السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العرب وغياب لغة المصالح

العرب وغياب لغة المصالح

علي بدوان

السياسة الأميركية و”الإسرائيلية المتحفظة” إزاء الدور السياسي لدول الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، تُعتبر من الثوابت المحمولة على معادلة مُعقدة، كرستها مسيرة العقدين الماضيين من الزمن. فالولايات المتحدة ومعها “إسرائيل” لا تريد رعاية دولية متوازنة لعملية التسوية في الشرق الأوسط، بل تريد الاستحواذ برعايتها وترك الآخرين عبارة عن شهود زور لا أكثر ولا أقل، بما في ذلك اللجنة الرباعية الدولية (روسيا + الأمم المتحدة + دول الاتحاد الأوروبي + الولايات المتحدة) التي باتت نسيًا منسيًّا.
فالولايات المتحدة و”إسرائيل” تريان في علاقاتهما الخاصة المتبادلة مع دول أوروبا هدفًا استراتيجيًّا حيويًّا، في الوقت الذي تريان فيه بأن المشاركة الأوروبية في مسار العملية السياسية في المنطقة، لا يخدم رؤيتهما المشتركة للتسوية، مع الفلسطينيين على وجه الخصوص، وانطلاقًا من هذا المعطى فإن العلاقات الأميركية و”الإسرائيلية” مع دول الاتحاد الأوروبي شهدت على الدوام حالة من التداخل السلبي داخل حلبات الهيئات الدولية لدى عرض قضايا وملفات المنطقة، كان آخرها التصويت الأول في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم التاسع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2014، حين صوتت الدول الأعضاء بالجمعية العامة بما فيها معظم دول الاتحاد الأوروبي بأغلبية ساحقة لصالح مشروع قرار يُقرّ “السيادة الدائمة للشعب العربي الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة”. وكان ثانيها تصويت مجلس الأمن حين أيدت فرنسا المشروع الفلسطيني، وتحفظت بريطانيا ولم تمانع. فالمناخ الدولي بشكلٍ عام يميل نحو التعاطف مع الفلسطينيين أكثر من أي وقت مضى، وتحديدًا من قبل دول الاتحاد الأوروبي التي تحاول الخروج من عنق الكماشة الأميركية من حينٍ لآخر.
ومنذ انطلاق عملية التسوية نهاية العام 1991 كان التأثير الأوروبي مغيبًا عن الفعل الملموس في سياق سلسلة من الاتفاقيات واستنساخاتها التي وقعت من اتفاق أوسلو الأول وصولًا إلى إعلان (واي ريفر) ومجموعة من القمم التي عقدت بين واشنطن، القاهرة، شرم الشيخ.
الطرف الأميركي يريد الاستحواذ بإدارة دفة الأزمات وحصد نتائجها، والطرف “الإسرائيلي” لا يريد لمنطق التوازن النسبي القائم على شيء من العدالة، أن يشق طريقه. وحكومات أوروبا تنهج سياسة تقوم على الحد الأدنى من التوازن، وبراغماتية واقعية ومقبولة من غالبية الأطراف العربية، في الوقت الذي تفتش فيه دول الاتحاد الأوروبي عن مصالحها أيضًا في المنطقة.
إن الولايات المتحدة تدرك جيدًا أهمية موقف أوروبا ودول الاتحاد الأوروبي، وعملت على ردم الهوة معها، لكنها فشلت في تطويعها، وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية لم تستطع واشنطن أن تبني ائتلافًا مع أوروبا في حروبها الخارجية، بل وذهبت إلى الحرب في العراق دون تفويض أو إقرار دولي، سوى مرافقها الشريك الأنجلو سكسوني، الذي يدفع فواتير باهظة من كيس شعبيته وشعبية حزبه في الشارع البريطاني في حينها.
إن الدور المستقبلي الممكن لدول الاتحاد الأوروبي في تقرير مصائر التسوية في الشرق الأوسط، يشكل لطمة قوية للسياسة “الإسرائيلية” والأميركية على حد سواء، فالدور إياه كان أحد الثوابت في السياسة الخارجية “الإسرائيلية” والأميركية القائمة على تحييد الأوروبيين سياسيًّا في المنطقة، وتحجيم دورهم إلى ممول عملاق اقتصادي فقط دون أي فعل مؤثر بشأن تقرير المصير النهائي لعملية التسوية في الشرق الأوسط.
وفي المسار ذاته فإن الولايات المتحدة ما زالت تؤمن بنظرية “أوروبا العجوز” التي كان أطلقها وزير الدفاع الأسبق دونالد رامسفيلد. فالولايات المتحدة تريد كما قال المفكر الأميركي روبيرت كاغان “أن تطبخ الطبخة، وأن تقوم أوروبا بغسل الأطباق”، حيث انطلقت السياسة الأميركية في العقدين الأخيرين في تهميش دور أوروبا في المنطقة وإبقائها “قزمًا سياسيًّا” وبنفس الوقت “ممولًا ماليًّا عملاقًا في إطار الدول المانحة”.
إن دول الاتحاد الأوروبي تبدو أحيانًا مُنهكة، مُتثاقلة وضاجرة في خطواتها السياسية الواقعة تحت محذور توسيع التصادم السياسي مع الولايات المتحدة، وتحت رتابة بيروقراطية القرار السياسي المُتفشية بين عدد من دوله المؤثره، إلا أنها بالمقابل تعي مصالحها في نهاية المطاف، وتستطيع أن تحدد سيرها في مسار شديد القوة وغير سهل التحويل. فلغة المصالح مضافًا إليها قوة الجاذبية للدور الأوروبي الجار المتوسطي التاريخي للعرب، ونجاح أوروبا في تشكيل علاقات دولية غير مبنية فقط على ميزان قوى، بل أيضًا على قيمة الشرعية الدولية، وقوة الجاذبية للفكرة الأوروبية وتحولها المتدرج نحو التوازن السياسي، كل هذا كفيل بدحر نظرية التمييز التسطيحي لوزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد بشأن الهوة الكامنة بين “أوروبا القديمة العجوز” والولايات المتحدة “الشابة والناهضة”.
إن مصدر التفاؤل في الدور الأوروبي القادم ينطلق أيضًا من كون دول الاتحاد الأوروبي بمثابة الامبراطورية الجذابة في التاريخ التي تلبس الآن جلدًا وثيابًا من خلال ديمقراطية الإجماع، وليس بعمل احتلالي قمعي كما كان حال أوروبا الماضية، وعليه فإن المتتبع لسير نبض السياسة الأوروبية يستطيع أن يقرر بأن أوروبا والدول الأساسية في الاتحاد تسير بخطوات تاريخية تحاول من خلالها التخلص من إرثها الاستعماري السلبي، على الرغم من وجود مساحة من التباين بين بعض دول الاتحاد تجاه القضايا المشتعل في العالم ومنها القضية الفلسطينية.
وبالنتيجة النهائية، نستطيع القول بأن رنين الجرس الأوروبي ينتظر التجاوب العربي، من أجل بناء علاقات متكافئة تقترب في مساحاتها مع مساحة العلاقات العربية الأميركية في أضيق الحالات. تجاوب يقوم على لغة المصالح في بناء علاقات ندية عنوانها المصالح المشتركة التي تساعد على تطوير الموقف الأوروبي من القضايا العربية العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية والصراع العربي والفلسطيني مع دولة الاحتلال الصهيوني.

إلى الأعلى