الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لو نطقت فلسطين … لـ”قالت”

لو نطقت فلسطين … لـ”قالت”

د. فايز رشيد

” ومع انطلاق حركة المقاومة لأبنائي وبدء التساؤلات الدولية حول الهوية التحررية لهم, وبفعل مقاومتهم وتضحياتهم, بدأ العالم في فهم الأبعاد الحقيقية لولادة قضية الفلسطينيين من أبنائي. توالت الأحداث , وجاءت اتفاقيات أوسلو ووادي عربة بعد كمب ديفيد .. ثم إقامة السلطة … واختيار المفاوضات نهجا وحيدا لتحريري !!. ”
ـــــــــــــــــــــــ
أبنائي وبناتي: أتعرفون .. ما انكسرت يوما أمام غاز, أيا كانت جنسيته ,ظللت عصيّة على أقدام المحتلين. كنت .. وأنا وسأظل جحيما لهم ونيران مفتوحة عليهم .. لن أكون حنونة إلا عليكم . تاريخ وفائي يشهد عليه, حنوّي على رفات أبنائي الشهداء في حبّات ترابي .. هؤلاء المزروعون فيّ منذ كنت ..عبر الأزل, وأقسمت على الإخلاص لهم ولكم بأفقي الرّحب, وبشاطئي الممتد على بحر يافا , ومنارته, وبجبال كرملي وسهولي. صككت عهدي لكم, على الصخور, وجذوع زيتونات خالدات ذاب التاريخ وما فنين … لم يكنّ ليعمّرن إلا في ترابي .. قطعت عهدي في تراتيل الصلوات منذ ما قبل المسيح, مرورا بابن الخطّاب, وبأحمد باشا على أسوار عكا .. وصولا إلى اللحظة, وسأظل مثلما انا وعلى عهدكم بي.
زقزة العصافير وهديل الحمام وعبق القهوة الصباحية … تشهد على انغماسكم في شراييني .. تماما مثلما .. جذور السنديانات المنغرسة في روحي قبل ترابي!. أتدركون طعم الوفاءالمنثور في الريح .. ورذاذه المعانق, كل فجر, لبراعم وأعناق أشجار البرتقال, في الصباحات الربيعية الدافئة؟ وذيّاك التماهي بين الوطن والأم والعشق والحبيبة … وأولا بين الوطن وأبنائه ؟ هكذا وفائي لكم وبلا تمنن. نعم, هكذا أندغم بكم وبتفاصيلكم اليومية, لنكون معا تجسيدا لإرادة الحياة .. أمّ وأبناؤها.. يصارعون دوما من أجل الحرية .. والكرامة .. لأظل وإيّاكم مرفوعي الرؤوس والهامات .. لا ننحني لعواصف .. ولن يفرض محتل إرادته, لا عليّ .. ولا على أيّ واحد منكم .
ما للبعض منكم .. تهتز ركبه للمحتلين !؟ يساومون عليّ .. على ترابي مقابل حفنة من دولارات ومناصب فارغة إلا في أذهانهم .. يحتسون “أمجادها” المكللة بالعار والخطيئة , والفارغة من أية مضامين سوى الشكل منها !؟ما لهم ينسون تاريخي ويبيعونني في سوق النخاسة ؟! لا يدركون .. أن ترابي .. كما جسدي .. كما طموحاتي .. كما حلمي .. كما وفائي .. كما أنا ..لا يقبل القسمة على اثنين ! .
إنهم يعملون على تمزيق روحي قبل جسدي مثلما أراد قاض ( ولو عن طريق المحاولة لإثبات بنوة الطفل لإحدى متنازعتين على أمومته) تمزيق جسد طفل ! .. فكيف تمزّق الأم ؟ وكيف يجري اقتسام الوطن؟ بين غريب محتل طارىء مصيره التلاشي مثل كل محتل تعاقب على ترابي … وبين ابني… الفلسطيني العربي الكنعاني الأصيل.. وقد اقتسمت وإياه التاريخ والمعاناة والآلام والآمال الرائعة!؟ دلوني بالله عليكم .. كيف .. كيف .. كيف؟ . يريدون المساومة على أسواري في عكا وعلى شواطىء يافا وجبالي وسهولي وتاريخي .. وبوعود كاذبة .. وحقائب .. يريدون مسح تاريخي بجرة قلم وبقرارات سياسية وبمفاوضات عبثية ..وبدراهم من الفضة ! أيكون هذا ثمن الوفاء لي؟ أيكون هذا ثمن إخلاصي وحرصي ؟!.
