الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الكوارث الإنسانية

الكوارث الإنسانية

بدأ العام الجديد بغرق سفينة شحن قبالة سواحل اسكتلندا وفقدان طاقمها، وكان العام المنصرم انتهى بتحطم طائرة ماليزية في رحلة من اندونيسيا إلى تايلاند وراح في الحادث أكثر من 150 ضحية وشب حريق في سفينة ركاب بين إيطاليا واليونان وغيرها من حوادث النقل الأخرى التي لم تحظَ بتغطية إعلامية واسعة. والسبب الذي يتم سوقه لأغلب تلك الحوادث هو “سوء الأحوال الجوية”، وكأنما لا نعرف جميعا أن هذا الوقت من العام يتميز بالبرودة والرياح والأعاصير! وبدون تجاهل عوامل الطقس، وبعضها مفاجئ، لا يمكن إغفال أن هناك عوامل أخرى تسهم في زيادة تلك الحوادث/الكوارث التي أصبحت زيادة مطردة ولعلها لا تنطبق على النقل الجوي والبحري والبري بل تطول قطاعات أخرى كثيرة من نشاطات البشر. نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر زيادة وتيرة سحب شركات السيارات لسياراتها الجديدة من الأسواق بمئات الآلاف نتيجة “عيب فني” أو “خطأ تصنيع” يؤدي إلى كوارث أيضا لو لم يتم تداركه.
غالبا ما تأتي كلمة كوارث متبوعة باسم “الطبيعة”، لكن ما يجري في العالم في السنوات الأخيرة جعل التبادل فيما يتبع بين الطبيعة و”الإنسان”، فكثير مما يقع من كوارث لها علاقة بشكل مباشر أو غير مباشر بالإنسان. وربما لها علاقة بأدوات الإنسان التي يبتكرها لتعاونه في تغلبه على الطبيعة، وفي مقدمتها الاختراعات التكنولوجية. فنحو نهاية العام المنصرم أيضا توقفت حركة الملاحة الجوية فوق العاصمة البريطانية لندن لفترة بسبب عطل في الكمبيوتر لمركزي لمعلومات وبيانات الرحلات. وكم من الحوادث في الآونة الأخيرة تعود إلى اعتماد الإنسان على الأجهزة التي أصبحت تحل محل البشر في كثير من الأعمال بهدف توفير اليد العاملة وتقليل الكلفة. لكن يبقى كل هذا في النهاية من صنع الإنسان، فهو الذي يبتكر التكنولوجيا ويدير الأعمال على أساس نماذج اقتصادية موفرة .. الخ. وبالتالي فأغلب تلك الكوارث بها عامل بشري حتى الطبيعية منها يمكن القول إن فيها أيضا تراجع دور الإنسان في “تطويع” الطبيعة وتطوير سبل التعامل معها رغم كل هذا التقدم العلمي.
صحيح أن الإنسان لم يتوقف عن التطوير والابتكار في محاولته تسخير الطبيعة لخدمته وتسهيل سبل حياته على الأرض، لكن يبدو أن حياة الإنسان على الأرض قد وصلت من زخرفها وزينتها حدا جعل البشر يقنعون أنهم “مسيطرون” فأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من أن يأتيهم “أمر ربهم” فيصبحوا على ما فعلوا نادمين في وقت قد يكون موعد الندم قد فات. ولعل في تطوير التكنولوجيا ما أدى إلى تلك الحالة التي يمكن تسميتها مجازا “الاستسهال” والتعبير عنها بدقة على أنها “تراجع قيمة العمل”. فليس التقصير الذي يؤدي إلى كوارث مقصورا على زيادة اعتماد الإنسان على الآلة والجهاز ـ الذي يمكن أن يتعطل أو يصيبه عطب يؤدي إلى اختلال عمله ـ بل أيضا على تغير واضح في توجه البشر نحو العمل كقيمة تتطلب تفانيا وإخلاصا. وتلك آفة تفوق ما يحذر منه العلماء من تغيرات مناخية تؤدي إلى زيادة حدة الظواهر الطبيعية واثرها السلبي على الحياة في كوكب الأرض ـ وهي تغيرات يسهم الإنسان أيضا في أحداثها بما يقود من “ثورات صناعية وتكنولوجية”.
قبل سنوات اشتهر في مصر إعلان تلفزيوني لإحدى شركات الموبايل تروج فيه لمسابقة طرحتها لزيادة إقبال الجمهور على استخدام شبكتها. كان الإعلان مستفزا جدا لكنه يعكس الى حد كبير ما وصلت إليه قيمة العمل بالفعل عند البشر. يبدأ الإعلان بضرب أمثلة من قبيل: انظر هذا الشخص تخرج من الجامعة وعمل عشرات السنوات ليترقى في منصبه ويدخر قليلا حتى تمكن من شراء سيارة. وهذا الشخص سعى لفرصة عمل في الخارج وأخذ يدخر سنوات ليشتري سيارة. وهذا الآخر عمل في القطاع الخاص ثم بدأ مشروعا وأمضى سنوات حتى تمكن من شراء سيارة. ثم يصل إلى المفاجأة التسويقية بالإعلان عن أرقام تتصل بها كي تفوز بتلك السيارة في ثوان. ولأن الملايين ينخدعون في تلك المقامرات التسويقية وتربح شركات الاتصالات الكثير من وراء مغامراتهم لاقى الإعلان رواجا كبيرا إلى أن نبه البعض أصحاب شركة الاتصالات إلى أنه اعلان كارثي يهدر قيمة العمل ويدفع للتواكل والاعتماد على الحظ والمقامرة.
في الواقع لم يكن مصمم الإعلان يفعل سوى أنه يستغل “حالة” موجودة بالفعل حتى وإن روج لها بغرض التسويق التجاري. فإهدار البشر لقيمة العمل وصل إلى مستويات لم يعد ممكنا معها الثقة في جودة أي شيء ينتجونه، سلعة كان أم خدمة أو حتى ابتكارا علميا ترعاه الشركات وتمول البحث فيه لأغراض تجارية وبهدف رئيسي واحد هو: تعظيم الأرباح. ولننظر ببساطة إلى الأجيال الجديدة التي كادت حتى أن تفقد الاهتمام بالتعليم لأنه لا يوصل إلى الربح السريع بدون جهد، وهم يطالعون أرقام دخول الفنانين ولاعبي الرياضة وغيرهم (وكلهم لا يتجاوزون بضعة آلاف) أو أرباح المستثمرين الذين لا يفعلون شيئا سوى أنهم يشترون ويبيعون الأسهم أحيانا وهم يتناولون الطعام في فراشهم داخل قصور بالملايين. هذا الوهم الذي أصبح مسيطرا إلى حد كبير من الطبيعي أن يقود إلى كوارث، بعضها فعلا الطبيعة “بريئة منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب”.

د. أحمد مصطفى كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى