الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أحياء في قاع البحر الميت

أحياء في قاع البحر الميت

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. آن الأوان للعرب أن يتنبهوا الى المؤامرات القذرة التي تحاك من ورائهم, وأحيان كثيرة بسببهم, وذلك لتدراك الوضع المأساوي الذي تعاني منه العديد من دولنا العربية في الوقت الراهن, ذلك الوضع المؤهل للتفاقم في حال استمرار بعض الطفيليات بتحطيم ذلك البناء المتمثل بقوة الأمة الواحدة, ففي تفرقهم وتشتتهم نجاح للاستعمار…”
ــــــــــــ
مع مطلع العام 2015 لازال عالمنا العربي وللأسف الشديد يرزح تحت وطأة هموم كثيرة لن يستطيع تجاوزها أو التخلص منها بسهولة خلال السنوات القليلة القادمة أو المتبقية من العقد الثاني للقرن 21, فبداية بالتبعية السياسية والاقتصادية والثقافية, ومرورا بالفوضى السياسية وحالة عدم الاستقرار الناتجة عن ارتدادات ما يطلق عليه بثورات “الربيع العربي”, واستمرار الاحتلال الأجنبي المقيت لعدد من كياناتنا العربية, وليس انتهاء بالتخلف التنموي، وغياب الديمقراطية، وغيرها من العوائق التي ما زلنا نعاني منها الكثير، مما جعل دولنا العربية تلج منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة بطريقة مضطربة وحالة متردية بالرغم من وجود العديد من الإمكانيات القومية, بل أشبه بقيام الواحد منا برحلة طويلة وشاقة, دون وجود الأدوات والوسائل اللازمة لتسهيل تلك الرحلة, مما يعني استحالتها, وسرعة انتهائها, وفقدانها لأهم مقومات البقاء والحياة, وهو بالفعل ما قد حدث لنا كعرب ونحن نلج بدايات هذا القرن الفوضوي, حيث لم نتمكن من الاستفادة من أخطائنا وتجاربنا السابقة, وبالتالي حملنا معنا عقلية الرجل البدائي وهو يعبر أرقي شوارع العالم, مما اثر كثيرا- وللأسف – في بناء تقارب وحدوي عربي قادر على مواجهة التحديات المستقبلية , أسوة بالتجارب والتجمعات والتكتلات الدولية.
وبالرغم من أن دول أوروبا لا يجمعها دين واحد ولا لغة واحدة ولا ثقافة واحدة, إلا أنها استطاعت أن تتجاوز جل تلك الإشكاليات لتصل الى ما وصلت إليه اليوم , بالبحث عن رابط يمكن أن يجمع بينها, كما انه وبالرغم من وجود العديد من الخلافات السياسية, والتاريخية والأيديولوجية بين بعض تلك الدول, كما هو الحال بين فرنسا وألمانيا على سبيل المثال.
وهو على عكس ما نحن عليه كدول عربية, حيث يجمعنا دينا واحدا, ولغة واحدة, وفي كثير من الأحيان ثقافة واحدة, وتاريخا مشتركا, ولكن وبالرغم من ذلك فإن معوقات الوحدة العربية لا زالت في تفاقم, وهوة الخلافات الداخلية والخارجية في اتساع, فالدين الإسلامي قد شكل الرافعة التي حملت لواء الأمة وتكفل بلملمة شملها في حال فشلت كل الايدولوجيات الأخرى في ذلك, ثم جاءت اللغة العربية التي يكفيها فخر أن تكون معين الإسلام الذي لا ينضب, واللغة التي اختارها هذا الدين لكي تكون الحافظة له والحافظ لها.
ولكن، وللأسف، فقد ضيعنا الاثنين معا, فها هو الإسلام وفي جميع أصقاع الأرض يرمى بالشبهات والأباطيل والتهم الجزاف, وذلك بسبب افتقاد أبنائه لقدرة المحافظة على تعاليمه ومعالمه, وبالطبع فقد كان للغرب دور كبير في ذلك, حيث هو على دراية ويقين بأن سقوط العرب يبدأ بانهيارهم الديني والأخلاقي, وهو ما أشار إليه بكل صراحة العديد من كتابهم ومفكريهم, فها هو المستشرق ” موروبيرجر” يقول:” بأن الخوف من العرب , واهتمامنا بالأمة العربية, ليس ناتجا عن وجود البترول بغزارة عندهم, بل بسبب الإسلام”.
كما قد تخلينا كذلك عن لغتنا العربية التي نستمد منها القوة والمكانة الدينية والقومية, ففقدنا بذلك هويتنا العربية والوطنية, فالتشبث ( باللغة هو كالتشبث بثدي الأم … فهذا الثدي هو وحده الذي يستطيع أن يمنح كل واحد منا اللبن الوطني, والغذاء القومي), وعليه فإن كل الخوف هو أن يصل بنا الأمر في يوم من الأيام الى أن يتناسى هذا العالم العربي لغته الأم, وذلك بسبب الهزيمة النفسية التي حطت من شأن الذات العربية, وسربت لدى الناس في بلادنا وهْما مُفَاده أننا لكي نتقدم , يلزمنا أن نتخلى عما عندنا ونلتحق بركب بالآخرين.
( الأمر الذي يرتب تلقائيا إقبالا على ” الانخلاع ” من مقومات الخصوصية والانتماء، إذ إن الهزيمة حاصلة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والثقافية، لكن أخطر ما أسفر عنه ذلك الوضع, هو تلك الهزيمة النفسية التي أصابت الذات وضربت في الصميم جذور الانتماء, ولأن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب، كما ذكر ابن خلدون، فإن أمورا كثيرة تغيرت أو انقلبت في حياة العرب والمسلمين من جراء ذلك الوضع، وكانت لغتهم من بين ما لحقه التغيير والانقلاب).
