الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : قوة الرصاص .. تسقط خيار المؤسسات ..فأين التصحيح ؟

العين .. الثالثة : قوة الرصاص .. تسقط خيار المؤسسات ..فأين التصحيح ؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

كيف لا يزال البعض يحتكم للعنف أكثر من احتكامه للمؤسسات والقضاء ؟ من المسئول عن استمرار هذه الوضعية حتى الان ؟ ولماذا الان ؟ لأنه يفترض أننا قد وصلنا الى دولة المؤسسات والقانون الضامنة للحقوق والحريات، الفردية والجماعية، ولأن العنف مهما كان اشكاله، سياسية، اجتماعية، دينية، محرمة دينيا ومجرمة قانونيا، ومجمع عليه اجتماعيا – يفترض ذلك – لكن ورغم ذلك، لا نزال نسمع ونشاهد تجدد بعض صوره وبصورة متزايدة، لو سألنا كل اطراف العلاقة المتسببة في العنف عن ايهما تفضل خيار القوة أم خيار القضاء والمؤسسات لحسم خلافاتها؟ لنبذوا بالأجماع العنف، فلماذا ورغم ذلك يلجأون اليه ؟ هل لأننا مجتمع مسلح، ولا يمكن ضبط انفعالاته في حالة الاختلاف أم هناك اسباب تدفع الى العنف ؟ ومن اللافت تزايد امتلاك السلاح الشخصي ليس في محافظة دون أخرى وإنما عدة محافظات، من وراءه ذلك؟ ولماذا؟
وقد جعلنا استخدام هذا السلاح مؤخرا، نبدو وكأننا لم نغادر عصر القوة الذي كان سائدا قبل نشوء الدول ومؤسساتها وقوانينها، ففيه كان حفظ المصالح والنظام فى المجتمع يعتمد على القوة، وكان ينظر ويفسر للمصالح ولماهية النظام من منظور كل قوة اجتماعية أو اقتصادية، فلم يوجد قانون بالمعنى المفهوم الآن، حيث كان هذا العهد يرتكز على مجموعة تقاليد غريزية وعرفية أو مجرد إحساس وشعور بوجود حقوق وواجبات للناس، والمظهر الخارجي لهذا الإحساس وتلك التقاليد هو استعمال القوة، وهذا يكون مرتبط اساسا في ظل غياب الدولة – بالمفهوم العام – وما جرى يوم الخميس الماضي في محافظة ظفار يدفع بنا الى استحضار هذا العهد دون تردد ليس من منظور الاثارة وإنما لأن مصلحة الوطن والكل تحتم الانطلاق من هذه القضية نحو حل البؤر المزمنة التي تخلق العنف، لأننا لو تمعنا في منظور القوة التي أصبحت تمتلكها كل جماعية محلية، فسوف نجدها نسبية، أي انها لن تخلق الاستفراد والتفوق، فكل جماعة لديها من مقومات القوة النسبية التي تحول دون الخروج بأية نتائج ايجابية لجماعة دون أخرى، وهذا يعني أن الكل سيدخل في دوامة العنف اللانهاية لها لو اختاروا العنف كنهج ومسار لحل الخلافات، وهذا يعني كذلك، الكل سيكون خاسرا، وقضية يوم الخميس الماضي تطرح مجموعة تساؤلات كبيرة ، ابرزها: كيف تم اختيار اطلاق النار لحسم الخلاف بدلا من اللجوء الى القضاء أو السلطة المحلية رغم وجود القوة الحكومية في الميدان ؟ ليس مهما هنا من البادي ومن صاحب الحق، وهذا في المقابل يطرح تساؤل مهم جدا، وهو ، هل هناك عدم رضا أو عدم ثقة في المؤسسات المحلية واللامركزية الحكومية حتى يلجأ الى قوة النار؟ وأين قوة السلطة والمؤسسات اللامركزية؟ دون شك، فقد كشفت تلك الواقعة حجم المسافة الكبيرة بين المجتمع والسلطات المحلية، وهى مسافة تزداد ابتعادا وعدم ثقة بصورة دراماتيكية، وهى ليست حديثة العهد وإنما قديمة جدا، وما يحدث الان، وما سوف يحدث غدا، هي نتيجة تراكمات السياسات الخاطئة للسلطات المتعاقبة على الإدارة المحلية، لكن، وهذا هو التساؤل الذي يجب أن يطرح وبقوة بعد تفجر تلك الواقعة الخطيرة جدا، هل ينبغي أن يدفع الحاضر ثمن اخطاء الماضي؟ وهل ينبغي أن يظل المستقبل أسيرا للحاضر؟ الاستمرار سيؤدي الى شلل السلطة المحلية من جهة والى غل يد المؤسسات في اية صراعات مجتمعية مقبلة، لأن الاحتكام سيكون للأعراف القبلية بعد كل صراع جديد، وليس لمنظومة التشريعات والقوانين، وهذا يمس جوهر دولة المؤسسات والقانون، وهذا المساس سوف يرتكز في جزء من وطننا فقط على عكس وبقية الاجزاء، فكيف نقبل مشهد تطبيق القانون في عموم البلاد، والاعراف القبلية في ظفار، هذا لن يكون في صالح المجتمع ولا السلطة السياسية، كما أنه يؤطر لوضعية سياسية(…) بالتأكيد ليست مقصودة لذاتها، لكن، تلك الاستمرارية سوف تستهدفها بالممارسة – شئنا أم ابينا – في ظل حديث مجتمعي متزايد يقارن بين دور النظام القبلي القديم في حفظ الامن والاستقرار والمصالح وبين النظام القانوني والمؤسساتي الحديث، وهذه المقارنة لا تسقط الاجماع ولا الرهان على دور المؤسسات والقانون، لكنها تطرح اشكالية كبرى، وهى عدم فعالية السلطات والمؤسسات اللامركزية والمحلية من جهة وعدم تطبيق القانون من جهة ثانية، وهذه الاشكالية هى التي تستدعي الان النظام القبلي من الماضي، وسوف تستدعيه أكثر عند كل واقعة اطلاق نار فردية وجماعية، وعند كل حالة تنازل قضائي وقانوني ومؤسساتي لصالح الاعراف .. وسوف يترسخ الاستدعاء في حاضرنا ومستقبلنا إذا ما نجم عن أي صراع راهن او مستقبلي سقوط ضحايا بشرية – لا قدر الله ، فإين سيكون عندئذ موقع دولة المؤسسات والقانون ؟
صورة مشوشة جدا، ومقلقة جدا، قد ارتسمت في أذهاننا بعد أحداث الخميس الماضي، ولا يمكن للدولة السكوت عنها، وحلها لا ينحصر في معالجة التداعيات التي تظهر في كل مرة للسطح عن طريق القانون فقط ، وإنما معالجة الأسباب المؤلدة لها ، ودون القضاء على هذه الأسباب سوف تظهر مثل هذه التداعيات (الأحداث) وبقوة غد أو بعد غد ، وهذا استدلال على القرب الزمني وعلى وجود حالات احتقان في النفسيات .. بسبب الصراع على الاراضي، وسوف تمس جوهر دولة المؤسسات والقانون ، وهناك بؤر قد اصبحت معلومة بالضرورة للكل يجب وادها سريعا بعد تلك الاحداث، ومن العقلانية ان تكون تلك الاحداث انطلاقة لتصحيح ومعالجة اخطاء تاريخية كثيرة، فإن لم نفعل ، وفورا ، فإن كل التحليلات والرؤى التي هي حديث المجالس الخاصة والعامة يمكن تنفذ الى قناعاتنا، وسيظل الضحية دائما المواطن، ومثل هذا المواطن هو الذي يرقد الآن في المستشفى بعد إصابات تلك الأحداث ومن كلا الجانبين، انتصارنا لخيار دولة المؤسسات والقانون المجمع عليها من الكل ، يكمن في حل البؤر المؤلدة للاحداث السلبية، ولن يأتي هذا الحل إلا بعد تقوية السلطة المحلية والتشديد في تطبيق القانون.

إلى الأعلى