الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / ماذا يخبىء العام الجديد لبعض العرب!
ماذا يخبىء العام الجديد لبعض العرب!

ماذا يخبىء العام الجديد لبعض العرب!

زهير ماجد

مقدمة:
ليست الكتابة عن عام مضى من أجل عام يتقدم قد تعني اعادة النظر بالقديم او وضعه على المشرحة، بل تحتاج المسألة الى وجهات نظر بالجديد كي نتعرف على إمكانياته .. وماذا لو كان العام الجديد استكمالا لما جرى في السابق فإن القراءة فيه قد تعني تكرار كلام قيل أو نظريات كتبت.
ـــــــ
ففي الأيام الأولى للعام 2015 تكثر التمنيات والامنيات، لكن الأمر سيظل اسير هذا الواقع .. فالعالم العربي خرج منذ سنوات أربع عن السكة التي مشاها طويلا، لكنه لم يصل بعد الى الهدف الأخير، ويبدو انه لن يصله بسهولة، او قد لا يصله اطلاقا طالما انه مازال يدافع عن نفسه امام هجمات كبرى تريد تغيير واقعه وتسعى لأن تكون البديل.
في كل الحالات لا بد من الكتابة، لعلها تشفي النفوس او تمسح افكارا او تبني .. ليست الكتابة دائما مفعولا مؤكدا ونتائج يجب حصولها، بقدر ماهي محاولات، علامات، صور مضيئة واخرى معتمة .. وحين نكتب فنحن نحفر في العقول التي تقرأ لعلنا نصل بها الى تقبل كلامنا سواء اعجبها او لم يعجبها.
يكتب العرب قضية وجودهم اليوم بالبندقية والرصاصة والمدفع والطائرة الحربية وغيره من مقومات النار .. انه المشهد الذي يرتسم كي تكون له نتائجه البعيدة، انه مرحلة الدفاع عن الذات، عن الجغرافيا، عن شعوبها، عن وحدة ترابها، عن رغيف خبزها، والادهى انها عن نسائها كي تحفظ كرامتهن التي يراد لها ان تنهار، وان يظل لاطفالها أمل بغد، بل ان يموت شيوخها على اسرتهم بدل ان يذبحوا او ينهاروا امام اعداء لايعرفون القيم والاخلاق والضمير.
هذا المشهد جزء من حرب كبرى عمرها عشرات السنين على العرب، تتخذ هذه المرة صفة الداخل .. استعمار من نوع مختلف .. طريقة من التفكير لم تعرف من قبل، عالم من الاجرام لم ير او يقرأ عنه او يسمع به .. صورة مشوهة للاسلام يراد لها ان تنضج كما هي كي تكون مؤامرة عليه، فتتحول بالتالي الى عدو بعدما سعى الغرب الى صناعة اعداء عندما سقطت الشيوعية، فكان الاسلام هو هذا العدو.
لن نكتب اذن عن عام مضى وان كان قد انسل في الجديد قبل ان يبلغ هذا الجديد يومياته.. فالحرب الكبرى التي نحن بصددها والتي عمرت في ارض العرب، مازالت حتى الساعة دفاعا عن الذات في وجه او وجوه لها غاياتها، ليس فقط في الحصول على خيرات الأمة، بل في: منع وحدتها التاريخية والجغرافية، وفي منع التقدم عنها وابقائها في خريف التخلف، ومن ثم منع كل المكونات التي تؤدي بها الى التقدم.
قضية العرب التي نحن بصددها، تقوم على ثلاثة اعمدة اذ حاولنا التفصيل: كيفية الدفاع عن نفسها حاليا .. وكيفية توقع ماهو قادم من مؤامرات جديدة، وماذا عن البناء الاجتماعي والاقتصادي والانساني وخلافه. فاذا اقرينا بان الامور موجودة وغايات وجودها متوفرة، فان العرب مطلوبون لممارسة تلك الاعمدة . فما هو واضح حاليا ، ان هنالك خربطة كاملة في خارطة الجغرافية كما سوريا والعراق، وهنالك ماهو ادهى من تداعي دول كليبيا على سبيل المثال ، وهنالك دول تريد العودة الى دورها لكن مصابها الداخلي يمنع كمصر . فيما هنالك دول تحملت المخاطر لتبني ذاتها بعدما اكتشف شعبها لعبة التهاون بالمصير فثار عليه وهو تونس ولبنان.
