الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في “القوَّة الناعمة” للدول

في “القوَّة الناعمة” للدول

جواد البشيتي

” في عالَمِنا، الذي اخْتَفَت منه، أو كادت أنْ تختفي، فواصِل الزمان والمكان بين شعوبه وأممه، والذي بات، في ترابطه وتفاعله، أقرب ما يكون إلى “قرية واحدة كبرى”، تَجْتَهِد دول كثيرة في اكتساب النفوذ (الإقليمي والدولي) بأوجهه المختلفة من طريق “القوَّة الناعمة”، أيْ من طريق تقديم نفسها إلى العالَم وشعوبه على أنَّها المِثال الحَسَن الذي يمكن أنْ يُحْتَذى لِمَا ينطوي عليه من قِيَم ومبادئ أخلاقية وإنسانية وديمقراطية وحضارية،”
ــــــــــــــــــــــــــ

“القوَّة الناعمة” Soft Power هي مصطلح جديد في عالَم السياسة، ابتكره جوزيف ناي، مساعد وزير الدفاع الأميركي في عهد الرئيس بيل كلينتون؛ وضديده هو “القوَّة الخشنة (القوَّة العسكرية)” Hard Power.
أنْ تَحْكُم وتتحكَّم بالتي هي أحسن، ومن غير أنْ تَجِدَ نفسكَ مضطَّراً إلى استعمال وممارَسَة “فن الإكراه (أو العنف والقوَّة الخشنة)”؛ فهذا هو جوهر، أو مبدأ، “القوَّة الناعمة”، وفي العلاقة بين الدول على وجه الخصوص؛ لكنَّ “القوَّة الناعمة”، ومهما علا شأنها، وذاع صيتها، وكَثُر أنصارها، لا تنهي أبداً الحاجة إلى “القوَّة الخشنة (والحروب على وجه الخصوص)”؛ فكلتاهما في وِحْدَةٍ لا انفصام فيها مع الأخرى، ويمكن (لا بَلْ يجب) أنْ تتحوَّل إلى الأخرى.
كلاوزفيتس نفسه لم يَغِبْ عن ذهنه، أو كتاباته، معنى هذا المفهوم، أو المصطلح، أيْ “القوَّة الناعمة”؛ فهو الذي أَسَّس للصلة الجدلية والضرورية، في عِلْم السياسة، وفي عالَمها الواقعي، بين “فن الإقناع (الدبلوماسية)” و”فن الإكراه (العنف)”، مُوضِحاً أنَّ “الحرب” و”السياسة” تتماثلان في “الأهداف النهائية”؛ لكنَّهما تختلفان في “وسيلة بلوغها”؛ فالحرب امتداد للسياسة؛ لكن بوسيلة أخرى هي العنف؛ والمرء (الدولة) يسعى أوَّلاً في إقناع خصمه بالاستخذاء والامتثال لإرادته، التي هي إرادة مصالحه؛ وهذه مهمة يتوفَّر على تأديتها الدبلوماسيون؛ فإذا أخفق وفشل في سعيه هذا لجأ إلى الإكراه، أيْ العنف والحرب؛ وهذه مهمة يتوفَّر على تأديتها العسكريون؛ أمَّا مكيافلِّي فَلَمْ يكترث كثيرا لِرَفْع منسوب الحُبِّ الشعبي للحاكِم في الحياة السياسية للدول، مُفَضِّلاً الحاكِم الذي يخشاه شعبه على الحاكِم الذي يحبه شعبه، وإنْ تحدَّث عن أهمية وضرورة أنْ يُحْسِن الحاكم تمثيل دَوْر “أنا مِنْكُم ولكم، في معتقداتكم وعاداتكم وتقاليدكم ولباسكم وثقافتكم..”.
وفي العصر الذي نعيش، عصر العولمة، التي رَفَعَت فيها الرأسمالية الغربية (كثيرا) منسوب الوحشية والفساد، نرى ظاهرتين متناقضتين: ظاهرة “القوَّة الناعمة”، والتي في أساسها تكمن “قوَّة المثال”، وظاهرة “الحروب من أجل بَيْع السلاح”؛ فَمِن قَبْل، وفي عصر كلاوزفيتس أيضاً، كانت الدول تتسلَّح (تَصْنَع، وتشتري، وتَحوز، السلاح” من أجل (أيْ لغاية) خَوْض الحروب، أكانت دفاعية أم هجومية؛ أمَّا الآن فالحروب “تُصَنَّع”، وتَشْعَل فتائلها، من أجل بَيْع وتصريف واستهلاك مُنْتَجات الصناعة العسكرية، في مراكزها العالمية، والفوائض من هذه المُنْتَجات.
في عالَمِنا، الذي اخْتَفَت منه، أو كادت أنْ تختفي، فواصِل الزمان والمكان بين شعوبه وأممه، والذي بات، في ترابطه وتفاعله، أقرب ما يكون إلى “قرية واحدة كبرى”، تَجْتَهِد دول كثيرة في اكتساب النفوذ (الإقليمي والدولي) بأوجهه المختلفة من طريق “القوَّة الناعمة”، أيْ من طريق تقديم نفسها إلى العالَم وشعوبه على أنَّها المِثال الحَسَن الذي يمكن أنْ يُحْتَذى لِمَا ينطوي عليه من قِيَم ومبادئ أخلاقية وإنسانية وديمقراطية وحضارية، أو لِمَا يُمثِّلُه من طرائق وأساليب جديدة جيدة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي. وفي سعيها هذا، تحتاج هذه الدول، في المقام الأوَّل، إلى “آلة إعلامية جديدة قوية”، تسندها “حقائق موضوعية”، وتَرْفَع، مِنْ ثمَّ، منسوب الصدقية في خطابها الإعلامي، الذي يخالطه، بالضرورة، كثير من روح الدعاية؛ ومع ذلك، ينبغي لنا ألاَّ نَضْرِب صفحاً عن حقيقة أنَّ “الدول الناعمة”، ومهما كانت درجة نعومتها، تَتَّخِذ من “المبادئ” مداراً لأقوالها، ومن “المصالح” مداراً لأفعالها.
إنَّها “قوَّة ناعمة”؛ لأنَّ مُسْتَعْمِلها (من الدول) يَحْمِلك على الاستسلام (له) من غير أنْ يضطَّر إلى استعمال “القوَّة الخشنة” ضدك؛ ولأنَّه يضغط بحنان، ويأسركَ من الدَّاخل باستحواذه على قَلْبِكَ وعقلكَ؛ ولأنَّه يدفعكَ، في طريقة خفية ذكية، إلى التَّصَرُّف والعمل بما يخدم مصالحه وأهدافه، جاعِلاً مصالحه وأهدافه مَطالِبَ لكَ؛ ولأنَّه يؤسِّس لكَ نمط عيش يبقى ببقائه سُلْطَةً خفيةً عليكَ، ويذهب بذهابه؛ ولأنَّه يُقْنِعكَ بحقائق الواقع، وليس بالقول فحسب، بأنَّ مصيركَ من مصيره، تَكْسَب إذا كسب، وتَخْسَر إذا خسر؛ فـ “القوَّة الناعمة” تحتاج إلى ذكاء يفوق كثيراً، وكثيراً جداً، الذكاء الذي تحتاج إليه “القوَّة الخشنة”؛ ولعلَّ هذا ما يجعل نتائج “القوَّة الناعمة” أَرْسَخ وأبقى من نتائج “القوَّة الخشنة”.

إلى الأعلى