مددت أجنحتي دوما لأظللكم من وهج الشمس.أطلقت فيأ أشرعتي تحتمون بها .. أوصيت عرائس البحر بإنشاد كل ترانيم حماية الإصابة بالعين, وتجاوز اللجّات البحرية .. وأنتم تركبون البحر والخطر: إبحارا وصيدا وأمواجا … كن يتعطرن بروائح الياسمين و..أريج فوّاح مقطّر من أزهارالفل والورود الجوريّة .. ممزوج بروائح البرتقال والأم …وبرائحتي .. نعم .. أنا وطنكم .. أنا فلسطين .. فلسطين المخلصين فقط ..لعهودنا وصكوكنا وعلاقتنا الروحية المغمّسة بالطيب والمسك ودماء الشهداء, وحنان الأمهات, وعشق الأرض .. وطعم الوطن المخبّأ في الحلم .. السارح في الفضاءات , والمجسّد فيّ .. فلسطين الحرّة .. الكارهة للمغتصبين .. سابقين ولاحقين وحاليين … الدافئة والحنونة لأبنائها وعليهم .
رفض أبنائي منذ البداية قرار تقسيمي … أولئك عرفوا وأدركوا حقيقة العدو ومشروعه في المنطقة, كمقدمة لإنشاء دولته الكبرى من النيل إلى الفرات.أولئك أدركوا حقيقة المشروع الصهيوني الذي رُسم أساسه ووُصفت مبادئه في مؤتمرات ومؤامرات كثيرة. تم اقتلاع ثلاثة أرباع مليون من أبنائي .. من أرضي, وتم تهجيرهم قسرا إلى الخارج.نعم تآمر المشروعان الصهيوني والإمبريالي على تذويب مصطلح”الشعب الفلسطيني” , وحاولو طمس هويتي وهويتهم , وتم تصوير قضية أبنائي ,,,بأنها مشكلة لجوء إنساني لبضعة آلاف من دولة عاشوا فيها”كأقلية” ….وهم الأصل .ادّعوا أن خروج أبنائي مني كان “اختياريا”لذا أصبحوا لاجئين , وهم بحاجة إلى مساعدات دولية إنسانية للانتصار على ظروفهم .تم تجاهل قضيتهم الوطنية تماماً،وحتى عام 1967اممحت بشكل نسبي هويتهم , سوى من أحزاب وطنية قومية ركزّت على الهوية التحررية الوطنيةلأبنائي.
نعم , لم يكن العدو بحاجة إلى سبب لاحتلال الجزء المتبقي من أرضي عام 1967, لكن هذا الاحتلال جاء أسرع مما كان متوقعاً, استغل الأعداء ,الأحداث التي جرت في ذلك العام للقيام باحتلالهم ،وبذلك قامت إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من مشروعها وهي الخطوة الاحتلالية لي من النهر إلى البحر،وبذلك يستطيع العدو,استقدام الملايين من اليهود من مختلف أنحاء العالم ,ولذلك سارع إلى ضم مدينة القدس ومحاولة تهويدها بشكل تدريجي ,وأصيب بسعار الاستيطان والذي ما زال ماضيا بحلقاته حتى اللحظة.
ومع انطلاق حركة المقاومة لأبنائي وبدء التساؤلات الدولية حول الهوية التحررية لهم, وبفعل مقاومتهم وتضحياتهم, بدأ العالم في فهم الأبعاد الحقيقية لولادة قضية الفلسطينيين من أبنائي. توالت الأحداث , وجاءت اتفاقيات أوسلو ووادي عربة بعد كمب ديفيد .. ثم إقامة السلطة … واختيار المفاوضات نهجا وحيدا لتحريري !!.
أنا فلسطين.. بالمعنيين الواسع الكبير , والعام والخاص : فلسطينية عربية خالصة .. كنت وسأظل وسأكون كما أنا . كل من يساوم على تمزيقي .. لا يمت لي بصلة ! عزائي أن معظم أبنائي, متمسكون بي .. ما زالوا يركبون الاخطار والأهوال من أجل تحريري .. لنكون مثلما كنّا… ومثلما يتوجب أن نكون … يدركون أنني سأعود اليهم كاملة من نهري إلى بحري … نعم .. المجد للمقاومة … وسأظل أهتف : المجد للمقاومة .. فعدوي وعدوكم …. عدونا المشترك لا يدرك إلا لغة القوة … وستظلون قادرين على تحقيق ما يبدو أنه معجزة تحريري الذي سيتم ولو بعد حين طال الزمن أم قصر… سنعود إلى الالتحام معا من جديد … وسيرحل العابرون .

إلى الأعلى