الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : المعرفة

اصداف : المعرفة

وليد الزبيدي

تثير مفردة “المعرفة” اسئلة وهواجس كثيرة، وقد حاول الكثيرون طرح اسئلة تبحث في معنى المعرفة، لكن تتفق الامم والشعوب عبر التاريخ وفي كل مكان على أن المعرفة قوة، وقوة المرء في مقدار معرفته، لكن الفرق بين المعرفة العميقة والمعرفة الاحصائية كبير وشاسع جدا، فهناك من يحفظ الاحداث وتواريخها ويستطيع سرد الكثير منها على مجالسيه وسامعيه لكنه يفشل تماما في استخلاص العبرة من كل ذلك، وبهذا فأن الاختلاف يبدو واضحا بين هذا وذاك، في حين يستخلص الآخرون الكثير من العبر التي تعلمها الانسان من تجارب اخيه الانسان، لذا فقد انتقلت المعارف والعلوم بين الشعوب بفعل الترجمة التي توغل في القدم، ونجد على سبيل المثال أن المسافات البعيدة بين اليونان حيث بدأت الفلسفة في عهد افلاطون وارسطو في القرن الرابع قبل الميلاد لم تقف حائلا من وصولها إلى المشرق العربي ومغربه وبقية انحاء المعمورة ، ولم تكن ادوات الترجمة متاحة كما هو حاصل في الوقت الحالي، كما أن ادوات الكتابة لم تكن سهلة، فكان الفيلسوف والكاتب وبعده المترجم يلجأ إلى جريد الاشجار وجلود الحيوانات ليدون ابداعه وترجماته، وكانت الادوات المستخدمة في الكتابة ليست بالسهولة والسيولة المستخدمة حاليا، لكن كلّ تلك الصعوبات لم تقف حائلا امام اصرار العقول النيّرة على المضي قدما في مشاريعهم الفكرية والادبية، فتركوا ارثا عظيما للبشرية ، ولأنهم يؤمنون بأنهم حملة رسالة فقد تحملوا الكثير من المتاعب والمصاعب والاثقال، وعندما يتقدمون في العمر فأن الامراض والام الشيخوخة لم تمنعهم من الاستمرار في تقديم ابداعهم.
يقف المرء حائرا امام المنجز العظيم لعباقرة التاريخ القديم على وجه الخصوص، عندما يستعيد صورة الظروف التي كانوا يعملون فيها على انجاز كتبهم وبحوثهم ومؤلفاتهم، كما يقف العقلاء اجلالا لأولئك العمالقة وقد امضوا الكثير من الوقت وبذلوا الجهد ليترك للبشرية هذه الاضاءات العميقة من الفكر والفلسفة.
أن الذين قدموا هذه المنجزات لم تتفتق اذهانهم عن تلك الافكار لمعالجات تحتاج إليها مجتمعاتهم في تلك الاثناء فحسب، بل تجاوزت ذلك لما هو ابعد بكثير، فقد كانت رؤاهم تشمل المجتمعات والشعوب الاخرى ، لتناقش احتياجاتهم الانسانية وتقدم الحلول المعرفية لها.
والادهى من ذلك، أن ما تركوه من معرفة تتفاعل معها البشرية بعد آلاف السنين رغم ما طرأت من تغيرات كبيرة في حياة الامم والمجتمعات.

إلى الأعلى