السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : 2015 .. سنة معاقبة الاحتلال أم الفلسطينيين؟

شراع : 2015 .. سنة معاقبة الاحتلال أم الفلسطينيين؟

خميس التوبي

من الطبيعي أن يدور جدال كبير حول مشروع القرار الفلسطيني في مجلس الأمن الدولي لإنهاء الاحتلال بعد فشل المجلس في التصويت عليه واستخدام الولايات المتحدة الفيتو لنسفه، ذلك أن مشروع القرار والوقوف ضده يلخص الوضع المستمر منذ أكثر من ستة عقود بين طرف مقاوِم يطالب بحقه المغتصب، وطرف مسنود بقوى دولية يتنمر على الشرعية الدولية ويتمادى في الإيغال في اغتصاب الحق.
وإزاء ذلك، يبدو الفلسطينيون في هذه الغابة الدولية المملوءة بالكذب والنفاق كمن لا يسمع سوى صدى صوته، في حين يبدو كيان الاحتلال الصهيوني كضباع تطلق نداءها فتأتيها بقية الضباع من كل حدب وصوب لتزيل الخطر حولها وتحاصر فريستها وتنقض عليها. والتبرير العربي الذي يتداول بأنه كان على الفلسطينيين الانتظار حتى بداية العام الحالي وتغير الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن يؤكد صحة ما ذهبتُ إليه بأن الفلسطينيين باتوا في هذه الغابة وحيدين لا يسمعون غير صدى نداءات استغاثتهم، بينما كانت الضباع ومختلف المفترسين يتجمعون حول نعيق النفاق الصهيوني. فواشنطن أكدت مرارًا وتكرارًا أنها لن تدعم مشروع القرار وستستخدم الفيتو ضده على الرغم من إيكال المهمة إلى فرنسا ـ الدولة الأولى المزودة للاحتلال الصهيوني بالسلاح النووي ـ لتفريغ المشروع من مضمونه، وبالتالي تغيَّرَ الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن أو لم يتغيروا فإن الفيتو الأميركي بالمرصاد. وإذا كانت المسألة هي مسألة إحراج الولايات المتحدة أمام العالم، فإنها مسألة أدعى إلى السخرية والضحك على الذقون، وتُبيِّن حيلة العاجز الذي يحاول التشبث بأي عذر ليتخلص هو من الحرج، فمن استخدم الفيتو عشرات المرات في مجلس الأمن ووقف ضد الحق الفلسطيني ومناصرًا الاحتلال الصهيوني وشاهرًا سيف النفاق والكذب والظلم والفساد، ومعطلًا للقرارات الدولية ذات الصلة بالاحتلال الصهيوني والصراع العربي ـ الصهيوني، فلن يتحرج عن استخدام الفيتو، بل إن الولايات المتحدة مستعدة أن تستخدم الفيتو ضد مشروع القرار الواحد عشرات المرات ولن يلين لها جانب ولن يهز موقفها هذا شعرة منها ما دامت تتعامل مع الآخرين ـ الذين يخضعون لها بالقول والفعل ـ كقطيع من نعاج تسوقهم لتحقيق مآربها ولإطعام وحوشها من الصهاينة.
واليوم ليس ثمة ما يؤكد ذلك مما تشهده المنطقة خاصة من قطعان يسوقها الصهيو ـ أميركي لتناطح بعضها بعضًا ولتدمر ما علا الأرض وما عليها وما أسفلها، فكيف يتأتى أن يتحول من يملك بصولجان الإرهاب والنفاق والظلم والفساد والتآمر والتخريب، ويملك هذه القطعان التي توحشت ضد ذاتها وضد جنسها إلا سيدها وراعيها، عن ما بدأه من تشكيل لهذه القطعان المتوحشة لخدمة الصهيونية وكيان الاحتلال الصهيوني وتثبيت ركائز أمنه وتفرده وهيمنته في المنطقة، ومن أجل تصفية القضية الفلسطينية وتفريغ أرض فلسطين عن بكرة أبيها من أصحابها ومواطنيها الحقيقيين، ويتحول إلى الجانب الآخر بمناصرة الفلسطينيين وتأييد مشروع قرارهم وهو يرى أن القطعان المتوحشة تأتي له وتنجز له بما عجزت قوته العسكرية الجبارة عن الإتيان به وإنجازه؟
وما يتداول خلف الكواليس أو أمامها أو فوقها أو تحتها عن ما يسمى نصيحة أميركية للمجموعة العربية بأن “عزل إسرائيل” مجددًا بأي قرار دولي خطوة سيستفيد منها بنيامين نتنياهو وحزب الليكود حصريًّا في الانتخابات المبكرة المقبلة، وأن الجانب الفلسطيني اعتبر النصيحة الأميركية مغرضة وهدفها إعاقة المشروع الفلسطيني في الوقت الذي تميل فيه المجموعة العربية رغم أنها ساندت عباس ومشروعه بكل الأحوال إلى التحدث عن “أجندة داخلية” لعباس تطلبت منه المضي قدمًا في مشروع يعرف مسبقًا بأنه لن يحصل عليه، يدخل هذا في سياق الضغوط والمراوغات والابتزازات الأميركية، فهذه النصيحة واضح هدفها وهو ما ذهب إليه الجانب الفلسطيني بأن الهدف منها هو تعطيل المشروع، ذلك أن امتناع الفلسطينيين عن تقديم مشروع القرار يعد بمثابة دعم فلسطيني كبير للمجرم نتنياهو في الانتخابات، ما سيؤدي بالنتيجة إلى تحقيقه فوزًا كاسحًا، وبالتالي فإن النصيحة الأميركية ستكون فضيحة ومراوغة لو استمع إليها الفلسطينيون. كما أن استخدام الولايات المتحدة الفيتو ضد مشروع القرار رغم أنه لم يحصل على تسعة أصوات المطلوبة فيه رسالة واضحة لـ”أوروبا القديمة” التي وصفها بذلك دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الأسبق بأن واشنطن لن تسمح لتابعاتها من العواصم الأوروبية بأي تغيير في الموقف الرافض للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ولهذا فإن حجم الغضب والرفض لطلب السلطة الفلسطينية الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية لا ينفصل عن جملة المواقف الصهيو ـ أميركية الساعية إلى تصفية القضية الفلسطينية، الأمر الذي يشي بتحول كبير في الموقف الصهيو ـ أميركي بتعميق حالة الفساد والنفاق في موازين العمل السياسي والدبلوماسي والعلاقات الدولية والتحرك نحو اختطاف المؤسسات الدولية بما فيها المؤسسات الجنائية والعدلية وتحويلها إلى عصا لضرب الفلسطينيين وكل من يتشدد لهم، خاصة بعدما ثبت العجز العربي عن بلورة أو إعلان أي موقف يرفض تصرف مجلس الأمن والولايات المتحدة، وبعدما ثبت أنها لا ترى الآخرين ممن يخضعون لها بالقول والفعل سوى قطعان في حظائرها المنتشرة في المنطقة والعالم. ما يطرح السؤال الآتي: هل السنة 2015 ستكون سنة معاقبة الاحتلال الصهيوني أم معاقبة الفلسطينيين؟

إلى الأعلى