الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / “أوسلو ستان” و”أمم” ليندسي جراهام!

“أوسلو ستان” و”أمم” ليندسي جراهام!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

هَزُلت، وربما لا أدل من بلوغها هذه الحال، أكثر مما يعكسه بعض مما سمعناه من تفسيرات أعقبت سقوط مشروع القرار العربي المقدَّم لمجلس الأمن الدولي لتصفية القضية الفلسطينية. ولأن غالبها قد تعد العودة إليه الآن نوعًا من لغو لمجافاة الحدث أصلًا للمعقولية السياسية، فليس هناك ما يستوجب منا توقفًا عندها، لكنما يهمنا هنا فحسب الإشارة إلى بعض منها كاستدلال منا على ما ذهبنا إليه، ذلك، من مثل إبداء البعض لغير قليل من الاندهاش من إصرار السلطة الأوسلوية، غير المفهوم لدى هؤلاء المندهشين وحدهم، على توقيت طرح مشروعها على المجلس، والذي كان، وبعملية حسابية بسيطة، لا توفِّر تركيبة عضويته غير الدائمة والمشرفة على التبدُّل مع نهاية العام نصابًا لصالح مناقشته… يقول هؤلاء باستغراب لا يخلو من منطق، إن السلطة لو صبرت أيامًا معدودات فقط فلسوف تحل أنجولا وماليزيا وفنزويلا وأسبانيا، وهن من المؤيدات للطرح المقدم، بديلًا عن أستراليا ولكسمبورج ورواندا وكوريا الجنوبية، وهاته، كما هو معروف، أولاهن عارضت والبقية امتنعن عن التصويت فأسهمن كما هو المتوقع منهن في إسقاط المشروع. لكن ربما كان الحري باندهاشهم أكثر هو محاولة طارحي مشروع القرار العرب أنفسهم التنصُّل من مسؤولية الإقدام على طرحه في مثل هذا التوقيت بالذات، ذلك بنسبة الأمر كله للتعنُّت والإصرار الفلسطيني، الذي رفض نصيحتهم بالانتظار أيامًا قليلة فحسب حتى تبديل العضوية في المجلس… ما سبق يقال وكأنما السلطة الأوسلوية لا تعلم أو لا تتوقع سلفًا مصير مشروعها، أو بلغة أخرى، لكأنما هي لم تتعمد بطرحها المتعجِّل له ملاقاته لمثل هذا المصير… وأيضًا أن من غطَّوها وتبنوا مشروعها وقدَّموه للمجلس باسم مجموعتهم لم يكونوا يدركون بدورهم ما كانت تدركه السلطة سلفًا، أوهم ليسوا الضالعين في ترتيبه والمساومة معها عليه!!!
نحن هنا لسنا بصدد مناقشة المشروع، بصيغته الأصل، أو ما جرى عليها من تعديلات، أو ما تم لاحقًا من تعديلات على التعديلات، أو ما زعموا من شبه عودة بالمشروع إلى صيغته الأصل، فهذه وتلك جميعًا، سواء أُمرِّرت في المجلس، أو أُسقطت كما هو حالها آخرها، لا تتعدى مضمونًا ما كنا قد وصفناه في مقالنا السابق بعملية تدويل للتنازلات سوف يؤسس عليها الصهاينة لاحقًا طلبًا للمزيد منها، وكلها بالمجمل كانت صيغًا تهبط بكثير إلى ما هو دون السقف المتدني لقليل الحقوق المشروعة التي سبق وأن اعترفت بها للفلسطينيين ما تسمى عندهم “الشرعية الدولية”…
ما يهمنا هو هذا التمادي في محاولات تضليل الشعب الفلسطيني والعربي، ثم مواصلة الكذب عليهما، وآخره هذا النفخ في أحبولة الاعترافات الأوروبية الرمزية والمؤجلة، أو المشروطة بالمفاوضات، كمنجز أوسلوي، وتلك التصريحات الجازمة التي خرجت من رام الله عشية طرح المشروع على التصويت قائلة بأن التحشيد اللازم للأصوات المؤيدة للمشروع قد اكتمل!!!
