الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / من تجارب الشعوب.. قصة النجاح الماليزية
من تجارب الشعوب.. قصة النجاح الماليزية

من تجارب الشعوب.. قصة النجاح الماليزية

تعد التجربة الماليزية في التنمية من التجارب المهمة، فماليزيا نجحت في المزج بين اقتصاديات العولمة والاحتفاظ بنهج الاقتصاد الوطني لتتحول خلال فترة قصيرة من بلد يعتمد على تصدير المواد الاولية الى واحدة من أكبر الدول المصدرة للسلع والتقنية الصناعية في منطقة جنوب شرقي آسيا.
ـــــــــــ
ماليزيا الجغرافيا والتاريخ:
ماليزيا دولة إسلامية تقع في الجزء الجنوب الشرقي من قارة آسيا وتطل على بحر الصين الجنوبي من جهة الشمال،تبلغ مساحتها 329758 كم ويحدها من الجنوب إندونيسيا وتايلاند وبحر الصين الجنوبي من الشمال. ويتألف اتحاد ماليزيا من ماليزيا الغربية التي تتألف من دولة الملايو التي تشغل أراضيها معظم شبة جزيرة الملايو، حيث توجد العاصمة كوالالمبور ومن ماليزيا الشرقية التي تضم ولايتي صباح وسرواك، ومن مجموعة من الجزر الصغيرة التي تقع بالقرب من شبه جزيرة الملايو ومن جزيرة بورنيو.
اعتمد الاسم ماليزيا في عام 1963 عندما اتحدت سنغافورة وبورنيو الشمالية وساراواك واتحاد المالايو في اتحاد من 14 دولة. هناك عدة نظريات حول أصل كلمة ملايو أو مالاي. يقول التفسير الأكثر قبولاً أن الكلمة مزيج من كلمتين من لغة التاميل – السنسكريتية، مالاي (تلة) واور (مدينة)، بما معناه مدينة التلة. تم تبني هذا الاسم عندما بدأ المسافرون والتجار الهنود بتحديد المنطقة الجغرافية فيما حول ماليزيا في الوقت الحاضر. يعتقد بأن هذه الكلمة أصل تسمية مملكة الملايو، وهي مملكة سادت بين القرنين السابع والثالث عشر، في المنطقة حول دارماسرايا الحالية في سومطرة. تكشف الأبحاث الأثرية الى أن الإنسان سكن المنطقة إلى 40000 عاماً. يرتبط بعض أسلاف الملايو الأوائل بأنساب في الهند الصينية من العصر الجليدي الكبير الأخير، حوالي 20000 سنة مضت. يدعم علماء الأنثروبولوجيا الفكرة القائلة بأن أسلاف الملايو نشئوا فيما يعرف اليوم باسم أقليم يونان في الصين. عرف الهنود القدامى شبه جزيرة الملايو باسم سوفارنادفيبا أو شبه الجزيرة الذهبية”. بينما ظهرت على خريطة بطليموس باسم “الشيرونيز الذهبي. أشار إلى مضيق ملقا باسم جيب ساباريكوس. وصل التجار والمستوطنون من الهند والصين في وقت مبكر من القرن الأول. أنشأ الصينيون والهنود موانئ تجارية وبلدات في المنطقة في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، والتي وصلت أعدادها إلى 30 وفقاً لمصادر صينية. كما أن تأثيرهم على الثقافة المحلية كان جلياً. في القرون الأولى من الألفية الأولى، اعتنق سكان شبه جزيرة الملايو الأديان الهندية من الهندوسية والبوذية، فضلا عن استخدام نظام الكتابة السنسكريتي. إحدى أولى الممالك المعروفة التي سيطرت على ما يعرف اليوم بماليزيا هي الامبراطورية القديمة لانجكاسوكا، وتقع في شمال شبه جزيرة الملايو التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمملكة فونان في كمبوديا، التي حكمت أيضاً الجزء الشمالي من ماليزيا حتى القرن السادس. بين القرنين السابع والثالث عشر خضع أغلب شبه الجزيرة الماليزية لامبراطورية سريفيجايا، التي تمركزت في باليمبانج في جزيرة سومطرة. بعد سقوط سريفيجايا، سيطرت إمبراطورية ماجاباهيت المتمركزة في جاوة على معظم أنحاء إندونيسيا، شبه الجزيرة الماليزية، وسواحل جزيرة بورنيو. في بدايات القرن الخامس عشر، أنشأ باراميسوارا، وهو أمير من باليمبانج في إمبراطورية سريفيجايا السابقة، سلالة حاكمة وأسس ما عرف لاحقا باسم سلطنة ملقا. أنتشر الإسلام بشكل متزايد خلال القرن الخامس عشر في ملقا و منها انتشر إلى الدول المجاورة. وبحلول بداية القرن السادس عشر أصبح الدين السائد بين الملايو. في 1511، احتلت البرتغال ملقة، وأنشأت مستعمرة هناك. أنشأ أبناء آخر حكام ملقة مملكتين في أماكن أخرى من شبه الجزيرة: سلطنة بيراك إلى الشمال، وسلطنة جوهور (أصلا استمرارا لسلطنة ملقا القديمة) إلى الجنوب. بعد سقوط ملقا، تنازعت ثلاث قوى من أجل السيطرة على مضيق