتلة أردنية من طراز “F – 16″، في منطقة من شمال سوريا يسيطر عليها تنظيم “داعش” الذي تمكَّن من أسْر طيَّارها، يكون الأردن، أراد ذلك أم لم يُرِدْ، قد تجاوز نقطة اللاعودة في تورُّطه (العسكري) في هذه الحرب، التي يَجِد صانع القرار الأردني صعوبة كبيرة في تبرير التَّورُّط الأردني (أو تبرير زيادته ومضاعفته) فيها لدى الرأي العام المحلي، وفي إقناع جمهور واسع من الأردنيين، إنْ لم يكن غالبيتهم، بحيثيات وجدوى المشاركة العسكرية الأردنية في هذه الحرب؛ ولسوف تشتد وتَعْظُم هذه الصعوبة في حال شارك جنود أردنيون مباشرةً في هذه الحرب؛ مع أنَّ السلطات الأردنية سعت في الإفادة من قضية أسر الطَّيَّار الأردني في تكوين رأي عام مؤيِّد ومسانِد للمشاركة الأردنية (ولمزيدٍ منها) في هذه الحرب، وللدور (العسكري) الذي يعتزم الأردن الاضطلاع به، عمَّا قريب، في الصراع الدائر في سوريا والعراق.
السلطات الأردنية ستحرص كل الحرص على أنْ تتعامل مع قضية أسْر الطَّيَّار الأردني (وهو ابن عشيرة من عشائر الجنوب) بما يجعلها تَظْهَر أمام الأردنيين جميعًا، وأمام المجتمع المحلي العشائري للأسير، على أنَّها التي بَذَلت وسعها (ولم تُقَصِّر قط في سعيها) لمعالجة وإنهاء وحل القضية بما يعيد الطَّيَّار الأسير سالمًا إلى أهله، بصرف النَّظَر عن النتيجة النهائية؛ فإنَّ أسوأ الأمور هو أنْ تبدو السلطات الأردنية لدى الرأي العام المحلي على غير هذا النحو، وأنْ يَقْتَرِن هذا “التَّقْصير” ببثِّ التنظيم لشريط (أو أشرطة) فيديو يَظْهَر فيها الطَّيَّار الأسير في وَضْعٍ مهين، متوسِّلًا مُسْتَعْطِفًا مُسْتَرْحِمًا، قبل أنْ يُعْدَم في الطريقة الوحشية التي اشتهر “داعش” بممارستها.
الأردنيون جميعًا متعاطفون (إنسانيًّا في المقام الأول) مع قضية الطَّيَّار الأسير، ويتَمنُّون نهاية سعيدة لها؛ لكن هذا لا يعني أنَّهم متفهِّمون لحيثيات وأسباب التَّورُّط العسكري الأردني في هذه الحرب، كما أعلنتها السلطات الأردنية؛ وكثيرٌ منهم يقول إنَّ تنظيم “داعش”، وعلى ما ينطوي عليه نهجه من مخاطر إرهابية محتملة على الأردن، لم يُبادِر، حتى الآن، بالاعتداء (الفعلي) على الأردن، وإنَّ اندفاع الأردن في الحرب عليه سيُسَوِّغ ويُشَرْعِن لهذا التنظيم شَنَّ اعتداءات إرهابية في داخل المملكة؛ ومِمَّا زاد الطين بلة إعلان الولايات المتحدة أنَّ تنظيم “داعش” لم يُسْقِط المقاتلة الأردنية، مع عدم توضيحها سبب سقوط (أو تَحَطُّم) هذه المقاتلة. وهذا الإعلان (الغامِض المريب) يجعل الأردنيين أكثر خشيةً من أنْ تكون المقاتلة قد ذهبت للمعركة وهي في “وضع تقني وقتالي ولوجستي” غير ملائم. ويكفي أنْ يَقْتَنِع الأردنيون بها “السبب”، أو “التفسير”، حتى يذهب جزء من شعورهم بالنَّقْمَة في اتِّجاه حكومتهم التي تعتزم مزيدًا من التَّورُّط في حربٍ ليست مهيَّأة لها عسكريًّا (وتقنيًّا وقتاليًّا ولوجستيًّا) بما يكفي جنودها شرور هذه الحرب بأنواعها كافة، وفي مقدَّمها “الأسْر”.
ولا شكَّ في أنَّ وجاهة تساؤل الأردنيين عن السبب الذي يَحْمِل حكومتهم على التَّورُّط في هذه الحرب ستقوى وتتعزَّز في حال تَكَبُّد الجيش الأردني خسائر بشرية في داخل أراضٍ سورية أو عراقية في وقت تُحْجِم الولايات المتحدة ودول أخرى (غربية وعربية) أعضاء في “التحالف” عن إرسال جنود لها إلى أرض المعركة؛ ولو حَدَثَ ذلك لكانت عاقبته تكاثُر حديث الأردنيين عن “استرخاص الدم الأردني”!
وعواقب التَّورُّط الأردني ستزداد في حال دَخَل الأردن في الصراع الدائر في سوريا والعراق من بوَّابة “العشائر العربية السنية” بتدريبه وتسليحه أبنائها؛ وهذا “المَدْخَل العشائري” الخاص بالدَّور الأردني، يُضاف إلى “المَدْخَل الطائفي والمذهبي” لأدوار دول وأطراف أخرى؛ وعندئذٍ، لا يعود ممكنًا تمييز نوع “الانفجار نحو الدَّاخِل” من نوع “الانفجار نحو الخارج”، فتشهد الساحة الإقليمية لحربٍ، عنوانها “الحرب على الإرهاب (على تنظيم “داعش”)”، تَداخُلًا وتَشابُكًا مُنْذرَيْن بأسوأ العواقب.

إلى الأعلى