الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / المحليات / كلمات .. انتهاج العدل

كلمات .. انتهاج العدل

من المسلّمات لدينا أن العدل أساس النجاة في الدنيا والآخرة، ولا ينكر ذلك إلا مكابر أو عليل الفهم، ولقد كان لهذا الأمر إشراق في حياتنا فيما مضى وأما اليوم نرى أنفسنا قد تراجعنا كثيرا في انتهاجه، وهذا لا يخفى على أحد من أهل البصيرة، فلنرجع على الماضي إلى ما قبل عقدين أو ثلاثة من الزمن ولنعقد مقارنة لمدى انتهاجنا للعدل في أقوالنا وأفعالنا وأحكامنا، سنرى أن مؤشر ذلك في تراجع. فكأن الذي تربينا عليه من ضرورة العدل ونبذ الظلم ونصرة المظلوم وارتضعناه في صبانا وأصبح من المسلّمات عندنا قد تبخر ولم يعد له وجود. هل التطور الذي نعيشه يستدعي الزهد في العدل وعدم الاكتراث به؟ أم أن المفاهيم أصبحت في هذا الزمن مقلوبة؟
إن الحياة الآمنة والعيشة الهنيئة التي هي مطلب كل إنسان لا يمكن بحال من الأحوال أن تتحقق بدون العدل.
فهو مطلب أساسي لابد أن يحققه الجميع حكاما ومحكومين، فالحكام مطالبون بتحقيقه بين أفرادهم، ولله الحمد هذا ما نص عليه نظامنا الأساسي في أكثر من موضع منها المادة العاشرة فقرة أولى نصت على أن: (العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين العمانيين دعامات للمجتمع تكـفلها الدولة) وعلى الأفراد أيضا تحقيقه في بيوتهم وفي أعمالهم، وفي كل مناحي حياتهم ولا يقول قائل: إن تحقيق العدل هو من اختصاص الدولة فقط. فمثل هذا القول لا ينبغي التعلل به للهروب من المسئولية، فما الدولة إلا أفراد وكل فرد مسئول عن رعيته ومطالب أن يكون عادلا مع نفسه أولا، ومع أهل بيته ثانيا ، ثم مع جيرانه وزملائه، ومسئوليه، وكل من يتعامل معهم.
ولا نعني بتحقيق العدل التغني به أو النص عليه في الدساتير والقوانين فحسب بل تطبيقه في أرض الواقع فالتطبيق هو الثمرة المرجوة من النصوص التي تزخر بها الدساتير والقوانين.
لقد أدركت كثير من الحكومات أن من هم المبادئ التي يجب عليها تحقيقها، والدعائم التي لا بد منها لكي يستقر البلد ويزدهر وينمو، وتبنى صروح الحضارة، وترفع منائر التقدم فيه هو تحقيق العدل المطلق بين أفراد المجتمع، فجندت نفسها ووجهت جميع مؤسساتها نحو ترسيخه في كل ميادين الحياة، فما هي إلا سنوات حتى غدت في مكانة مرموقة بين الأمم يشار لها بالبنان.
فسنن الله لا تحابي أحدا فكل من انتهج العدل كتب له النصر والتمكين والتقدم والرقي، وفي هذا الصدد سطر علماؤنا الأجلاء هذه الكلمة العظيمة فتأملوها جيدا ونصها: إن الله لينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الجائرة.
فعلى كل محب لهذا البلد المعطاء ويريد له الخير والاستقرار والرخاء والريادة أن يسعى جادا إلى انتهاج هذا المبدأ بحسب موقعه الذي يشغله، امتثالا لما أمرنا به ربنا، وخطه لنا قائد مسيرتنا سلطان البلاد المفدى.
وليتذكر الجميع أن بالعدل تكون المحبة والوئام والتعاون بين أفراد المجتمع، ويكون الجميع حكاما ومحكومين يدا واحدة ضد الظلم والجور والاستبداد، ويحترم الكل القانون ولا يجرؤ أحد على مخالفته، وتبقى هيبة الدولة في نفوس الأفراد شامخة قوية، يِكِنُ لها الجميع الاحترام والتقدير.
علاوة على كل ما تقدم يجب أن نوقن أننا بانتهاجنا للعدل نحظى برضوان الرب جل في علاه، ونستمطر رحماته التي نحن في أمس الحاجة إليها.

د. سالم بن على الذهب
محام ومستشار قانوني ومراقب شراعي
dr.salimoffice@gmail.com

إلى الأعلى