وقبل ان نفصل في كل قطر عربي ، نتوخى تصورا يمكن له ان يكون محاولة جامعة لو تحقق لكان بالامكان التخلي عن فكرة التفصيل عن كل قطر:
1 ـ الدفاع عن الذات يعني بناء انظمة لها تقاليد جديدة قائمة على العسكرة، ونقول بالعسكرة لأن المفروض على الأمة لايحتاج لكتابات صحافية ولا لمعالجات فكرية، بل يحتاج لسيف بتار، لسلاح لا ينضب، لخطط عسكرية ومخططين مهرة في هذا المجال، وجيوش عقائدية، واستعداد دائم للقتال .. كنا نرفض قبلا الحديث عن المؤامرة، لكننا اليوم نقر بوجودها ، وبأنها قائمة ومباح لها ان تتصيد السلام العربي ومقوماته.
كتب الكثير عن هذا المفهوم في السابق، قيل ان المطلوب هو تعبئة الشعوب فكريا وثقافيا وهو سلاح فتاك يمكن له ان يكون قوة فاعلة اذا ما وضع السلاح بيد تلك الشعوب ..وقيل عن احزاب عقائدية تبني نفوسا واجسادا صالحة للتقال في كل وقت .. لكن، لايكفي ان تقاتل الجيوش وحدها كأنها بمنأى عن شعوبها ، المطلوب التصاق كامل بينهم، فيكون الجيش والشعب يدا واحدة لأن قدر الطرفين البقاء او عدمه . كلهم في سفينة واحدة.
هذا الدفاع ليس فقط عن الحاضر، انه تطهير للماضي، تصحيح لبعض الخلل فيه، وتنظيف للمستقبل، حيث مفهوم الحرية كما كان يقول انطون سعادة ” ان لم تكونوا احرارا من امة حرة فحريات الأمم عار عليكم”. من هذه النظرية تنشأ وحدة الذات مع الموضوع، مفهوم الانا المتشكلة في صورة نحن.
ان هوية الأمة في دفاعها عن روحها وسيادتها وكينونتها، تحتاج لصبر طويل ، خصوصا وانها الآن تدير معركة البقاء كما لو انها ولدت البارحة، وتريد ان لاتموت غدا. ثمن الحياة تلك انضاج لعوامل نائمة، كان يعاد احياء مشروع تكامل المجتمع وانصهاره كما قلنا في الدفاع عن الذات الذي يحتاج تحويل الأمة الى قلعة قوية البنيان لايمكن اختراقها ، واذا مااخترقت ضاعت وانتهت . ويجب ان تفهم ان كل جزء في الأمة يعني الكل ، ومايتعرض له الجزء يعني هذا الكل.
2ـ ان توقع المزيد من المؤامرات على الأمة ليس ضربا في المجهول ، بقدر ماهي رمية رام ماهر .. علينا ان نعرف ان التآمر الذي ولد منذ سنوات طويلة، لن يتوقف لأن المطلوب ان يتوقف قلب الأمة وان يتفتت كيانها اكثر. فبقاء اسرائيل في المنطقة العربية كمرض ينخر هذا الكيان نجح حتى الآن، وعدم حل قضية فلسطين ضمن الشروط الانسانية والمجتمعية والامنية لها سيظل يخل بالواقع العربي .. ومن الامور التي يجب ان تحس تماما ، ان قضية فلسطين ليست هي تلك الشروط فقط ، بل ايضا بانها قضية كونية تخص الانسان في كل مكان ، فيجب بالتالي تحويلها الى كيان أممي .. واذا ما تعذر حل القضية ضمن حقائق المطالب المعروفة ، فيجب اعادة الاعتبار للبندقية وحدها ، وهي التي صنعت الخميرة والزاد للشعب الفلسطيني واعطته ذلك المدى.
كل المفكرين العرب مدعوون الى قراءة النصوص المخفية التي تختبيء بين طيات صفحات كثيرة حول ماهو مكتوب على الأمة ان تعيشه في المدى القادم . لا أمل بنجاة الأمة مما هو موضوع لها من اجل ان تظل على حال من الفوضى . . وما يحصل اليوم هو جزء من خمائر مخبأة ضد الوطن العربي في سبيل تعطيله . على العالم العربي ان يكون متنبها دوما لما تحتويه اجندات تريد اغراقه في حروب ومنازعات ومناكفات.