ملقا: البرتغال (في ملقا)، جوهور، واتشيه. استمر هذا الصراع حتى 1641، عندما سيطر عليه الهولنديون (المتحالفون مع جوهور). أنشأت بريطانيا أولى مستعمراتها في شبه جزيرة الملايو في عام 1786، مع استئجار جزيرة بينانغ من قبل شركة الهند الشرقية البريطانية من قبل سلطان كيدا. في عام 1824، تولى البريطانيون السيطرة على ملقا بعد المعاهدة البريطانية الهولندية عام 1824 التي قسمت أرخبيل الملايو بين بريطانيا وهولندا، ووقعت المالايا ضمن المنطقة البريطانية. في 1826، أنشأت بريطانيا مستعمرة التاج من مستوطنات المضيق، موحدة بذلك ممتلكاتها الأربعة في الملايو: بينانغ، ملقا، سنغافورة، وجزيرة لابوان. أديرت هذه المستوطنات بداية من قبل شركة الهند الشرقية في كالكوتا، قبل أن تصبح كل من بينانغ أولاً، وسنغافورة لاحقاً مراكز إدارية لمستعمرة التاج، حتى عام 1867، عندما تم نقلها إلى وزارة المستعمرات في لندن.خلال أواخر القرن التاسع عشر، اعتمدت العديد من الولايات الماليزية على المساعدة البريطانية في تسوية الصراعات الداخلية. أدت الأهمية التجارية للكشف عن القصدير لتجار مستوطنات المضيق في الملايو لتدخل الحكومة البريطانية في الدويلات المنتجة للقصدير في شبه جزيرة الملايو. مهدت معاهدة بانغكور عام 1874 الطريق لتوسيع نطاق النفوذ البريطاني في الملايو. مع مطلع القرن العشرين، كانت ولايات باهانج، سيلانجور، بيراك، ونيجيري سيمبيلان، تعرف مجتمعة باسم ولايات الملايو المتحدة (ينبغي عدم الخلط بينها وبين اتحاد الملايو)، وكانت تحت السيطرة الفعلية للبريطانيين المعينين لإسداء المشورة لحكام الملايو. كان البريطانين مستشارين بالاسم فقط، لكنهم في الواقع، أثروا بشكل كبير على حكام الملايو. أما الولايات الخمس المتبقية في شبه الجزيرة، والمعروفة باسم دول الملايو غير الموحدة، وإن لم تكن مباشرة تحت الحكم البريطاني، فقد قبلت بمستشارين بريطانيين مع بداية القرن العشرين. تزايدت الرغبة الوطنية بالاستقلال في أعقاب الغزو الياباني للملايو واحتلالها لاحقا خلال الحرب العالمية الثانية. في مرحلة ما بعد الحرب وضعت بريطانيا خططاً لتوحيد الإدارة في ماليزيا تحت مستعمرة وحيدة للتاج سميت اتحاد الملايو الذي لم يكتب لها النجاح بسبب معارضة قوية من قبل الملايو الذي عارضوا التخلص من حكامهم ومنح الجنسية للعرقية الصينية. انحل هذا الاتحاد الذي أنشئ في عام 1946 وتألف من جميع الممتلكات البريطانية في الملايو باستثناء سنغافورة، في عام 1948 والاستعاضة عنها باتحاد الملايو الفدرالي، الذي اعاد الحكم الذاتي لحكام ولايات الملايو في ظل الحماية البريطانية. ونشبت حرب تحت قيادة حزب الملايو الشيوعي تهدف إلى طرد بريطانيا من الملايو. استقلت ماليزيا في إطار الكومنولث في 31 أغسطس 1957. في عام 1963، شكلت الملايا مع مستعمرات التاج البريطاني في ذلك الوقت صباح (بورنيو الشمالية البريطانية) وساراواك وسنغافورة دولة ماليزيا. انسحبت سلطنة بروناي، بسبب معارضة من قطاعات معينة من السكان، وكذلك الجدل حول دفع إتاوات النفط ووضعية السلطان في عملية الاندماج المزمعة. كان التاريخ المقترح لإعلان تشكيل ماليزيا هو 31 أغسطس 1963، ليتزامن مع يوم استقلال الملايو ومنح الحكم الذاتي لساراواك وصباح. بأي حال، تأخر الموعد بسبب معارضة من الحكومة الإندونيسية بقيادة سوكارنو ومحاولات أخرى من جانب حزب الشعب المتحد في ساراواك لتأخير تشكيل ماليزيا. نظراً لهذه العوامل، تشكل فريق من الأمم المتحدة يضم ثمانية أعضاء للتأكد من رغبة صباح وساراواك في الانضمام إلى ماليزيا. شهدت السنوات الأولى من الاستقلال نزاعاً مع إندونيسيا حول تشكيل ماليزيا، وخروج سنغافورة في نهاية المطاف في عام 1965، والصراعات العرقية التي نحت تجاه أعمال شغب عرقية في عام 1969. كما أدلت الفلبين بدلوها أيضاً ضد صباح بناء على ادعاء أن سلطنة بروناي تنازلت لسلطنة سولو عن صباح في عام 1704. بعدها أنتهجت ماليزيا سياسة توازن عرقي وسياسي دقيق، مع نظام حكم يحاول الجمع بين التنمية الاقتصادية الشاملة والسياسات الاقتصادية والسياسية التي تعزز المشاركة العادلة لجميع الأعراق المشكلة لميزيا.