وفي هذا السياق يقول الكاتب العربي الدكتور شاكر النابلسي في كتابه (جدلية الأدب والسياسة في الثقافة العربية المعاصرة), حول مكانة اللغة عند بعض الشعوب التي عانت الكثير من جراء محاولات الاستعمار تغييب وإفلاس تلك اللغة من قيمتها, وإفقاد أبنائها قوميتهم ووطنيتهم من خلال تشويهها , ضارب بالشعب الياباني مثالا حي على ذلك, حيث يقول:إنني انحني دائما إجلالا للشعب الياباني, أن هذا الشعب مثال حي للشعب الذي لا يفصل عزة لغته عن عزة وطنه, وعن عزة هويته الوطنية, فالياباني يعتبر المناقشة التجارية باللغة اليابانية جزءا من الصفقة التجارية اليابانية نفسها, وجزءا من شخصية السلعة اليابانية نفسها, وهكذا، فإن الياباني عندما يصر على الحديث والكتابة باليابانية, فإنه يصر على تأكيد الهوية القومية فقط, في حين أن العربي عندما يصر على الحديث والكتابة بالعربية, فإنه يصر بذلك على تأكيد الهوية القومية والدينية معا.
وما زاد الطين بله هو تطور ظاهرة الخلافات السياسية العربية لتتجاوز إطارها الخارجي, وذلك بتفاقم الأزمات الداخلية بين أبناء القطر العربي الواحد, مما ساهم في تعميق الجراح العربية العربية, وبالتالي اتساع الهوة السابقة في طريق الوحدة وبناء الكيان العربي الواحد, وبالطبع فقد تناولت العديد من الدراسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها الأسباب التي أدت الى ذلك, حيث خلصت في مجملها الى أن من أهم المعوقات التي تقف حائلا دون بناء ذلك الكيان الواحد, عائد الى ضعف الإرادة السياسية العربية والافتقار الى النضج السياسي المؤهل لردم هوة تلك الخلافات الداخلية, كالطائفية والعرقية, والأنا بأشكالها وأنواعها, والافتقار الى القدرة على التميز بين مواضع المصلحة السياسية والواجب الأخلاقي تجاه الأمة والوطن, والذي كان وراءه الاستعمار القذر بتقسيمه للوطن الواحد الى أجزاء وقطع، تعمل بالاتجاهات المعاكسة ضد بعضها البعض.
كما يكمن في الجانب الآخر وبالإضافة الى تلك القطرية العربية, كأحد أعداء الوحدة وقيام دولة الأمة، (الاستعمار القديم منه والحديث، وما أنتجه من قوى معادية مثل الصهيونية والشعوبية، فالاستعمار عدو لدود لقيام الوحدة العربية, لان قيام العرب ببناء دولتهم يعني حرمان الاستعمار من الاستحواذ على مقدرات الوطن العربي، وسياسة الهيمنة والسيطرة سياسيا واقتصاديا وعسكريا وإعلاميا ), وهو ما نجده اليوم واقع من خلال وجود المستعمرة الإسرائيلية الكبرى كسرطان يجثم على صدر الأمة , محيلا كل آمالها في الوحدة والتقارب الى سراب , بل المصيبة الكبرى أن نجد من أبناء جلدتنا وعروبتنا من يساهم في تردي حال الأمة العربية بمحاولات شق الصف والكيان العربي الهش في الأساس, وهم بذلك يزيدون من قوة العدو الصهيو أميركي في عالمنا العربي.
وعليه فقد آن الأوان للعرب أن يتنبهوا الى المؤامرات القذرة التي تحاك من ورائهم, وأحيان كثيرة بسببهم, وذلك لتدراك الوضع المأساوي الذي تعاني منه العديد من دولنا العربية في الوقت الراهن, ذلك الوضع المؤهل للتفاقم في حال استمرار بعض الطفيليات بتحطيم ذلك البناء المتمثل بقوة الأمة الواحدة, ففي تفرقهم وتشتتهم نجاح للاستعمار الذي لا يتمنى أن يجتمع الإخوة على رأي واحد, او مصير واحد, وهو ما يشير إليه المستشرق الغربي ” لورانس براون” بقوله: ( إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة العالم … أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون بلا وزن وتأثير).
وبالتالي فإن العودة للدين الإسلامي من جديد, والتمسك باللغة العربية كصمام أمان لرئة تبحث عن هواء نقي بين غبار الحضارة الغربية والمدنية والاستعمار, مترفعين بالواجب الأخلاقي للأمة ككل, فوق المصالح الشخصية والقطرية, والجلوس على طاولة واحدة لوضع استراتيجية عربية قومية نستقوي بها على مصاعب وعوائق المستقبل, وذلك بالبحث عن أسباب الوحدة والبدء بها وان كانت صغيرة, والابتعاد عن نبش أسباب الخلاف والتفرقة والعصبيات والنعرات الطائفية والاستقواء بأعداء الأمة بجميع أشكالهم وأنواعهم في الداخل من المرتزقة والخونة لأوطانهم, والخارج من المستعمرين ودعاة الفتن, هو الحل الوحيد والممكن لتفادي الانجراف نحو هاوية التردي والانحطاط والتخلف.
مع إبقاء الأمل بأن هناك آثارا لحياة ما وان لم تكن ملامحها واضحة على السطح نحو بناء الأمة وتوحدها , فبالتأكيد هناك آثار لها في القاع , كما هو حال الحياة في البحر الميت والذي أكدت كل الأبحاث العلمية وجود أشكال كثيرة من الحياة في قاعة بعد سنوات من التأكيد على عكس ذلك .

إلى الأعلى