3ـ اذا كان العرب غارقين في بحر من التآمر على كيانهم ووجودهم، وان ماتعرضوا له تحت شعار ” الربيع العربي ” الذي ظهر أنه تسمية صهيونية بثت سمومها في ارجاء هذا الوطن، فإن اضطراره للدفاع عن وجوده يتطلب منه اقتصادا موجها .. ان مشروع الحرية يتطلب تحريرا للاقتصاد من الهيمنة الاستعمارية، وان تحرير الرغيف من قبضة الرأسمال الاجنبي يبعده عن الارتهان اليه. وهنا لابد اذا جاءت الاستنتاجات بان الحرب على الوطن العربي طويلة وشاقة، ان نذهب الى اقتصاد حرب، الى مشروع حماية الأمل ببقاء الاوطان على قدر ممكن من الصمود كما هي حال سوريا اليوم، وبالتالي كيف ستكون عليه غدا اذا ما استمر التآمر على حاله او زاد من دوره.
/// قضية العام 2015 :
يجري اليوم التسليم بأن العام 2015 لن يكون عام التسويات اذا صحت التوقعات، فكل مابانت به الأمور، انه العام الذي تستكمل فيه خيوط التآمر على الوطن العربي، فتصير قضيته الكبرى بالتالي كيف يواجه وكيف يقف على رجليه وكيف يتمكن من توفير شروط سلامته، ولكي لانتوه او نضيف لابد من الاعتبارات التالية التي تخص كل قطر عربي وتضعه امام التحديات دون ان يسقط نهائيا او يتلاشى:
مصر:
تدافع المصريون في 25 يناير، لتغيير معالم الصورة القائمة، وحين سرق الاخوان الثورة وشهروا التحدي، عادت مصر من جديد الى ترتيب اوراقها الداخلية فكانت الثورة الحقيقية في 30 من يونيه التي ازاحت غمة صعبة على المصريين وهم ابناء ثورة 23 يوليه المجيدة بكل معاييرها وما قدمته لمصر.
عادت مصر الى قواعدها الثابتة بعدما أسسها حكم الجيش منذ 23 يوليو 1952 ، وكأنه اصبح قدرها ان تستسلم له وأن يصير معبرا لها. واستفادت مصر من مجيء عبد الفتاح السيسي رئيسا للبلاد، تحت فكرة انقاذها: اولا من تحديات الاخوان، وثانيا، من الوضع الاقتصادي السيء الذي وصلت اليه، وثالثا من خسارتها لحضورها القوي عربيا واسلاميا وافريقيا وحتى عالميا.
اليوم يختبر السيسي امكانية عودة مصر الى دورها التاريخي، وهو امر في غاية الاهمية لأنها بلد يقود ولا يقاد، ولعل تجربته الاولى في ذلك اطلالته على العالم التي بدأها بروسيا، وتلك المحاولة القائمة لاعادة جمع المعارضة السورية في سبيل جمعها ايضا مع النظام، وهو اول دور عربي يفتتح به السيسي جليل وجوده على رأس الحكم، وهو يعرف بالطبع المكانة السورية في القلب المصري.. كما انه باشر تصفية امور عالقة كمثل العلاقة مع قطر.. الخطوات المصرية ثابتة لكنها بطيئة وتدلل على ان النظام الجديد عاكف على تسوية اوضاعها بمايتناسب مع حجمها الكبير . وفي الواقع الداخلي فثمة مايقال عن اعادة النظر بما كان اقدم عليه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من تحقيق للتصنيع الثقيل والذي قام السادات بشطبه جزئيا واتى كليا عليه حسني مبارك، كمعامل الحديد والصلب والصناعات المختلفة، اضافة الى توسيع قناة السويس التي ساهم فيها الشعب المصري كله تقريبا بامواله وامكانياته. ولاشك ان هنالك ايضا خططا طموحة كأن تعيد القاهرة الى اوائل المستفيدين من الواقع السياحي، فمصر جوهرة سياحية بالدرجة الاولى ، وقد كانت في الطليعة منها ، ومن المؤسف انها اليوم في حالة تراجع ادت الى شطب اهم فنادقها التي كانت عاملة على مدار السنة.