التجربة الماليزية وأهم أسباب نجاحها:
يقول محاضر محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق: أن تجربة النهضة في ماليزيا كانت صعبة نظراً لتعدد الأعراق داخل المجتمع الماليزي، ولكن رغم ذلك قرر الجميع أن يضع خلافاته جانباً ويهتم بنهضة ماليزيا. وأضاف أنه: رغم وجود العديد من الديانات المختلفة بها إلا أن الجميع شارك في التنمية وسياستها وابتعدوا عن الخلافات السياسية، مشيراً إلى أن العمل على تكوين التحالف بين القوى السياسية في ماليزيا من العوامل الأساسية التي أدت إلى نهضتها وكذلك توفير فرص العمل للباحثين عنها والتوجه نحو التصنيع. وأوضح محاضر خلال مؤتمر عقده أثناء زيارته الى مصر أن ماليزيا خصصت الأراضي الزراعية للباحثين عن عمل لاستيعاب العمالة المتكدسة وهو ما ساعد في تحقيق دخل عن طريقها، ولكنه لم يكن كافيا لاستيعاب اليد العاملة، وكان علينا البحث عن حل آخر. أوضح أن الاختيار وقع بعد ذلك على تصنيع “الشرائح الالكترونية” لما تتميز به من استخدام لأيدي عاملة كبيرة، وعلي هذا الأساس تم إعطاء إعفاءات كاملة من الضرائب لهذه الصناعات، التي عمل بها الآلاف، وتم اكتساب المهارات من خلال تلك الصناعات كالمايكروالكترونيك أو المايكروتشيبس. وأكد أن ماليزيا قدمت إعفاءات ضريبية تصل حتى عشر سنوات، وتم تزويد المناطق المختلفة بالبنية التحتية، والسماح بالاقتراض للمستثمرين الأجانب من البنوك المحلية. و أكد محاضر محمد أن الاستراتيجية الصناعية التي وضعناها منذ بداية عملنا كانت نتائجها مقبولة في البداية، وحتى هذه اللحظة، حيث لا يوجد لدينا باحثين عن عمل، ونجتذب العمالة الماهرة من الخارج، وكان متوسط دخل الفرد في المجتمع الماليزي 350 دولار سنويا عند بدايتنا، الآن ارتفع إلى 3000 دولار سنويا. ونوه إلى ضرورة أن تدعم الحكومة القطاع الخاص حتى تستطيع أن تحقق الربح المطلوب، مشيرًا إلى التجربة الماليزية والتي دعًمت فيها الحكومة الماليزية مشروع الخصخصة كما قدمت فيها الدولة القروض المُيسرة للقطاع الخاص مع الإهتمام في ذات الوقت بتقديم أجود الخدمات إلى المواطن. وأشار إلى أن العامل الرئيسي في نجاح التجربة الماليزية هو الإهتمام بجودة التعليم، لافتًا إلى أن ماليزيا عقب انتهاء الاحتلال لم يكن بها سوى جامعة واحدة ولكنها أصرت على إيفاد بعثات للتعلم في الخارج، مشيرًا إلى أن ماليزيا الآن بها الكثير من الجامعات الخاصة و الحكومية. وحذر مهاتير محمد من خطورة اتباع شروط ونصائح صندوق النقد الدولى. وأوضح مهاتير أنهم كانوا لديهم تجربة مع صندوق النقد الدولى فى بداية نهضتهم إلا أن الصندوق أعطى لهم نصائح مضللة، وهم تفادوها عقب معرفتهم بذلك، قائلا: “اكتشفنا أن نصائح صندوق النقد الدولي ليست كلها حقيقية خالصة وبعضها مضللة، ومن هنا قررت ماليزيا التعامل مع مشاكلها ذاتياً دون الرجوع لنصائح صندوق النقد الدولي”، لافتاً إلي أن الصندوق كان يضغط علي ماليزيا وهو الأمر الذي رفضناه.
التجربة الماليزية من التجارب التنموية الجديرة بالاهتمام والدراسة لما حققته من إنجازات كبيرة يمكن ان تستفاد منها الدول النامية كي تنهض من التخلف والجمود. تعد ماليزيا دولة إسلامية ذات مقومات ﻛبيرة حققت خلال العقود الاربعة الماﺿية قفزات هائلة في التنمية البشرية والاقتصادية حيث اصبحت الدولة الصناعية الاولى في العالم الإسلامي وﻛذلك في مجال الصادرات والواردات في جنوب شرقي آسيا، وتمكنت من تأسيس بنية تحتية متطورة ومن تنويع مصادر دخلها القومي من الصناعة والزراعة والمعادن والنفط والسياحة، وحققت تقدماً ملحوظاً في ميادين معالجة الفقر والبحث عن عمل والفساد وتخفيض نسب المديونية الى مديات ﻛبيرة.
لقد استفادت ماليزيا من الانفتاح الكبير على الخارج عبر اندماجها في اقتصاديات العولمة مع الحفاظ على رﻛائز تنمية اقتصادها الوطني، ونرى مظاهر التقدم واﺿحة من خلال تحولها من بلد يعتمد بشكل اساس على الزراعة الى بلد مصدر للسلع الصناعية والتقنية خاصة في مجال الصناعات الكهربائية والالكترونية، فتقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الانمائي للأمم المتحدة لعام 2001، رصد اهم دولة مصدرة للتقنية العالمية وﻛانت ماليزيا في المرتبة التاسعة متقدمة بذلك عن ﻛل من ايطاليا والسويد،ﻛما كانت تجربتها الفائقة النجاح في مواجهة الازمة الاقتصادية لعام 1997، والتي واجهت دول جنوب شرقي آسيا برمتها خير دليل على البرنامج الناجح الذي انتهجته من خلال التزامها بتنفيذ خطة عمل وطنية فر ضت من خلالها قيوداً مشددة على سياستها النقدية واعطﺖ البنك المرﻛزي صلاحيات واسعة لتنفيذ خطة طوارئ لمواجهة هروب راس المال الاجنبي وجلب النقد الاجنبي للداخل واستطاعت ماليزيا الخروج من ازمتها المالية خلال سنتين، وبحثنا ينطلق من فرضية قوامها ان وجود قادة الفكر التنموي في ماليزيا مكنها من الوصول الى المستوى التنموي المرموق الذي تمتاز به اذ وجد هذا الفكر قاعدة له للتطبيق في ماليزيا، فضلا عن الاعتماد على قيم الإسلام النبيلة وجعلها سلوكا يوميا للتعامل مما دفعها للتقدم داخليا وخارجيا متظافرة مع القيم الآسيوية، اذن الأنموذج الاقتصادي الماليزي اضحى إنموذجا يشار له بالبنان وهو يحتذي بالأنموذج الياباني بالتنمية.

