الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوباما بين شركة (سوني) ومجزرة غزة

أوباما بين شركة (سوني) ومجزرة غزة

د.أحمد القديدي

” ولعل القراء الكرام يتذكرون ذلك المشهد التاريخي الممسرح الذي تم إخراجه وترتيبه في حديقة البيت الأبيض عشية 13 سبتمبر 1993 وحضره ياسرعرفات الذي وثق باسم شعبه في الوساطة الأميركية وحضره إسحاق رابين رئيس حكومة إسرائيل والملك الحسين والرئيس حسني مبارك ورعاه الرئيس الأميركي كلنتون وخلاله تمت عملية المصافحة بين عرفات ورابين تحت تصفيق الحاضرين والمجتمع الدولي…”
ــــــــــــــــــــ
بدأ عرض الشريط السينمائي الذي أنتجته شركة سوني (الاستجواب الصحفي القاتل) في آلاف قاعات العرض في المدن الأميركية والأوروبية كما تم تحميله على الشبكة إلا أن الإفراج عن الشريط تم بقرار سياسي من الرئيس أوباما وعلى إثر خطاب خصصه رئيس الولايات المتحدة لهذا الأمر….الطفيلي التافه والأمر وما فيه أن سيناريو مثيرا وضعه المنتج (سيث روجن) في شكل كوميدي يحكي قصة خيالية لعملية اغتيال رئيس جمهورية كوريا الشمالية (كيم جونج أون) من قبل وكالة الاستخبارات الأميركية (سي أي أي) التي جندت عونين من أعوانها ليمثلا دور صحفيين من قناة فضائية يطلبان موعدا مع الرئيس الكوري في العاصمة (بيونج يانج) لإجراء استجواب إعلامي للرئيس لكن الهدف ليس الإستجواب الإعلامي بل إغتيال (كيم جونغ أون) لأنه يهدد المصالح العليا للولايات المتحدة بامتلاكه السلاح النووي وإمكانية إستعماله ضد حليفتها كوريا الجنوبية أو اليابان أو واشنطن ذاتها! تماما كما حدث مع شاه مسعود في أفغانستان. هذه القصة تشكل نوعا من أنواع السينما الخيالية لكن لعرض أشخاص حقيقيين والقصة موضوعة لجلب الجمهور بتمويل كبير لإنتاج الشريط لكن بدافع الربح الوفير بلا شك و لم تسكت كوريا الشمالية عما سمته عملا عدوانيا يستهدف رئيس البلاد وأمن الدولة فاحتجت بقوة ويبدو أن الكوريين ردوا الفعل بسرعة حيث هجم (الهاكيرز) الكوريون على مواقع شركة (سوني) الإلكترونية وخربوها وهددوا القاعات التي ستعرض الشريط بالويل والثبور وعظائم الأمور وبالطبع فالكوريون الشماليون ليسوا كبعض المسلمين الذين يبتلعون الأفاعي الأميركية في حين لم تبتلع (بيونج يانج) خنفساء واشنطن! أما حديثي عن هذا الحدث العارض فلأقول أن رئيس الولايات المتحدة بطم طميمه وفخامة قدره يلقي خطابا ويأمر باتخاذ إجراءات لمجرد زعل العاصمة الكورية عن شريط سينمائي بينما كان موقفه خلال وبعد العدوان الدموي على قطاع غزة وأهلها وقتل أطفاله موقف لا المتفرج فقط بل المبرر للعدوان وأميركا هنا ليست دولة كغيرها من الدول التي يمكن تبرير موقفها الجائر أو المنحاز أو المتفرج لأن واشنطن هي الدولة التي إختارت منذ 1993 أن تكون الراعية لعملية ما سمي بالسلام في الشرق الأوسط ولعل القراء الكرام يتذكرون ذلك المشهد التاريخي الممسرح الذي تم إخراجه وترتيبه في حديقة البيت الأبيض عشية 13 سبتمبر 1993 و حضره ياسر عرفات الذي وثق باسم شعبه في الوساطة الأميركية وحضره إسحاق رابين رئيس حكومة إسرائيل والملك الحسين والرئيس حسني مبارك ورعاه الرئيس الأميركي كلنتون وخلاله تمت عملية المصافحة بين عرفات ورابين تحت تصفيق الحاضرين والمجتمع الدولي وأعطيت في ذلك اليوم إشارة الإنطلاق للشروع في إتفاقيات أوسلو ثم مدريد ثم جينيف ثم شرم الشيخ ولكم تعاقب وزراء خارجيتها على رعي المفاوضات من وارن كريستوفر إلى كولن باول إلى كندوليزا رايس إلى هيلاري كلنتن وصولا إلى الوزير الراهن جون كيري صاحب الجولات المكوكية التي