ومهما تحدثنا عن قضايا مصر التي نراها بعين العام الجديد، فان صورة المكتملة على اصعدتها كافة قد تحتاج لتوفير الأمن اللازم على مدى المساحة الجغرافية لها .. ولهذا السبب لابد من الاخذ بعين الاعتبار مدى الضرر الذي يعنيه وجود حالة الفوضى والسيبان في ليبيا، وكيف تحول ذلك البلد الى هذا الكم من الفوضى الضاربة في جذوره، وفي غياب مؤسساته وكيف توفر له السلاح الذي وصل الى اكثر من عشرين مليون قطعة على شعب لايتجاوز الأربعة ملايين. فمصر تنظر بعين القلق لجارتها الكبيرة المساحة الكثيرة التأثير عليها امنيا، وبالتالي لابد من طرح السؤال عليها حول التهديد الامني الذي يضرب صحراء سيناء ويضرب بين فترة واخرى مدنا مثل القاهرة وغيرها .. صحيح انه لم يصل بعد الى المستوى المؤثر، الا ان حكمة القيادة المصرية ووعيها مطلوبان لوضع حد طالما اننا لانزال في بدايات اللعب على الأمن المصري. ويضيف الدكتور حسن نافعة ” انه على الرئيس السيسي ان يدرك ان الارهاب لايمكن مواجهته بالوسائل الامنية وحدها ، بل ان له ابعادا فكرية لاتستطيع الوسائل الامنية ان تتعامل معه وبالتالي يحتاج الى تعبئة كل المؤسسات الفكرية والتعليمية والتربوية وفي مقمتها الازهر والجامعات والمراكز البحثية”.
وهكذا يبدو عام 2015 بمثابة دخول في عمق التحديات، التي ابرزها التحدي الاقتصادي، والذي يشكل الثقل الاساسي في الحالة المصرية، بل الشغل الشاغل لنظام الرئيس السيسي الذي يراهن عليه شعبه بأكمله وينتظر منه حلا لمعضلاته الاقتصادية وازماته المالية وتشكيلات عيشه التي ناءت تحته قوى كثيرة ولم توصله الى بر الامان ، فترك حبلها على الغارب كما يقال . وكما يقول الدكتور نافعة “فان الطريق امام السيسي ليس معبدا لاختيار افضل البدائل السياسية المتاحة في مرحلة تبدو فيها كل الاوراق مختلطة ، فقد شارك في الاحتجاجات التي انطلقت يوم 30 يونيو كل المعادين لجماعة الاخوان المسملين بمن فيهم فلول النظام السابق اذ ليس من المستبعد ان تكون شبكة المصالح المرتبطة بالنظام السابق قد لعبت دورا محوريا في تفجير تلك الاحتجاجات وامنتها بالتمويل”.
مصر هي الرهان الذي نراهن عليه وتراهن عليها الامة ، ويعرف قادة مصر ان ارتباطهم العضوي بمنطقتهم العربية ليست مدار بحث بل هي قائمة سواء تم الشغل عليها او انعدمت فرصه . ان مصر هي العمود الفقري للوطن العربي وهي قائدته ومرشده وقوته التي ينتظر منها دائما الحل والربط ، ولذلك ، تبدو العيون شاخصة على القاهرة وهي تعمل من اجل سوريا، وتدرك مصر ان سوريا رئتها التاريخية وانه لابد من معالجة اوضاعها انطلاقا من مصالح القاهرة ايضا في ان تعود سوريا الى وضعها السابق من الاستقرار والامان .. ولهذا السبب تعمل مصر بلا هوادة على تأمين مدخل مهم لمعالجة الازمة في سوريا وايجاد السبيل لحلها .
سوريا:
في الخامس عشر من شهر مارس 2015 تدخل سوريا عامها الخامس في ازمة التعقيدات والمصاعب والمصائب. وبين هذا التاريخ وما قبله مما سبق ، سوف يتبين لنا مدى القدرة الفائقة التي لعبها النظام كي يوفر استمرار الدفاع عن سوريا ومستقبلها امام الهجمة الشرسة التي تشنها دول ومنظمات وقوى معادية. فاليوم يمكن القول، ان قيادة الرئيس بشار الاسد ماعادت تشعر بالخطر الذي رافقها في المراحل الاولى من الازمة، بل انها انتصرت عليه في عدة اشكال، منها وحدة الشعب السوري الذي مازال متلاحما وكان الرهان على تفتيته، ووحدة الجيش ودوره التاريخي في انتزاع الانتصارت المتلاحقة، فاذا اضفنا موقف روسيا وايران وحزب الله وبعض الشعوب الأخرى ، نكون امام مروحة كاملة من تلك التي ضمنت ثبات القيادة ومتانة الدولة.
