الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / والله غالب على أمره

والله غالب على أمره

علي عقلة عرسان

ما معنى تصريح مسؤولين في الولايات المتحدة الأميركية بأن سوريا قادرة على صناعة أسلحة جرثومية واتهامها بالسعي لامتلاكها في هذا الوقت، وتحميلها مسؤولية تأخر تسليم كميات كبيرة من الأسلحة الكيمياوية حسب المخطط له، وأنها لم تسلم أكثر من 5% من المواد التي تحتل المرتبة الأولى من الخطورة، مع أنها تعرف جيدًا الظروف الأمنية الصعبة المحيطة بتلك العمليات، وأن ذلك الوضع هو الذي أدى ويؤدي إلى التأخير؟! ولماذا يذكر السيد كيري بأن خيار استخدام الضربة العسكرية ضد سوريا ما زال خيارًا على الطاولة ولم يسحب أبدًا؟!.. وكل ذلك يأتي في أثناء انعقاد الجولة الأولى من جولات مؤتمر يهدف إلى الحل السياسي للأزمة ـ الحرب في سوريا التي تعاني الأمرَّيْن من الحرب والحصار المفروض عليها؟! وكيف يمكن أن يفسَّر قرار الكونجرس الأميركي بتزويد المسلحين بالسلاح القاتل بعد التستر على استمرار تدفقه منذ زمن بذرائع أن ما ترسله هو سلاح “غير قاتل؟!”، في وقت قالت فيه كل الدول في مونترو، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، بأنه لا يوجد حل عسكري للأزمة السورية بل حل سياسي فقط؟! هل يأتي ذلك في إطار دعم وفد الائتلاف في أثناء التفاوض، أم يتم للضغط على الوفد الرسمي السوري لتقديم تنازلات، أم أنه تغيير موقف سياسي بعد مخاطبة الوزير وليد المعلم للوزير جون كيري في افتتاح المؤتمر في مونترو بشأن الرئيس السوري وبقائه أو عدم بقائه في الحكم، ذلك الكلام الذي ترك أثرًا واضحًا على السيد كيري، وبدأت ردات فعله عليه في المؤتمر الصحفي الذي أعقب جلسة الافتتاح ومن ثم في ما تلاه من لقاءات إعلامية، إلى أن تجلى في موافقة الكونجرس على إرسال أسلحة إلى المسلحين في سوريا، وقد كان متحفزًا لمثل هذه الخطوة وينتظر إشارة سياسية ما؟!
لا يمكن فهم هذا الموقف إلا من خلال العودة إلى العدوانية الأميركية الراسخة في السلوك السياسي وطبيعته المراوغة من جهة، وإلى الرغبة المؤكدة في جعل الحرب المدمرة في سوريا تستمر إلى أن تأتي على آخر من تعتبرهم “الولايات المتحدة وإسرائيل” أعداء لهما: ابتداء بالجيش العربي السوري والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني وانتهاء بالمصنفين لديهما ولدى الأمم المتحدة إرهابيين.. فتلك استراتيجية تعمل عليها الإدارة الأميركية مع حلفائها وشركائها وعملائها وأدواتها في المنطقة منذ بدأت الأزمة وأخذت بالتطور المأساوي الذي نهرفه ونعيشه.. على أن هذا الفهم لا يغير من الأمور شيئًا على الأرض السورية المشتعلة، فالاقتتال مستمر والاستثمار فيه مستمر، والنتائج التي يؤدي إليها ذلك أوضح من أن توضَّح. وبناء على ذلك يمكن القول إن مؤتمر “جنيف 2″ الذي أنهى جولته الأولى أمس الجمعة 31 كانون الثاني ـ يناير 2014 وستكون له جولات وجولات لن يوقف الحرب والرعب والإرهاب والعذاب، وأن المتفاوضين سيستمرون في “التهارش” أمام العالم إلى أن تقرر المعارك على الأرض نهاية اللعبة الدامية.