ماذا تعني التنمية؟
التنمية عملية شاملة تتناول جوانب الحياة المختلفة السياسية والاقتصادية. من جانب أخر تعد التنمية عملية مركبة ومتعددة الجوانب،وهي تعني على المستوى الفردي تحسنا في مستويات المهارة والكفاءة الإنتاجية والحرية والابداع والاعتماد على الذات وتحمل المسؤولية وتحديدها اْن تحقيق أي جانب من جوانب التنمية انما يرتبط ارتباطا وثيقا بوضع المجتمع باكمله على المستويين الداخلي والخارجي وفي اطار الجانبين السياسي والاقتصادي. بدأ تداول مفهوم التنمية في النصف الثاني من القرن العشرين نتيجة للتغيرات التي حدث على الساحة العالمية، خاصة نهاية الحرب العالمية الثانية، وحصول العديد من دول العالم الثالث على استقلالها، ويرتبط مفهوم التنمية عادة بالجانب الاقتصادي ويتم الخلط بينه وبين مفاهيم اخرى التقدم والتطور ويعود هذا الخلط الى أن فكره التنمية كان قد تم فهمها على انها عملية اقتصادية بحته مرتبطه بزيادة الناتج الوطني.
وقد شهد منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي بداية حملة مراجعة نقدية لمفهوم التنمية ونماذجها كرد فعل لازمة جهود التنمية في العالم الثالث التي فضحت قصورالجوانب النظرية والتنفيذية لبرامج التنمية، وعموما يمكن القول بأن التنمية هي عملية مستمرة ومتصاعدة تعبر عن أحتياجات المجتمع وهي عملية مجتمعية يجب ان تساهم فيها كل قطاعات الشعب وهي عملية واعية أي انها ليست عشوائية وانما محددة الغايات والوسائل وهي تسعى لايجاد تحولات هيكلية فيجميع الأطر الاقتصادية والزراعية والصناعية والخدمية والاجتماعية والسياسية. والتنمية عملية تتطلب توافر قدر من حالة الابداع الحضاري وهذا يحتاج كشرط اول الى وجود بلد مستقل ومحقق لوحدته الوطنية ومتجاوز لمشاكل الهوية ومحافظا على قدر معقول من الاستقرار السياسي. وتختلف أشكال التنمية تبعا لأختلاف مرتكزاتها فهناك التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية:
1) يعتقد الموند باول أن التنمية السياسية تمثل استجابة النظام السياسي للتغيرات في البيئة المجتمعية والدولية وبالذات استجابة النظام لتحديات بناء الدولة. و تبعا لباول تتمثل معايير التنمية السياسية في التمايز البنيوي واستقلالية النظم الفرعية وعلمانية الثقافة. اما لوسيان باي فقد وضع قائمة شاملة نسبيا للتعريفات المختلفة لمفهوم التنمية السياسيةوومنها أن التنمية السياسية هي المطلب السياسي للتنمية الاقتصادية.أو التحديث السياسي أو هي التعبئة والمشاركة الجماهيرية، بالأضافة الى الديمقراطية و التنمية الأدارية والقانونية وهي أيضا جانب من جوانب عملية التغيير الاجتماعي.
2) وتعني التنمية الاقتصادية احداث تغييرات جذرية في هيكل الاقتصاد القومي تؤدي الى زيادة ملحوظة ومستمرة في معدل نمو الدخل القومي بحيث تؤدي هذه الزيادة من التغلب على المشاكل التي تواجهها الدولة مما يترتب عليه ارتفا في مستوى معيشة الافراد، كما هو الحال في ماليزيا. وتتضمن التنمية الاقتصادية شطرين مكملين لبعضهما هما التنمية الزراعية والتنمية الصناعية.
3) التنمية الأجتماعية هي احداث تغيرات جذرية في مفاهيم و سلوك الفرد تجاه المجتمع بما يترتب على أحساس الفرد بمسؤليته الجماعية في القضاء على المشاكل التي يواجهها المجتمع. وهناك فضلا عما سبق البعد الثقافي للتنمية وتبدأ من الإنسان فمنه وبه تفتح جميع ابواب التنمية، وللتنمية الثقافية ابعادها الشمولية الواسعة فيصبح من خلالها المضمون الجوهري للثقافة وهو عبارة عن تراكم ابداعي عبر مسيرة الحضارة الإنسانية والمعرفة بشتى ابعادها فهي تشمل المعرفة الادبية والفنية والتقنية وتشمل المعرفة في ميادين الاجتماع والسياسة والاقتصاد والادارة والفلسفة وغيرها. وليس ثمة شك في أن أدارة التنمية لها أهمية كبيرة فمن أهم مضامينها هي قدرتها وفعاليتها في تنفيذ اهداف تنموية مبنية على استراتيجية واضحة تسندها ارادة سياسية جادة، وهذه القدرة وتلك الفاعلية تقتضي الاخذ بالاساليب الادارية الحديثة و تقتضي أيضا وجود الكفاءات البشرية القادرة على تطبيق تلك الاساليب واستيعاب الطبيعة الاستراتيجية للتنمية والدور والاهداف المراد تحقيقها.

العوامل الداعمة لعملية التنمية في ماليزيا:
تعتبر ماليزيا إحدى قصص النجاح التي حققها المسلمون اليوم بتمسكهم بهويتهم الإسلامية، وبكل ما تحمله من مظاهر التسامح والإخاء مع مواطنيهم من غير المسلمين، وهي شاهد على أن التطبيق الإسلامي الصحيح في سياسة العلم والعمل دافع قوي للنهضة، وإثبات واقعي معاصر لمفهوم التنمية بالإيمان. أن ماليزيا دولة انمائية تلتزم سيآسيا واقتصاديا بتحقيق التنمية وتتخذ من هذا الإنجاز الاقتصادي اساسا لتحقيق الشرعية السياسية لنظامها السياسي، ويمكن القول ان النجاح الاقتصادي والتنموي الذي شهدته ماليزيا يعود في جانب كبير منه الى الدور الكبير الذي لعبته الدولة،بدءا من التخطيط للسياسات الاقتصادية حتى متابعة تنفيذها ووضع الضوابط المنظمة للنشاطات الاقتصادية في شتى المجالات، وقد برهنت تجربة ماليزيا على صدق التأثير الايجابي للحكم المحلي في مساعي التنمية عن طريق الخطط والاستراتيجيات التنموية التي مكنتها من أن تصبح دولة صناعية حديثة، فقد استطاعت ماليزيا ان تقدم إنموذجا تنمويا فريداعن طريق الاخذ بنظام الحكم المحلي والذي يرجع نشأته الى عهد الاستعمار البريطاني الذي ظل ما يقرب من مائتي عام عن طريق تطبيق الولايات لهذا النظام، وتعد حقبة رئاسة الدكتور مهاتير محمد من العام 1981-2003، هي الحقبة التي شهدت انطلاقة النموذج الماليزي للتنمية فقد تضاعف متوسط دخل الفرد وارتفع رقم الصادرات وحدث نمو ملحوظ في الاستثمار الاجنبي، وارتفع نصيب الاستثمار الاجنبي المباشر من الناتج المحلي الاجمالي، وهذا كله بمقتضى قوانين عقد السبعينيات من القرن الماضي التي قادت الى نقل المسؤولية الى المستوى المحلي او مايعرف باللامركزية الإدارية. ونجحت ماليزيا منذ سبعينيات القرن العشرين في تحقيق جانب كبير من الاهداف التنموية المتضمنة في خططها الاقتصادية، بحيث استطاعتان تحقق طفرة تنموية كبيرة تحسدها عليها الدول المتقدمة قبل النامية،فلم تكن ماليزيا في بادئ الامر سوى دولة زراعية تعتمد على إنتاج السلع الاولية وخاصه القصدير والمطاط ونخيل الزيت، غير انها مالبث عن طريق سياستها التنموية ان تتحول الى واحدة من الدول الصناعية التي تتمتع بالاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي وان تحتل اليوم مركزا مرموقا في الاقتصاد العالمي. لماذا حققت ماليزيا ذلك النجاح، بالرغم من أنها لا تمتلك من الثروات الطبيعية ما أنعم الله سبحانه وتعالى به على بعض العرب؟ لقد حبى الله ماليزيا بالاستقرار السياسي وحالة من التوافق والتعايش العرقي والديني وتطور أقتصادي أفاء بظلاله على جميع الماليزيين.هناك عوامل اساسية استطاعت دفع عملية التنمية في ماليزيا يمكن اجمالها بالنقاط الاتية:
1) تهيأ لماليزيا عدد من القيادات السياسية المتميزة التي وضعت مصلحة ماليزيا في قمة أولوياتها ضمن استيعاب عميق لتعقيدات الوضع الداخلي وحسآسياته ومجموعة الحسابات الاقليمية والدولية،وخلال خمسين عاما ( 1957-2007) قاد ماليزيا ستة رؤوساء وزارة فقط وهو مايشير الى حاله الاستقرار النسبي الذي عاشته ماليزيا. كان تنكوعبدالرحمن اول رئيس وزراء وهو بطل الاستقلال إذ أدرك أن الاستقلال والاستقرار لن يتحقق الا بتوافق جميع فئات المجتمع في ماليزيا.وفي العام 1970،اصبح تون عبدالرزاق بن حسن رئيسا للوزراء اثر أضطرابات مايو من العام 1969،التي هزت ماليزيا، فأعاد تشكيلة التركيبة السياسية ووسع التحالف الحاكم وشكل الجبهة الوطنية لتشكل قاعدة حكم ائتلافي أكثر صلابة واستقرارا وعده الكثيرون بطل التنمية، حيث و ضع ماليزيا على طريق التطور الاقتصادي وكان وراء اطلاق السياسة الاقتصادية الجديدة التي قدمت رؤية اقتصادية لعشرين سنه ثانية ( 1979-1990)، استهدف خلالها تحقيق تقدم اقتصادي للجميع مع تحسين و ضع الملايو الذين كانوا يعانون الفقر مقارنه بالصينيين والهنود. وكان قدوم حسين عون استمرارا لنهج تون عبدالرزاق القائم على الوحدة والعدالة، ويعد مهاتير محمد الذي تولى رئاسة الوزراء لا كثر من 22 عاما، بطل الازدهار الماليزي حيث قفزت الدو لة في عهده قفزات هائلة خصوصا في جوانب الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية والخدمات، وقدم مهاتير محمد خدمات كبيرة لابناء قومه من الملايو واحدث تغييرات مهمة في بنيتهم الاقتصادية والاجتماعية مع الحفاظ على حقوق الاقليات.
اما رئيس الوزراء “عبدالله احمد بدوي” الذي تعود عائلته الى اصول يمنية،والذي و ضع والده نص وثيقة الاستقلال الماليزي فقد تابع سياسة سلفه” مهاتير محمد”،في الوقت الذي حاول ان يؤكد على المهنية والثقافية ومحاربة الفساد وعمل على تقديم رؤية إسلامية بعنوان الإسلام الحضاري ليقدم إنموذجا للاعتدال في مواجهة ما يرى انه تشدد وتعصب الحزب الإسلامي الذي ينافسه على سب الاصوات في الملايو، اما نجيب رزاق فهو صاحب سياسة التحول لتحسين الأداء الحكومي وجعله أكثر شفافية، خاصة في مجال مؤشرات الأداء و محاسبة الوزراء.
2) العقد الاجتماعي الذي استطاع الماليزيون تطويره، احد عناصر نجاح التجربة ومن اهم ضمانات استمرارها،ان الاعتراف بالتنوع العرقي والديني والاقرار بوجود اختلالات حقيقية في مستويات الدخل والتعليم بين فئات المجتمع والتوافق على ضرورة نزع كل ما قد يؤدي الى تفجير الاوضاع و معالجة المشاكل بشكل هادئ وواقعي وتدريجي، كان مدخلا لتوفير شبكة أمان واستقراراجتماعي وسياسي. بنت الحكومات الماليزية المتعاقبة مبدأ الوحدة الوطنية على تحقيق التعايش السلمي، وحفظ حقوق الجميع والمشاركة في المسؤولية وفي برنامج التنمية والفكرة تأسست على زيادة انصبة جميع الفئات وبدرجات متفاوتة وحل مشكلة المحرومين من خلال عملية الزيادة والتوسع وليس من خلال مصادرة حقوق الاخرين او التضييق عليهم.
3) التأكيد على دور الإسلام في دفع عملية التنمية في ماليزيا منذ تأسيس الدولة يقول انور ابراهيم نائب رئيس وزراء ماليزيا السابق وعبدالعزيز التويجري الامين العام السابق للمنظمة الأسلامية للتربية والعلوم والثقافة ان ماليزيا نجحت لانها اكثر قربا الى المفهوم الحقيقي للإسلام الذي يقوم على المرونة والاعتدال والوسطية وتركيزها على بناء نظام سياسي يتفق مع الإسلام ويتأسس على التنمية والديمقراطية والشورى، وكما يقول “التويجري” ان نجاح المسلمين في تلك المنطقة من العالم الإسلامي في التأقلم مع واقع التعدد والتنوع هو امر يعود الى الاختلافات الواضحة في طبيعة المؤثرات الثقافية التي خلفتها الحقبة الاستعمارية من جهة، كما يعود ومن جهة ثانية الى بعض العناصر التي تتشكل منها الطبيعة النفسية لشعوب تلك المنطقة، ويفسر “انور ابراهيم” التطور التنموي للدول الإسلامية في جنوب شرقي آسيا في ضوء المتغيرات و المؤثرات المحلية النابعة من الفهم الصحيح للإسلام و تطبيقه بشكل يتفق مع طبيعة المجتمعات الإسلامية.
4) تشغل القيم موقعا محوريا في الفكر الآسيوي الذي طالما اسبغ عليها اهمية كبرى خاصة فيما يتعلق بتجديد ملامح وقسمات الانطلاقة التنموية التي شهدتها كثير من دولا القارة. ويعد الانفتاح على الافكار والحضارات عن طريق فكرة اساسية هي التوازن بين الهوية القومية والعلاقة مع الآخر، وتقدم ماليزيا إنموذجا شديد الو ضوح فيما يتعلق بالعمل على مراعاة الواقع الماليزي مع الانفتاح على كافة الافكار والثقافات والسياسات التي يمكن ان تكون ذات اهمية في المجال التنموي بصوره المتعددة مع رفض التحديث بمعناه العلماني الغربي لتعارضه مع القيم الثقافية الإسلامية، وحسب ما اكده “مهاتير محمد” اذا استطاعت آسيا ان تتمكن من المهارات الصناعية للغرب ومع ذلك تحتفظ بقيمها الثقافية فإنها ستكون في موقع يسمح لها ببناء حضارة اعظم من أي حضارة عبر التاريخ. أن أهم القيم التي بلورت ملامح الثقافة الماليزية تمثل في قيمة الكرامة والتوجه الجماعي والولاء للمجتمع والعائلة والتأكيد على قيمة التماسك والتناغم الاجتماعي مع الاعلاء من شأن قيمة الاعتدال والالتزام باخلاقيات العمل والقدرة على الإنجاز في ظل هرمية معينة تؤكد على احترام الاكبر مع التأكيد بشكل خاص على اهمية التعليم. وتتسم الثقافة الماليزية بالتأكيد على اهمية الرؤية المستقبلية لتحقيق اكبر قدر من النجاحات وذلك دون التقليل من شأن الإنجازا ت التي حققتها ماليزيا في الماضي خاصة بشأن استقلالها عن بريطانيا، ويعكس هذا الامر في مجمله عدم انشغال الثقافة الماليزية بالخوض في امجاد الماضي وانما تولي اهتماما خاصا لكل من الحا ضر والمستقبل، وهو ما تبدى عبر ما يعرف برؤية العام 2020 والتي تحدد ملامح المرحلة التنموية بحقبة لاحقه وهو نفس النهج الذي يتبعه رجال الأعمال في ماليزيا حيث يحرصون على وضع خطط طويلة الامد خاصة بعد تعر ضهم للازمة الاقتصادية في العام 1998، مع عدم اغفالهم و ضع خطط قصيرة المدى تسهم في التحقيق المرحلي للاهداف التنموية طويلة الامد. بيل تحقيقهم لاهداف مستقبلية في الامد البعيد.

مؤشرات التنمية في ماليزيا بين عامي 2000
هناك مؤشرات عدة على تقدم ونجاح التجربة التنموية في ماليزيا خلال العقدين الاخيرين على اقل تقدير، وهذا التقدم يقاس من خلال وجود قطاعات متميزة،حقق تطورات ا كثر من غيرها سجل لها في الميادين والمحافل الدولية.