لكن هذا الأمر لم يجر بالهين، فلقد تم تدمير ملايين البيوت، وقتل الآلاف من السوريين، وتم تهجير الملايين بين نازح داخلي وبين ذاك الخارجي، ولابد من الاخذ بعين الاعتبار ما ستتركه تلك الحرب من معاقين على كل المستويات، كما ان الليرة السورية انخفضت وما زالت، وبدا الاقتصاد متعثرا رغم المحاولات الدؤوبة لاعادة تنشيطه بالكيفية التي يحتاجها اقتصاد حرب ضروس.
بعد كل مارأينا، فإن سوريا مازالت صامدة تقاتل على جبهات متعددة وتحاول ان تؤمن مسيرة الوطن ضمن الحد المقبول، وهو أمر تنوء تحته اقوى الدول في العالم .. وصمود سوريا، يعني اغلاق ملف هام كان يراد منه شطب وطن بأكمله بجيشه وشعبه ودولته ونظامه .. وهو الملف الذي كان سيطال تقريبا بلاد الشام كلها ، وقد ادى الصمود السوري الى منح المنطقة شكلا ثابتا من الصحة والعافية التي فردت نفسها على المنطقة الشامية بأكملها.
سوريا اليوم اذن امام معادلة الخروج من الازمة ، فهي لاتتخلى عن خيار الدفاع عن سورية الوطن، وفي الوقت نفسه يعرف قادتها ان الحل لن يكون عسكريا فقط، بل سياسي بالدرجة الاولى، مع ان الحل العسكري الكامل يغري السوريين ،لكن القوى النافذة الكبيرة منها والصغيرة، واللاعبة بالدم السوري، لايمكنها قبول فكرة انتصار الدولة وانسحاق المعارضة التي تمثلها. على هذا الاساس لابد من تحقيق خطوات على الصعيد الحواري تؤدي الى فتح قنوات تؤمن البحث عن حل، ومن الواضح ان لدى الدولة السورية كل افكار هذا الحل وشكله، وهي مستعدة له في كل حين، مقابل المطلوب من الدول الداعمة للارهاب والممولة له ان تسحب يدها وان توقف الدعم والتمويل.
من المؤمل ان يكون العام الجديد بمثابة فرصة لدعم الحوار باعتباره فرصة متاحة للتفاهم حول سوريا الجديدة. ومع ذلك فامام السوريين دائرة كاملة من الصراع العسكري ثم السياسي، فالازمة بلغت حدا تحتاج فيه الى صبر طويل والى انهاك القوى المعارضة التي مازالت لم تنهك بعد، والى افهام اللاعب بالدم السوري ان الرئيس باق وان الجيش صامد والشعب على وحدته والمؤسسات على عملها وان سوريا ان لم تكن بخير فهي متوازنة برغم مصاعبها الجمة. عام 2015 اذن محاولة جادة لتحقيق قفزة حل ، لكن هذا لايعني ان سورية نحو الخلاص، فمازالت امامها عوائق اقلها الواقع في الرقة ودير الزور وعيرها من الدواعش والنصرة ، والتي لايمكن معالجتها الا بالقتال وتصفيتها من خلاله تماما.
العراق :
الواضح ان العراق امام مهمات صعبة .. فرغم الألم الذي ولده وضع يد ” داعش ” على مناطق عراقية واسعة، فإن الحسابات الوطنية عادة يفترض بها ان تؤدي الى قيام انهاض وطني شامل .. عندما تقدم النازيون في روسيا كانت اوضاعها الداخلية في غاية السوء، لكن ستالين اطلق صيحته المشهورة ” دفاعا عن روسيا الأم ” ، واليوم يقول العراقيون دفاعا عن العراق الأم ايضا. فليس امام هذا البلد سوى خيار واحد هو القتال، ومن اجل انجاح الحالة العسكرية لابد من اعداد المجتمع ليكون عسكريا وكذلك الاقتصاد مع تنبه للمجتمع باطلاق الانذارات بان الوطن على المحك اما ان يبقى او يندثر .. وان العراق يواجه لأول مرة في تاريخه الحديث والمعاصر هذا النوع من الصراع الرهيب الذي لايمكن التفاهم معه تحت اي شرط كان ، ف ” داعش ” وبقية التنظيمات المماثلة لاتعترف بالآخر وكل آخر خصم يجب ابادته مهما كان، بل هي لاتعترف بالشعوب لأنها تشك بولائها. وبهذا السبب، تبدو القيادة العراقية امام انذار تاريخي ببقاء العراق او زواله ان لم تخرج بسرعة الى القتال وحده ، واعادة توجيه الداخل على قاعدة خلق جيش شعبي يشارك في القتال عنوانه المليون مواطن على الاقل .