في سوريا لاعبون كثر يتكونون من عناصر بشرية مقاتلة أو داعمة للمقاتلين تأتي من دول عدة، وتنتمي إلى طوائف ومذاهب وتنظيمات سياسية، ولاعبون هم دول كثيرة في العالم.. ويمكن أن يصنَّف اللاعبون جميعًا في ثلاث فئات رئيسة:
الأولى: هي الدولة السورية ومن يناصرها سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا من أفراد ودول، والثانية: هي المعارضات المسلحة وغير المسلحة، ذات التكوين الفسيفسائي الذي يجمع بين الشيوعي والإسلامي، وبين العلماني والديني، وبين قلة من الأقليات وكثرة من الأكثرية، وهي فئة تتفق أطرافها على مطالب التغيير والدولة المدنية.. إلخ، أما الفئة الثالثة فهي المتطرفة التي يصنَّف معظمها إرهابًا وفق المواصفات الأممية أو الأميركية ـ الأوروبية، وهي على بعض التضاد فيما بينها تريد إسقاط النظام وإقامة دولة الخلافة الإسلامية أو حكم الشريعة.. وتلتقي كل من الفئتين الثانية والثالثة في هدف إسقاط النظام، وفي تصنيفه نظامًا “علويًّا ـ شيعيًّا” يحكم أكثرية سنية، ولذا تخوضان في معظم عناصرهما والممولين لهما جانبًا من الحرب بحكم هذه الرؤية، أي في إطار الصراع المذهبي الغالب على تفكير فريق لا يستهان به من الفئة الثانية التي لها ما يناصرها أو يوظفها ويدفعها للصراع تحت هذا الشعار، ويغطيها سياسيًّا وماليًّا وعسكريًّا و.. إلخ.. والصراع الذي بدأ بين أطراف من الفئتين الثانية والثالثة صراع منتظر، وهو مما يخطط له دوليًّا وكان مطلبًا معلنًا لدول أعلنت أنها “أصدقاء سوريا”، وذلك في إطار الوصول إلى القضاء على الجميع بأيدي الجميع، أي ما قلت عنه مرارًا وتكرارًا “حرب الكل ضد الكل”.. وفي هذا مصالح متداخلة للأطراف العربية والدولية الوالغة في الأزمة السورية، الأمر الذي يجعل تلك الأزمة في جانب منها صراعًا دوليًّا، سواء أكان في شعار الاتفاق المعلن أم في الحرب التي تتم في الخفاء أو تحت الطاولات.. ويجعلها من جانب آخر فتنة مذهبية صارخة على الرغم من محاولات التهرب من نوع من الفتن مدمر، أي حرب “سنة وشيعة” في تضاعيف خلافات مذهبية ذات جذور تاريخية، وما هي سوى خلافات سياسية كُسيت برودًا دينية والتمسَت لها ذرائع ومرجعيات، وأججها جهل مطبق أو غلو في حدود الجهل، ويُراد لها أن تكون دينية ذات مرجعيات ترقى إلى القرآن والحديث الشريف؟! وهذا عجيب في بابه، مع أن الجامع الديني واحدٌ موحِّدٌ يدركه الحكماء والمؤمنون الصادقون والمتفقهون في الدين ومن يفهمون رسالة الإسلام حق الفهم ويدركون أنها رسالة تسامح وأخلاق وفيم جاءت رحمة للناس كافة وليست نقمة على أحد فكيف بها تكون نقمة لفريق من المسلمين على فريق؟! وهي رسالة مدركة الغايات والوسائل لمن يفهم مقاصد الشرعية فهمًا صحيحًا ولا يداخله التعصب ولا التطرف ولا الغلو.