فسياسة الرؤية الوطنية والتي بدأت بين عامي 2001-2010 عبارة عن خطة عشرية قسمت الى خطتين خمسيتين اعطت اهتماما ا كبر للتعامل مع العولمة وتسارع النمو الاقتصادي الذي اجتاح اما كن كثيرة من العالم، ومن ثم وضع خطط وبرامج تتعامل مع التنافس الاقتصادي المتزايد وتضمن لماليزيا استمرار تطورها البشري والارتقاء النوعي بالإنسان الماليزي والوصول به الى مستوى متميز عن طريق المزيد من الاهتمام بالبحث العلمي، كما تميزت ماليزيا بمقاربتها المرتكزة على الموارد البشرية بهدف التنمية الوطنية، اذ تعد الحكومة الماليزية ان رأس مالها البشري هو النواة في اقتصاد معرفي، وهي بذلك خاضت مسيرة انماء ناجحة لاصلاح سياستها التربوية في القطاعين العام والخاص منذ منتصف التسعينيات الى يومنا هذا، حيث خصصت ا كثر من خمس ميزانيتها السنوية لقطاع التعليم ولتطوير مواردها البشرية، ولم يقتصر النهوض بالثروة البشرية على المهارات والمعرفة بل شمل القيم الاخلاقية والفكر المستنير والوعي الثقافي. اما رؤية 2020 فجعلت هدفها الأكبر تحويل ماليزياالى دولة صناعية متقدمة بحلول عام 2020 وكان مهاتيرمحمد قد قدمها في ورقة عمل بعنوان اطلاق مجلس العمل الماليزي في فبراير 1991 وبدأ العمل المكثف بها مع بداية الالفية الجديدة وحددت الورقة التحديات في عالم متغير سيآسيا واقتصاديا واجتماعيا، وارتأى “مهاتير محمد” ان على ماليزيا مواجهة عدد من التحديات ان كانت تريد تحقيق الازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي والتضامن الاجتماعي ومن ابرزها اقامة مجتمع موحد ومترابط ويملك رؤية مشتركة، بناء مجتمع حرمحصن وواثق من نفسه، مع أقامة مجتمع ديمقراطي ناضج ومتسامح ومتمسك بالقيم والاخلاق النبيلة ومتدين بذاته مع التأكيد على ثقافة التراحم والتكافل والعدل، وان يكون مجتمعا علميا يتميز بدينامية عالية في التعامل مع المتغيرات ويتمتع بنظره مستقبلية، كل ذلك لتأمين الأزدهار الاقتصادي القادر على المنافسة عن طريق تفعيل دورماليزيا في منظمة رابطة الآسيان والمنظمات الاقتصادية الموجودة في المنطقة.
ويمكن اجمال العوامل السياسية والاقتصادية التي ساعدت على نجاح التجربة التنموية في ماليزيا بالنقاط الاتية:
أ. مناخ سياسي يتميز بتهيئة الظروف الملائمة للاسراع بالتنمية الاقتصادية .
ب – يتم اتخاذ القرارت دائما من خلال المفاوضات المستمرة بين الاحزاب السياسية القائمة على اسس عرقية ماجعل سياسة ماليزيا توصف بأنها تتميز بديمقراطية توافقية في جميع الاحوال.
ج – رفض الحكومة الماليزية تخفيض النفقات المخصصة لمشروعات البنية الاساسية والتي هي سبيل الاقتصاد الى نمو مستقر في السنوات المقبلة لذا قد ارتفع ترتيب ماليزيا لتصبح من الدول الاقتصادية الخمسة الاولى في العالم في مجال قوة الاقتصاد المحلي.
احتلت ماليزيا في العام 2007 المرتبة 34 في الناتج المحلي الاجمالي بحسب صندوق النقد الدولي واحتلت المرتبة 18 عالميا من حيث حجم الصادرات في العام 2004 حيث بلغ حصتها 126,5 مليار دولار متصدرة بذلك دول العالم الإسلامي، كما احتلت في العام نفسه المرتبة 20 عالميا من حيث حجم الواردات متصدرة جميع دول العالم الإسلامي، اما من حيث الواردات فقد احتلت ماليزيا في2006 المرتبة الاولى في لعالم الإسلامي والمرتبة 22 عالميا، وظهر المؤشر السنوي للتنمية البشرية الذي يصدره برنامج الامم المتحدة الانمائي، ان ماليزيا احتلت المرتبة 63 في العام 2007، وبالرغم من هذه المرتبة المتوسطة نسبيا قياسا بالمؤشرات الاخرى، الا ان التصنيف نفسه جعلها من الدول ذات التنمية المتقدمة.
يمكن حصر أبرز ملامح نجاح التجربة المليزية بالمجالات التالية:
1) ملامح الاقتصاد المعرفي: بفضل السياسة التي دعمتها آليات تطوير القدرات والمهارات البشرية من خلال تطوير اليات التربية والتعليم وتأسيس معاهد بحوث علمية ومؤسسات تدريب مهنية ارتفع اجمالي الناتج القومي ليصل الى 84,6 مليار دولار في العام 2007 بزيادة تجاوزت 6% عن العام 2006، وارتفع قيمة الصادرات الصناعية بنسبة % 10,5 عن العام 2006 لتصل الى 76,188 مليار دولار في العام 2007، ما بلغ متوسط الناتج الفردي 10882 بمعدل ارتفاع سنوي للناتج الفردي بحدود3,3%، ولقد اعتمدت الحكومة الماليزية سياسة تصنيع واسعة في ماليزيا وفتحتها امام الاستثمارات الخارجية المباشرة وتحول بفعل ذلك الى اقتصاد موجه بالسوق ومبرمج الإنتاج، يتفاعل بين القوة العاملة الماهرة فنيا والمتعددة اللغات والبنية التحتية العالية التطور ماجعل ماليزيا دولة مزودة بمؤسسات علمية متقدمة ومستقبلة للاستثمارات من الدول الغنية والمتقدمة، واحتلت المرتبة السادسة في آسيا على مستوى المنافسة الصناعية بعدالصين وسنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان والدولة 21 على المستوى العالمي وفقا للمؤشرات الاقتصادية الايجابية.
