الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس: قراءة في قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار

القانون والناس: قراءة في قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار

مسمى القانون والتعاريف الواردة به (2)

استهل القانون العماني نصوصه بالمادة الأولى التي تبين المقصود بالمصطلحات الواردة فيه بحيث يكون لكل مصطلح المعنى القرين له ما لم يفهم من سياق النص أن هناك معنى آخر للمصطلح يقتضيه الفهم العام للنص. ولن نقصد هنا التعليق على كل مصطلح ورد في هذه المادة، وإنما سوف نعلق على المصطلحات التي يتكون منها العنوان وهما المنافسة والاحتكار، لنوضح إلى أي مدى قد أثر هذان المصطلحان في تحديد مسمى القانون:
أولاً: مصطلح المنافسة:
لم يتعرض القانون لهذا المصطلح على الرغم من أنه قد استخدمه المشرع في عنوان القانون “حماية المنافسة ومنع الاحتكار”، وذلك على خلاف مفهوم الاحتكار على ما سوف نرى. والواقع أن موقف القوانين الوطنية إزاء تعريف المنافسة قد تنوعت على النحو التالي:
أ- قوانين لم تستخدم لفظ منافسة في عناوينها، ومن ثم أغفلت تعريف المنافسة أو تنظيم المنافسة، وهذا هو حال القانون الاسترالي الذي يطلق عليه ” قانون الممارسات التجارية”، والقانون الياباني الذي يطلق عليه ” قانون حظر عمليات الاحتكار الخاص والحفاظ على التجارة الحرة”.
ب- قوانين استخدمت مصطلح المنافسة في عنوانها، ولكنها لم تتعرض لتحديد المقصود بها، هذا هو حال قانوننا الوطني، والقانون المصري والجزائري، وقواعد المنافسة في المعاهدة المنشئة للاتحاد الأوروبي، وقانون المنافسة الألماني.
ج- قوانين استخدمت مصطلح المنافسة في عنوانها وأضحت المقصود بها، كما هو حال قانون تنظيم المنافسة الإماراتي رقم (4) لسنة 2012 الذي عرف المنافسة بأنها مزاولة الأنشطة الاقتصادية وفقًا لآليات السوق دون تأثير أو تقييد لتلك الآليات…”. لذا يمكن القول بأن موقف القانون العماني في عدم تعريفه لمفهوم المنافسة غير منتقد؛ لأنه – مثل غيره من القوانين اهتم بتنظيم الأساليب والوسائل التي تحد أو تمنع من المنافسة كالاتفاقات المحظورة بين المشروعات أو استخدام الوضع المهمين أكثر من اهتمامه بوضع تعريف للمنافسة. أضف إلى ذلك أن حسن الصياغة التشريعية توجب عدم وضع تعريف لعنوان القانون وما يحتويه من مصطلحات في مادة التعاريف، وإنما تستوجب شرح وتعريف المصطلحات التي تحقق مقاصد القانون، والتي قد يثار عليها خلاف عند تطبيق نصوصه. وهذا ما فعله المشرع العماني عندما أوضح المقصود بالاحتكار، والسوق، والهيمنة، والمجلس، والرئيس.
ثانياً: مصطلح الاحتكار:
اختار بعض المشرعين أن يضيف مصطلح الاحتكار أو مشتقاته إلى عنوان القانون بحيث يكون قانون مسماه “حماية المنافسة أو تنظيم المنافسة ومنع الاحتكار”، أو “ومنع الممارسات الاحتكارية”. وهذا هو حال القانون المصري رقم (3) لسنة 2005 المعنون ” قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية”، وقد كان ذلك هو حال مشروع القانون الإماراتي غير أنه صدر في شكله الأخير بعد مناقشته في المجلس الوطني بمسمى ” قانون تنظيم المنافسة”. وهذا هو كذلك حال قانوننا الوطني الذي يحمل عنوان ” قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار”. وعلى خلاف ذلك، فقد فضل بعض المشرعين أن يحمل عنوان القانون مصطلح الاحتكار دون ذكر للمنافسة، فيطلق عليه “قانون منع الاحتكار”، كما هو الحال في مجموعة القوانين الأميركية”