ورب ضارة نافعة، فهذا الاقتحام الداعشي للعراق، دفع بالازمة الداخلية للتطير، وبدلا من رفع شعارات طائفية ومذهبية، صار الشعار الآوجد انقاذ العراق، انطلاقا من وحدته الداخلية التي تعيد فيها العشائر بكافة اطيافها ومذاهبها وحدتها الداخلية بعد احساسها بأن الخطر على العراق سيغرق الجميع ولن يبقي احدا، وان الوحوش الجديدة الداعشية لاتفرق بين مسلم ومسلم وبيم مسلم ومسيحي وغيره. ولأول مرة منذ الاحتلال الاميركي وما نتج عنه من تفاصيل مذهبية وطائفية ، يشعر العراقيون بانهم امام استهداف خطير يريد الاطاحة بالوطن كله.
العام الجديد اذن هو عام امتحان العراق امام صراعه الدامي مع قوى الشر التي تتربص بوحدته وانسانه.. بل هو العام الذي سينتج عنه صورة المستقبل العراقي وعلى اية قاعدة سيصل.
ليبيا :
لن نقول الكثير في هذا البلد الذي لم يبق منه سوى اسمه ونخاف على هذا الاسم ان يذهب به وضعه الداخلي الى انفصال عنه. فما يجري فيه يصعب توصيفه، فهو لم يعد بلدا ولا وطنا ولا تندرج عليه اية تسمية واقعية، بقدر ماهو مكان لاتريد قواه ان تعيده الى مؤسساته والى حكم دولته الجديدة والى نظامه المتوخى الذي سيتم التوافق عليه . مجموعات مسلحة تقاتل بعضها البعض وراء غنائم النفط والسلطة ، ووراء البقاء اولا واخيرا في حكم الشارع والمنطقة والعشيرة والقبيلة.
وعلى هذا، فليبيا لن تقوم لها قائمة خلال العام الجديد الا اذا تمكن مايسمى بالجيش الوطني من حسم الأمر له، في مواجهة المنظمات الشارعية، وهو امر يشك بالوصول اليه، لأن اللاعبين بهذا البلد تمكنوا من خلق جيوش متكاملة قادرة على منع قيام سلطة مركزية ، لأن ليبيا مكان ليس من اجل ذاته فقط بل هو مركز تصدير نحو الآخر سواء على محيطه او ابعد منه .
اليمن:
سيكون عام 2015 مميزا في حياته السياسية، حيث يتقرر مصير ” انصار الله ” اي الحوثييون في القدرة على ترتيب وجودهم دون منغصات، وعما اذا كان بامكانهم وضع يدهم نهائيا على باب المندب، ويقول الرئيس اليمني هادي لأحد الصحافيين، ” اذا وضع الحوثيون يدهم على باب المندب فان النووي لن يعود مهما لايران”. وماذا عن وضع الجنوب اليمني في بانوراما المتغيرات اليمنية التي اصبحت في واجهة احداث العالم بعدما فرد الحوثيون قوتهم على امكنة لم يكن بالامكان توقع وصولهم اليها. فهل ترضى دولة اقليمية في شمال هذا البلد على هذا التطور الذي يطالها في الصميم. لانتوقع الصمت، بل الصبر منها الى حين.
الصراع اليمني مفتوح، ليس له نهايات، خصوصا في ظل المتغيرات التي دفعت الرئيس السابق علي عبدالله صالح الى التنسيق النسبي مع جماعة الحوثي.
كل اليمن عائم على مفاجآت.
اما بقية العالم العربي، فلبنان مرتهن لحال سوريا وقيل انه والاردن باتا خارج حسابات التوترات الداخلية، في وقت ينتظر فيه اللبنانيون انتخاب رئيس لجمهوريتهم لم يجر التوافق عليه حتى الآن وقد لايكون نجم العام الجديد وضمن اولياته. اما تونس فقد تجاوزت بحكمة بالغة كل معوقاتها .. صحيح انها من بدأ الانفجار العربي، لكنها ايضا اول من انتج سلما مهما وامن مسيرته السياسية. واما الجزائر فقد خرجت من حلبة الصراع ، فيما تظل امور المغرب على حالها القائم.
بلدان الجزيرة العربية تظل خارج الاهتمام بالتغير .. هي من الثوابت .. عالم لاتهزه العواصف سيظل يقدم نفسه على انه كذلك ..

إلى الأعلى