…كل هذا والعالم كله على علم بواحدة باتت من ثوابت هذه الهيئة الدولية، أو الملازمة لها تاريخيًّا، والقائلة بأنه لا من مشاريع لقرارات قد تقدَّم لمجلس الأمن ولا يرضى عنها الصهاينة لن يكون الفيتو الأميركي لها بالمرصاد، أو هي لن تمرر فيه ما دامت لم تأخذ بما تدعى “الهواجس” الصهيونية، بمعنى ما ستضيفه من المراكمة التنازلية التصفوية للقضية الفلسطينية المثبِّتة لوجود الكيان الغاصب في فلسطين والمراعية لما يدعى أمنه. ثم من الذي لا يدرك بعد أن كافة التجاذبات والمناورات التي دارت خلال الأشهر الأربعة الأخيرة حول صيغ المشروع قبل سقوطه، تبديلًا أو تلطيفًا، أو بالأحرى تفريغًا من مضمونه، والتي تصدَّرها النفاق الأوروبي الملوِّح بجزرة الاعترافات، لكنه سرعان ما امتنع عن التصويت عندما آن أوان مراهنة الواهمين عليه، إنما كانت لتجنيب أميركا اللجوء لهذا الفيتو، لا سيما في ظل راهن تحشِّد فيه تحت بيارقها ما تيسر لها من حلفاء في منطقتنا لمواصلة حروبها الإرهابية على ما يسمى بالإرهاب؟؟!!
لقد استعجلت السلطة بطرحها لمشروعها، الذي لم يهدف أصلًا إلا لتسهيل العودة لطاولة المفاوضات وتحسين شروطها، وهي تعرف سلفًا مآله، ذلك لأنها لا تريد له نصابًا يستدعي إشهار الفيتو، بمعنى الاصطدام براعي خيار مفاوضاتها التي لا تريد لها بديلًا، أو ما من خيار لديها سواها، وبذا تحققت للأميركان مشيئتهم، وارتاح صهاينتهم فأراحوهم، وتجلى هذا الارتياح علنًا في تصريحات سعيدة بكون الأمم المتحدة بدت مع استمرار الاحتلال، وشامتة بالسلطة لما عدته فشلًا ذريعًا لها، ومنهم من بات يطالب الآن بمعاقبتها وحتى بحلها… توقيعها لاحقًا على المعاهدات الدولية هو خطوة صحيحة طال تأخرها، أما جدواها فرهن بوضعها في إطار مؤسسي مستقل مهمته البدء في ملاحقة المحتلين، أي بعيدًا عن اكتنازها كمجرَّد ورقة يلوَّح باستخدامها في بازارات المساومات التفاوضية… والسؤال هنا: وماذا عن التنسيق الأمني؟!
…قبل أيام صدح السيناتور الأميركي الجمهوري، ليندسي جراهام، رئيس لجنة الميزانيات الخارجية في الكونجرس ذو الأغلبية الجمهورية، في تل أبيب مطمئنًا صهاينته بأن بلاده “ستوقف التمويل السنوي الذي تقدِّمه للأمم المتحدة إذا قرر مجلس الأمن اتخاذ قرار بشأن المبادرة الفلسطينية”… وحتى أسمع نتنياهو ما سوف يرحل أوباما من البيت الأبيض دون أن يحلم بسماع مثله: “سيدي رئيس الحكومة في كل ما يتعلق بإيران، الكونجرس سيسير من خلفك”!!!
…أسقط مشروع القرار العربي نفسه على عتبة مجلس الأمن، وإذ لا من أسف عليه، فالمنتظر أن يخلفه نشاط تصفوي متجدد لأوروبا الأميركية، وإذ لن يبرح فلك مشيئة أميركا ليندسي جراهام، فلا من هدف له إلا الإحالة إلى ما بعد انتخابات الكيان الصهيوني الأميركي.

إلى الأعلى