تذكرنا بجولات سلفه هنري كيسنجر في السبعينات بين القاهرة و تل أبيب. فلواشنطن التزامات سياسية و دبلوماسية بل أخلاقية تجاه شعب فلسطين و تجاه ما تسميه بأمن إسرائيل وبالطبع فإن تلك الالتزامات تفرض العدل في التعامل مع الطرفين الذين يتصارعان منذ سبعين عاما لا صراع قوى متساوية بل صراع الجلاد مع الضحية وصراع الظالم مع المظلوم وصراع المعتدي على المعتدى عليه وفي يوم من أيام الكفاح التحريري الفلسطيني وثق الزعيم ياسر عرفات في أميركا كما تعلمون وباسم شعبه اختار طريقا قدموها له طريق السلام فترك جانبا البندقية ورفع غصن الزيتون وتعلمون أيضا أن الجيش الإسرائيلي لم يتوقف يوما عن قطع أشجار الزيتون في الأرض المحتلة ولم يتوقف يوما عن بناء المستوطنات مكان سهول الزيتون المقطوعة إلى أن أصيب شعب فلسطين لا باليأس فحسب بل بالقنوط و جاءت إنتصاراته سياسية باهرة حين إقتنع أكثر من شعب أوروبي بعدالة ورجاحة و ضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة حيث أصبحت الدولة الصهيونية تشبه العبء الثقيل على الدبلوماسية الأوروبية والضمائرالأوروبية فدعا نواب أكثر من برلمان أوروبي حكوماتهم للإعتراف بدولة فلسطين ضاربين عرض حائط المبكى بإحتجاج إسرائيل و تنديدها. فالزمن تغير بالنسبة لهؤلاء السياسيين الأوروبيين النزهاء وقد حللوا الخارطة بذكاء و حكمة لأنهم يتحملون أمانة أمن شعوبهم وهذا الأمن بات مهددا بممارسات إسرائيلية طائشة إلا واشنطن بقيت فريدة في موقف ظل يتراوح بين التأييد الكامل وتأبيد الإحتلال وبين نوع من التبرير لكل ممارسات إسرائيل مما أضر بعلاقات واشنطن بالشعوب المسلمة التي أصبح مصيرها بأيديها بعد صحوة الحريات. لكن اللافت للنظر و الباعث على الحيرة ليس لدى الأمة الإسلامية فحسب بل …لدى جزء عريض من الرأي العام الأميركي وكذلك لدى واحد وعشرين عضوا جمهوريا في الكنغرس هو هذا الإنشغال الرئاسي الطارئ و المفاجئ بقضية (حرية التعبير) حول شريط يتناول أشخاصا حقيقيين و رئيس دولة لا يهم إن إتفقنا معه أو إختلفنا لأن شعب كوريا الشمالية قبل به وزكاه كما قبل منذ عقود بأبيه وجده من أسرة (كيم) ولا يهم أن تصنفه واشنطن ضمن قائمة الدكتاتوريين المستبدين ثم ألم تصنف الولايات المتحدة جمهورية كوبا ضمن الدكتاتوريات العدوة وضربت حولها حصارا بحريا واقتصاديا على مدى خمسين عاما ثم ألم تحارب الولايات المتحدة جمهورية فيتنام الشعبية عقدا ونصف من الزمن وألقت طائراتها المهاجمة قنابل النابلم الحارقة على سهول وغابات الفيتنام ثم انهزم الجيش الأميركي سنة 1974 وتوحد شطرا فيتنام إلى أخر قائمة الأعداء المفترضين لواشنطن الذين من بينهم العراق وسوريا وليبيا وهذه الدول تحملت هجمات حلف الناتو بطريقة أو بأخرى بدعوى جلب الديمقراطية بالقوة لهذه الشعوب واليوم نكتشف أن الديمقراطية لم تشرف بل حلت بنا مصيبة الحروب الأهلية! إنني حين أعدد الإخفاقات الأميركية في السياسات الخارجية فمن أجل إيقاظ الوعي العربي بالمفارقات العجيبة التي تجعل الرئيس أوباما يتحرك لرد الفعل ضد كوريا الشمالية بالقول طبعا لا بالفعل لأن (بيونج يانج) قوة نووية جربت قنبلتها بينما لم يحرك ساكنا إزاء عدوان إسرائيلي قتل 2500 ضحية مسلمة فلسطينية في قطاع غزة و أدركنا أن (حرية التعبير) بشريط مستفز و عدواني أهم لديه من (حرية الحياة) لشعب مضطهد ومناضل وصابر! أليس العرب مخطئين حين اتبعوا نهج السلام والرشاد في حين كان بإمكانهم الحصول على القوة النووية بعلمائهم و أموالهم كما فعل غيرهم؟ أترك لكم الجواب على ضوء ما نعيشه من مظالم!

إلى الأعلى