الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / محنة الكولونيالية

محنة الكولونيالية

أ.د. محمد الدعمي

للمرء أن يفترض أن العالم الغربي يحيا الآن محنة مع الشرق، خاصة العربي الإسلامي، بسبب تداعيات الحقبة الكولونيالية التي لم تتبدَّ آثارها السلبية بوضوح إلا في حقبة “ما بعد الكولونيالية”.
وجذر ذلك هو أن العالم الغربي، الصناعي ـ الغني، قد أخذ “العالم الشرقي” المستضعف، إذ صح التعبير، على حين غرة خلال القرون الثلاثة الماضية، أي بعد أن استجابت الحضارات الشرقية، ومنها العربية ـ الإسلامية، لأسباب التدهور الاضمحلال حتى غدت بدرجة من الضعف أنها صارت “لقمة سائغة” لدول العالم الغربي القوية، تأسيسًا على ناموس اقتصاديات رأس المال والفكر البراغماتي الغربي الذي يفيد بأن “البقاء للأقوى”.
هكذا انطلقت حركة الاستعمار أو الكولونياليات الأوروبية، تأسيسًا على جدل من التفوق، قوامه القوتين العسكرية والاقتصادية. عندما وصل الإنسان الغربي الأشقر إلى عالمنا الغريب النائي، وجد نفسه أمام فضاءات لا نهائية من الجهل والجوع والرجوعية، زيادة على فضاءات “الهوام” الصحراوية التي طغت على أقاليمنا العربية. وبطبيعة الحال، كانت أوضاعنا في البلاد العربية وفي سواها من الأصقاع من آسيا وإفريقيا مغرية للاستغلال بالنسبة لأعين إداريي الكولونياليات الرئيسة، الأمر الذي قاد، ليس إلى الظفر بما يسمى بـ”وليمة الاستعمار” فقط، بل كذلك إلى الصراع الدموي بين الكولونياليات الأوروبية للفوز بـ”حصة الأسد”، كما كانت عليه الحال بين بريطانيا وفرنسا، إسبانيا والبرتغال، ثم بين ألمانيا وجميع الدول أعلاه.
وإذا كنا في بغداد وكلكتا وكانتون والجزائر والقاهرة ومراكش نخرج في تظاهرات لشجب الاستعمار والمطالبة بجلائه وقواته، فإن الكوزموبوليتانات الغربية الكبرى، كلندن وباريس، ثم نيويورك كانت تزدهر مما تمتص من ثروات شعوب الشرق على قدم وساق وبلا رأفة أو هامش لخط رجعة، الأمر الذي راحت شعوب الشرق تحتضن مشاعر الكراهية والبغضاء التي نراهما اليوم منتشرة ضد العالم الغربي.
وإذا كنت قد ناقشت “الضرائب” التي تدفعها اليوم الدول الكولونيالية سابقًا بعد انتهاء عصر الكولونياليات الذهبي في مقالة سابقة (للوطن) الغراء، فإن على المرء أن يتجاوز الحدود التي لاحظتها سابقًا حول هذه الضرائب التي تقاسي منها لندن وباريس ونيويورك على سبيل إلقاء الضوء على ما يقض مضاجع الحكومات في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية اليوم، وهو: انتشار الجماعات الإرهابية، نوع القاعدة وأخواتها، في أحشاء تلك الدول الكبرى.
ومختزل الرعب يتجسد فيما تتناقله الأجهزة الاستخبارية هناك عن شؤون الجاليات الشرقية التي انتقلت إلى الحواضر الغربية قبل أجيال، والتي راحت تحيي وتتشبث بشخصياتها الثقافية الشرقية حول تدقيق الأجهزة أعلاه في مراقبة هؤلاء المنحدرين من أصول شرقية وبث العيون في مراكز تجمعهم كدور عباداتهم، خاصة المساجد.
يقول أحد أهم إداريي الأجهزة الأمنية إن الخطر الداهم اليوم لن يأتي من الخارج، وإنما هو آت من الداخل من أبناء المهاجرين القادمين من الشرق قبل أجيال.
أما الكارثة الأكبر، فتتجسد في أن هؤلاء راحوا يركبون البحار والجو للتطوع في معارك يعدونها مقدسة في آسيا وإفريقيا. ولكن، ثم ماذا؟ ماذا سيفعل هؤلاء الذين اختلطت دماؤهم مع الدماء الآرية، وأتقنوا اللغات الأوروبية وفهموا الحضارة الغربية؛ ماذا سيفعل هؤلاء المتطرفون الذين يحملون “جوازاتنا” في جيوبهم عندما يعودون لأوطانهم الجديدة في بريطانيا وفرنسا، ألمانيا وأميركا؟ هذا هو جوهر المعضلة.

إلى الأعلى