وبحكم التكوين الاقتتالي في سوريا، والتداخل الدولي في الأزمة، والأهداف النهائية للمتحاربين ومن يقف وراءهم.. فإن الخرب مرشحة للاستمرار.. فمن يريد سوريا في محوره السياسي أو في جيبه، قد يقبل بعد لأي بمقايضة في مكان ما أو بترتيبات استراتيجية وصفقات ولكنه لا يقبل إلا أن ينتهي من أعداء له في ميدان مكتمل المواصفات لتحقيق ذلك، وعند الحديث عن الإرهاب أو الدخول في إطاره كل يرى إرهابًا في فئة وفي الآخر، وكلًّا يريد التخلص من عدوه باسم محاربة الإرهاب.. وهكذا تستمر الحرب وفق رؤيته ومصلحته ولو لمدى..؟! أما من يريد سوريا سنية أو شيعية فإنه يقاتل تحت ألوية مذهبية، في حرب يراها شرعية وليست مشروعة فقط، ويعتقد أنه يجاهد في سبيل الله وأنه من الفرقة الناجية أيًّا كان ما يرتكبه بحق الآخر أو ما يتسبب به للأبرياء ولمن لا ناقة لهم ولاجملًا في حرب كريهة من هذا النوع!؟ ومن يقاتل تحت لواء حماية الدولة والسيادة والحكم والشرعية الدستورية يرى أنه يحارب الإرهاب والمؤامرة الدولية على سوريا الوطن والشعب والدولة والخارجين على القانون والمتآمرين والخونة ومن باعوا أنفسهم لأعداء الوطن والأمة وللشيطان قبل الوطن والأمة، إذا كان من أهل الإيمان!!.. وهكذا نجد أنفسنا أمام حالة تشبه أعمدة ثلاثة متوازية شاهقة يُراد لها أن تلتقي، بينما حكم القواعد الرياضية يقول إن الخطوط المتوازية لا تلتقي سواء أكانت أفقية أم شاقولية.
هذه المأساة التي تفوق التصور فيما أنتجته من موت ودمار وقهر ورعب ومعاناة وأحقاد.. لا يمكن أن تحل إلا بتغيير إعجازي خلاق يقوم به أشخاص يتعالون فوق الحقد والثار والجراح والمأساة، وينذرون أنفسهم للحل الإنساني ـ الإنقاذي ـ الوطني ـ الأخلاقي بامتياز، سواء أكان ذلك على أرضية الإخلاص الوطني أو الإيمان الديني، ويتم ذلك بمبادرات أكثر من شجاعة وسامية ترفع أصحابها إلى مرتبة البطولة الوطنية والقومية والإنسانية، وفي مواقف أطراف سوريا داخلة دخولًا عضويًّا في الأزمة ـ الحرب وفي القتال، وقد تكون والغة في الدم، أو ملوثة به كما يحب البعض أن يقول في مصطلح روجته إسرائيل فغدا سوريًّا بقدرة سوريين؟!.. هذا إذا قيظ لأولئك الأشخاص صحوة تاريخية ـ أخلاقية وإنسانية على حقائق الوضع الكارثي الذي أصبحت عليه سوريا التي يزعمون أنهم “يتقاتلون من أجلها؟!”.. ونظروا بإدراك تام إلى رعب النتائج اليومية الذي يتراكم رعبًا ونتائج كارثية مهلكة جراء المأساة السورية الفريدة في بابها، المستمرة منذ ثلاث سنوات بلا شفقة ولا رحمة ولا راحة ولا هدنة للتنفس، من أجل حكم وتغيير حكم كما يقال، ومن أجل بقاء سلطة وذهاب سلطة وتداول سلطة كما يحب البعض أن يرى تلخيصًا وتفسيرًا للمشهد السوري الدامي، وما هو كذلك بل هو بكثير أبعد من ذلك، ولا هو أمر بقاء شخص أو ذهاب شخص، بل قضية أكبر وأكبر، وتحكمها عقد تكونت خلال عقود، وممارسات ومعاناة ومرارات سببها قصور وفساد رأي ورؤية وغلو وجهل واستهانة بالناس والقيم الوطنية، وتمدد على حساب الوطن والناس.. وتحتاج إلى فعل كبار ينقذ ويبقى ويخلد أهله ويقدم قدوة جديدة ولا نقول سابقة، فمثل ذلك الفعل الخلاق موجود في تاريخنا وفي تاريخ الأمم والشعوب.
أغلقت بوابة قاعة في جنيف لمدة قد تكون أسبوعًا أو أكثر، تتكرر بعده الأسابيع بين إغلاق وفتح، وذم وقدح.. وخلال هذا المدى الزمني يبقى الدم السوري ـ العربي ـ الإسلامي ـ البشري يسيل يوميًّا، والمآسي تتراكم ساعة بعد ساعة، والناس تموت، والأمن مفقود الحقد ينمو.. فما الذي سينتظره الناس بين أسبوع وآخر في جنيف بعد الذي رآه وما يتوعده به أعداء الأمة من الصهاينة وحلفائهم الأميركيين على الخصوص وممن هم لهب النار وحطبها من أبناء سوريا؟! لا شيء .. لا شيء ما دام الدم يسيل، والرعب يكتسح المدن والقرى والساحات، والخراب ينتشر.. إن رفع الحصار ووصول رغيف الخبز إلى الذين يتضورون من الجوع، وتخفيف الأعباء عن المحاصرين، سواء أكانوا حيًّا في حمص أو في حلب أو في دمشق، أو في قرية من هذا الريف السوري أو ذلك، تحاصرهم هذه الفئة من الفئات الثلاث المتقاتلة أو تلك.. فإنه تجسيد أو مقاربة لجزء من المأساة التي يسببها الحصار الجزئي، بينما الحصار الكلي يشمل سوريا والسوريين وينهك الجميع، ولا أحد يتحدث عنه بوصفه جريمة حرب، ولا بوصفه مفتاح باب من أبواب الحل السياسي المنشود والثقة التي ينبغي أن تبنى جسورها بين المعنيين بالحل السياسي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولا بوصفه عدوانًا أو تواطؤًا ضد بلد وشعب أنهكهما الحصار؟!.. فمن يجوع ويتأذى من الحصار الجزئي أو الكلي ليس الرئيس أو الوزير أو الأمير أو مناضل الفنادق أو الحاكم المتحكم بأمر الناس أو بأمر فئة منهم.. بل هو الإنسان البسيط، ابن الشعب الذي لا يملك من المال أو الرزق ما يمكّنه من تجاوز المحنة أو تجاوز أيام منها دون أن يزحف على رموش عينيه طالبًا العون من الله ومن عباد الله.. وفي ذلك ذل له وإهانة لا شهامة فيه ولا كرامة لا له ولا لمن يدعي أنه يقاتل من أجل كرامته بـ”شهامة؟!”، وفي ذلك نقض لكل معمار اجتماعي وأخلاقي يقيمه الوطن مع المواطن، والحاكم مع المحكوم، والمناضل مع المستَهدف بالنضال، والثائر مع الشعب، والساعي إلى الحرية مع من يريد أن يحررهم..؟!
يا أبناء سوريا الحبيبة، سوريا الوطن والتاريخ والحضارة والكرامة.. في الفئات جميعًا وفي المواقع والمواقف كافة، ويا أهل جنيف من بين أبناء سوريا والمعنيين بها وبما تثمره من حنظل يومي، قبل أن تورق دواليها، وتعقد عناقيدها، ويحلو حصرمها.. إن هي غدت كرْمة مشرقية أو سورية على الخصوص.. تنازلوا عن كبرياء جوفاء وعن ادعاءات عريضة ومناوشات كريعة.. هي مواسم النار على بطن الشهب وسيل الدماء من فرائصه ..
ألا واتقوا الله في الشعب والأطفال والوطن الذي كان عزيزًا وقويًّا، ألا اتقوا الله في الجرحى والمعوقين والمعتقلين والمشردين والنازحين والمهجرين، وفي أسر الشهداء بين أم وزوج وطفل .. هذا إن كانت تقوى الله تعني لكم أو لبعضكم شيئًا بعد الذي كان والذي صار .. واعلموا أنكم لستم الغالبين، إنما الله سبحانه هو الغالب على أمره.

إلى الأعلى