2) الاجراءات الحكومية المساندة للتنمية البشرية والاقتصادية وتعزيز الابتكار والابداع وقامت الحكومة الماليزية بعدة اجراءات تتضمن حماية ودعم مشاريع الأعمال والإنتاج والتشديد على مسؤولية الحكومة في الحماية والتسويق ودعم الإنتاج والبحوث العلمية واعتماد سياسات انفتاح على الاستثمارات الخارجية واعتماد سياسات ضريبية منفتحة وجاذبة للاستثمارات وحرية تداول العملاتو حماية الملكية الفردية.
3) تطوير الانظمة التعليمية في المراحل كافة وإنشاء مؤسسات تدريب وتأهيل مهني مستمرو تخريج قوة عاملة شابة ومثقفة وكفؤة وعالية الإنتاج ومتعددة اللغات مع الزامية إتقان اللغة الانكليزية وإقامة علاقات صناعية وروابط متجانسة بين مؤسسات الإنتاج الصناعية.
4) تطوير البنية التحتية للدولة بأنشاء شبكات طرق سريعة وشبكات قطاراتو مطارات عالية التطور، وتوفير شبكات معلومات واتصالات متقدمة جدا وخدمات معلوماتية عالية الجودة مع تطويرالمراكز الصناعية والمجمعات التكنولوجية ومرا كز الابتكار والابداع وانشاء معاهد بحثية ومدن ومراكز بحوث علمية وافتراضية.
5) تطوير نظام الادارة والعدل والقضاء وسن تشريعات قانونية لحماية حقوق الانسا ن وتحديد الواجبات والمسؤوليات والمساءلة والمحاسبة فيما يخص علاقة المواطن بالمجتمع والدولة وتنظيم المجتمع المدني.
6) حماية الملكية الفكرية:
اقرت الحكومة الماليزية قوانين لحماية الملكية الفكرية وتشمل الماركات المسجلة 1976والاختراعات 19836 والتصاميم وحقوق النشر والتأليف 1987 والمؤشرات الجغرافية 2000، كما وقعت ماليزيا على اتفاق تسجيل العلامات التجارية بحقوق الملكية الفكرية تحت إشراف منظمة التجارة العامية والمتاجرة بها بما يحمي حقوق المبتكرين والمبدعين.
7) على صعيد حقوق الإنسان ومستوى المعيشة والبيئة:
أ. يمتاز المجتمع الماليزي بخصوصيات ثقافية تجعله قابلا للتواصل مع الغير وقادرا على العمل الجماعي، فهو مجتمع صديق ومضياف وديمقراطي حر. ويتمتع ببيئة حياة هادئة وذات درجة عالية من الرفاهية مع وجود مجمعات سكنية مريحة مع توفير بيئة صحية متطورة وخدمات صحية عالية الجودة وتوفير كل ما يلزم من أدوات ووسائل دعم مشاريع الأبتكار والابداع وتوفر مؤسسات تربوية وجامعية ذات كفاءة عالية متكيفة مع حاجات السوق المحلية. مع تطوير العلوم ورسالة البحث العلمي عن طريق تشجيع البحوث والاختراع والابتكار التكنولوجي وفي تطوير الوسائط الرقمية وبهدف التنمية وتنفيذ الرؤية الوطنية قامت الحكومة الماليزية بتأسيس عدة مراكز للبحوث والتطوير تخدم التطوير الصناعي وصناعة المعرفة.
وبالرغم من الازمة الاقتصاديةالتي هزت العالم بقى الاقتصاد الماليزي متماسكا حيث سجل نموا في اجمالي الناتج المحلي في عامي 2008-2009 مدعوما بالطلب المحلي والتوسع المتواصل في الاستهلاك العام والخاص، كما سجل قطاع الخدمات اعلى نمو له بنسبة 7,9% في العام 2008، ويليه قطاع الصناعة الذي نما بنسبة 4,8%، ووصل الاجمالي التجاري الماليزي في العام 2008، نحو 1,19 تريليون رينجه ماليزية (العملة المحلية) بزيادة 6,8%، مقارنة بالعام 2007. وتم تصنيف ماليزيا بالمركز الخامس للاقتصاديات الاكثر تنافسية في آسيا بعد سنغافورة وهونغ كونغ وتايوان والصين وحلت بالمركز 19 على مستوى العالم بناء على التقرير السنوي لعام 2008 الذي صدر في العام2009 . وتشهد ماليزيا الان تصاعدا في سلسلة القيمة وهي تركز حاليا على جذب صناعات التقنيات العالية والقيمة المضافة العالية المعتمدة على المعرفة ذات التركيز العالي على المهارات عبر دمج الفعاليات مثل التصميم والتطوير والبحث والتنمية.
يمكن القول أن الشعب الماليزي قد حقق “معجزته” بالفعل، وأنه تمكن من تحويل بلاده الفقيرة إلى ورشة عمل هائلة خلال فترة قصيرة، انتقلت خلالها ماليزيا من دولة زراعية بدائية إلى دولة متقدمة تحتل مرتبة متقدمة بين دول العالم خاصة بين الدول المصدرة للتقانة العالية, علاوة على معدل نمو سنوي يناهز الثمانية بالمائة، وهو أحد أعلى المعدلات في العالم.

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي
m.najeeb@bayancollege.net

إلى الأعلى