وهنا يثور التساؤل الآتي: هل هناك دلالة معينة لذكر أو عدم ذكر الاحتكار إلى جانب المنافسة في العنوان؟ الواقع نعم؛ أن كل القوانين التي تنظم أو تحمي المنافسة تركز على عاملين مهمين باعتبارهما مصدر الخطورة والتهديد للمنافسة وهما الاتفاقات والممارسات الاحتكارية التي قد تقع من أصحاب الوضع المهمين. ولهذا، نجد أن كل القوانين متشابهة إلى حد كبير في هذا الصدد، فهي تحظر كقاعدة عامة الاتفاقات التي تتم بين التجار، وبين المشرعات التجاريةوالتي يكون من بينها الحد من المنافسة أو التقيد منها، ثم تنص على استثناءات من هذه الاتفاقات وتعتبرها صحيحة. والأمر هو ذاته فيما يتعلق بالاحتكار والذي تطلق عليه القوانين إساءة استعمال الوضع المهمين أو المسيطر، وهو وضع يكون فيه الشخص أو المشروع يسمح له بالتحكم في كمية من السلع أو سلعة أو سوق معينة بحيث يضع عراقيل لممارسة التجارة بحرية داخل هذه السوق. ولهذا، نجد أن القوانين التي تستخدم الاحتكار في عناوينها تستخدم مصطلح ” منع أو حظر الممارسات الاحتكارية” على اعتبار أنها الجناح الثاني للاعتداء على تنظيم المنافسة إلى جانب الاتفاقات التي تعتبر الجناح الأول. ويترتب على ذلك- من وجهة نظرنا – أنه كان من الممكن الاكتفاء بعنوان ” قانون حماية المنافسة” أو ” قانون تنظيم المنافسة” على اعتبار أن منع الممارسات الاحتكارية يندرج ضمن تنظيم أو حماية المنافسة، وحتى لا يفهم أن (الواو) التي تربط بين تنظيم المنافسة ومنع الاحتكار تعني أن المعطوف وهو الاحتكار يختلف عن المعطوف عليه وهو المنافسة، بل أن المعطوف عليه يتضمن داخله المعطوف، ولذا لا أهمية لوجود مصطلح الاحتكار إلى جانب تنظيم المنافسة. وعلى هذا لا يروق لنا ذكر مصطلح الاحتكار في عنوان القانون؛ لأنه يعطي انطباعًا أن المنع يرد على الاحتكار في حد ذاته، وإنما هو في الحقيقة يرد على الممارسات الاحتكارية الضارة بالمنافسة. تفسير ذلك أن المادة الأولى من القانون تعرف الاحتكار بأنه : التحكم من قبل شخص أو مجموعة أشخاص بشكل مباشر أو غير مباشر في كمية وأسعار أو خدمة بما يؤدي إلى تقييد حرية المنافسة أو الإضرار بها. وهذا التعريف كان صائبًا إلى كلمة “خدمة” التي وردت به، أما ما تلي ذلك من عبارات فهي تصف الممارسات الاحتكارية التي تتم من صاحب وضع الاحتكار، ولا توصف الاحتكار ذاته. وبمعنى أوضح، قد يكون الشخص في وضع احتكار بسبب تفوق خطوط إنتاجه، أو رؤؤس أمواله الضخمة، غير أنه لا يمارس أي تصرف أو إجراء من التصرفات والإجراءات الموصوفة بأنها تشكل ممارسة احتكارية، ولذا لا يكون مسؤولاً وفق أحكام هذا القانون. ولهذا، لا يمنع القانون الاحتكار، وإنما يمنع الممارسات الاحتكارية، ودليلنا على ذلك نص المادة (10) من القانون التي تنص في صدرها على أن” ” يحظر على الشخص الذي يتمتع بوضع مهمين القيام بأي ممارسة من شأنها الإخلال بالمنافسة أو الحد منها أو منعها، ومن ذلك:”؛ فالقانون يمنع ويحظر الممارسات لا الوضع المهمين أو الاحتكار.
ولهذا، كنا نفضل أن يكون عنوان القانون ” قانون تنظيم المنافسة” أو “قانون حماية المنافسة”، وإذا كان لا بد من ذكر احتكار في العنوان، فيكون العنوان ” قانون تنظيم لمنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية”، أو حظر الممارسات الاحتكارية”.
قراءتنا القادمة- ان شاء الله- ضمن أحكام هذا القانون…

محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة والقوانين التجارية والبحرية
salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى