الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وضعٌ يضعُ العقلَ في راحةِ الكفِّ..

وضعٌ يضعُ العقلَ في راحةِ الكفِّ..

علي عقلة عرسان

ليس بإمكان بشر، يملك الحد الأقل من الحد الأدنى من مشاعر البشر الأسوياء.. ليس بإمكانه تخطي المشاهد المثقَلة بالآلام والجراح والهوان، تلك التي تُرسَم تفاصيلها على صفحات القلوب، وتبقى مراياها العيون وانعكاستُها في البصائر.. أعني مشاهد الخيام المطمورة بالثلوج وتحتها بشر يفترشون الطين وهم مطمورون أيضًا بألوان من التجمّد والبؤس والجوع والعذاب وما يسبب الأمراض، وبالمعاناة التي لا تفوقها ولا تماثلها معاناة.. السوريون، نعم السوريون، أطفالًا ونساءً وشيوخًا، هم بعد العز مادة تلك المشاهد وتفاصيلها وبثّها على موجات أثيرٍ لا تنقل، وإن نقلت لا تُسمِع، وإن أسمعت لا يكاد يُجاب لها نداء؟! إنهم اللحم المقدّد في شتاء قطبي أينما كانوا.. سواء أكانوا في مخيمات لهم داخل الوطن وخارجه، أو ممن يفترشون الأرض في حدائق بعض المدن السورية وساحاتها وطرقاتها، لا يلوذون بجدار ولا تحميهم حتى خيمة تعبث بها العاصفة الهوجاء.. أو ممن يسكنون كهوفًا أو بيوتًا شبه مهدمة، وأخرى لا دفء فيها..!! الأمطار والثلوج نعمةٌ من الله، لا سيما على شعب وبلد مرت عليهما سنوات جفاف وقحط طلب فيها الناس مياه الشرب فكانت تعز على طالبيها في حالات نتيجة لذلك الجفاف، ولما يفوقه من جفاف في مستديم حالات منذ سنوات هو الأشمل الذي طال حتى العواطف والمشاعر والضمائر والأفكار، بسبب الحرب المجنونة التي ما زالت عواصفُها تهب على الشعب والبلد من دون انقطاع منذ سنوات أربع، غَرِقت في الدم وأغرقَتنا فيه وفي الويل والقتل والظلم والحقد والكراهية والفتنة وكل ما أدى ويؤدي إلى سفك الدم والغرق فيه وفي ثاراته ومثاويه..؟! فيا الله كيف تصبح تلك النعمة الإلهية العظيمة نقمة على سوريين خارج رحمة وطنهم وأناس من لحمهم ودمهم، ولآخرين منهم يعيشون معاناة مرة داخل الوطن العزيز، بسبب التشرد المفروض عليهم بالحرب والإرهاب، وإجبارهم على ترك بيوتهم وقراهم ومدنهم، وبسبب تحجر قلوب من يصرخون “بمحبتهم وبالنضال من أجلهم؟!”.. بينما دمهم يسيل ومعاناتهم تكبُر، ويقتلهم المنقذون ليل نهار، ويبيعونهم في السوق بالدرهم والدولار، ويدمنون المتاجرة بهم في الأسواق، وهم ينعمون براحة “الضمير”ـ إذ لا ضمير ـ وبراحة العقل ـ إذ لا عقل ـ وينعمون بالدفء والمأكل والملبس، ويعيشون في بحبوحة من نعمة الأمن يوفرها لهم من يحمونهم ويفرضونهم، ومن يشغِّلونهم ويستثمرون في مأساة الشعب السوري التي تستمر وتكبر بسببهم؟!
على عتبة هذه المشاهد وما فيها من بؤس إنساني كبير، وهم وطني ثقيل، وقومي أفدح وأثقل، يجب ألا ننسى بعض الأمور، منها:
١ـ أن نشكر من قدّم ما استطاع لهؤلاء المنكوبين، سواء أكان الذي قدّم بلدًا، أم مؤسسة دولية، أم جهة خيرية، أم شخصًا خيّرًا ملكَ ورأى حقيقة أن الملك لله يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، وأن المالَ وسيلة لا غاية، وأنه أمانة ينقلها بين أيدي عباده.. وبشِّر الصالحين.
٢ـ ومنها أن نعمل على إخراج هؤلاء السوريين المنكوبين، من المحنة التي تلم بهم وتتفاعل بأشكال مختلفة داخلهم وفيما بينهم.. فليس هذا آخر الشتاء في هذا العام بل هو أوله.. وليست هذه آخر عاصفة فيه بل قد تكون هناك أخرى وأخرى.. وأنه بصرف النظر عن قسوة الشتاء والعواصف ومخاطرها، وعن البرد والجوع والألم والغضب.. فإن الظروف التي هم فيها، حتى في أحسن أحوال الطقسين “الطبيعي والبشري”، فإنها تبقى أحوالًا غير مقبولة، وفي كثير من الحالات والظروف والأوقات هي مدمرة ولا تطاق.. فمخيمات كمخيم الزعتري وأطْمة ومخيمات لبنان، وتلك الأخرى التي في الأراضي السورية.. لا توفر لمن هم بين أنيابها أدنى شرط إنساني للعيش والكرامة.. وهذا وضع ينبغي ألا يستمر بحال من الأحوال “إنسانيًّا”، فضلًا عن النتائج المدمرة التي ترافقه على صعد شتى”اجتماعيًّا وتربويًّا وتعليميًّا وصحيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا..إلخ”، فتلك تجعلهم أكثر من حقول ألغام خطرة جدًّا في المجتمع السوري وعلى مناحي الحياة الأخرى حيث يمكن أن تصل إلى اضطرابات وصراعات تعيد الحرب بعد السلم، والفتنة جَذَعَة بعد خمود نارها، وقد تؤسس لعلاقات سيئة بدرجات مع بلدان عربية وإسلامية، وأخرى مع دول جوار ودول في المنطقة، ومع بلدان استضافت سوريين أو أبحر إليها سوريون ووصلوها عبر المهالك. وهذا لا ينفي، بل يؤكد، احتمال نشوء علاقات من نوع خاص لشخصات ومجموعات وتنظيمات سورية تصبح فاعلة سياسيًّا من جهة، ومتضادة مع حكومات سوريا واستقلالها وسيادتها من جهة أخرى، فتؤسس لصراعات جديدة ومآسٍ جديدة. وكل هذا يحتاج إلى دراسة ميدانية منهجية، وإلى حسابات علمية دقيقة تقوم على استنتاجات موضوعية، وإلى مناهج شاملة تواجَه بها نتائج استنتاجات محتَمَلَة قد تكون خطرة على الجميع.
ومما يحزِن ويؤسَف له أن المعنيين بالأمر من وجوهه وبالحل السياسي في سوريا لا يتوجهون نحو معالجة هذا الموضوع المهم بالجدية والأهمية الكافيتين، ولا يأخذ منهما أولية تأتي على رأس الأولويات فيما يعدونه أولويات، حتى في حال استمرار الصراع المجنون الذي أخذ أبعادًا مدمرة، يبرز من بينها بعدان خطران مؤثران ذوا إنذارات ومؤشرات توحي بطول عمر الصراع الدموي، وهما: “بعد طائفي كريه لا يَحجَب الفتنة الولود بغربال، وبعد دولي يعقّد الأزمة ولم يكن وصوله إلى هذا المدى ليخطر على بال”.
إن عودة المهجرين السوريين في الداخل والخارج إلى أماكن آمنة في وطنهم وتمتعهم بظروف عيش ملائمة تحقق لهم شرطًا إنسانيًّا للحياة بكرامة، أمر لا ينبغي أن يتاجِر به أحد، أو يرتهنه ويساوم عليه أحد، أو أن يعرقله أحد.. وذلك تلافيًا لبعض ما هو واقع ولما يمكن أن يقع في المستقبل، مما هو أخطر ويؤسس للأخطر. وهذه مسؤولية الأطراف السياسية المعنية كلها بالدرجة الأولى، ولكنه ليس وقفًا عليها بأي حال وهي التي لم توليه ما يستحق من أهمية طوال سنوات الأزمة/الحرب.. فهو أمر ينبغي أن يعمل عليه المهجَّرون أنفسُهم أيضًا من خلال مجموعات ضغط واعية وقادرة يشكلونها من بينهم، وأن تعمل عليه المؤسسات والهيئات الدولية المعنية، والدول المستضيفة أو المتحمّلة لمسؤوليات وأعباء في هذا المجال، والمبعوث الدولي المتخصص بالمسألة السورية، والأمم المتحدة.. وكلُّ من يهمه الشأن الإنساني والاجتماعي على الخصوص في سوريا. وفائدة هذا الوضع، إن تم وتمت العودة بشروط أساسها “أمن من جوع وخوف”، لا تنحصر في تخفيف المعاناة البشرية وبإنهاء بعض جوانب المأساة المنهكة المهلكة، لا سيما المتعلقة بالأطفال وبالأجيال الصاعدة وكل ما يتصل بها وبمستقبلها.. بل سيسهم في التمهد للحل سياسي “المنشود” أو يساعد على إنجازه ويزيل من وجهه بعض العراقيل. وحين يوضع هذا الموضوع بجدية وإخلاص على طاولة التنفيذ وليس البحث للمناورة والمشاورة والمماطلة والتعطيل، سيوضع كل من يقف في وجه عودة المهجرين السوريين في الخارج والداخل إلى بيوتهم أو إلى مواقع آمنة في الوطن.. أمام المسؤولية الأخلاقية والسياسية والاجتماعية عن ذلك، ليس من خلال الإدانات المعنوية والتصريحات الإعلامية والسياسية فقط، بل ومن خلال عمل اجتماعي سوري واعٍ لأهدافه ووسائله، ولعمل عربي ـ دولي ـ إنساني ـ قانوني وحقوقوي نافذ المفعول بإرادة دولية، تضع حدًّا لكل من يعطل ويعرقل ويتاجر بالأمر، وتعري أغراضه وأساليبه وأدواته وتكشف خلفياته وارتباطاته.. فلعلّه يسقط بنظر الناس من بعد ذلك وتفلس تجارته.. وإن كان ذلك محفوفًا بصعوبات جمة في ظل فساد القيم والمعايير والعلاقات، حيث يبدو هذا السقوط صعبًا، لأن التعلق بالساقطين ورفعهم والارتفاع بهم أصبح رائجًا للأسف، وهذه من أحوال المجتمعات في أوقات الحروب والكروب والأزمات؟!
٣ـ ومن الأمور الأساسية المهمة “الوصول بالمسألة السورية إلى حل سياسي”، بعد كل هذه السنوات من الاقتتال والتدمير والتخريب الذي أتى على البلد، والمآسي التي أرهقت الشعب، وبعد هذا الكم الهائل من الضحايا والمعوقين والجرحى والمسجونين والمهجرين والمخطوفين والأرامل والأيامى والفتيات اللائي لم يعد لهن في المجتمع قرين منتَظَر.. إلى غير ذلك من ضروب المعاناة وهو كثير ويفوق الوصف. وهذا الموضوع، موضوع الحل السياسي، لم يبرعِم بعد لكي يزهر فيثمر، لأننا منذ جنيف الأولى وحتى دعوة موسكو الأخيرة إلى اجتماع أو مؤتمر “تشاوري، تمهيدي، شخصي.. إلخ”، يعقَد في نهاية شهر كانون/يناير ٢٠١٥ لم نصل إلى مجرد تفاؤل بتوافق أولى على نوايا إيجابية تؤدي إلى بحث أولي أيضًا في سبل ووسائل وأدوات إخراج “الزير من البير”؟!.. والله وحده ولي التدبير.. وما زال كل فريق من “الفرقاء”، وحتى كل شخص من المنصَّبين المصبوبين على رأس السوري، يتهم الآخر ويشكك به وبالنوايا وبجدوى اللقاء معه وبإمكانية الشراكة بينهم، ولا يوفر الجهات، ويشكك بالنوايا التي تكمن وراء الدعوات واللقاءات والاجتماعات والمشاورات، ويعمل على ألا يتم شيء من ذلك لأنه “لن يؤدي إلى شيء كما يقال”؟.. وكل يقول بالحل السياسي ويتجهز لحرب تمتد سنوات.. وعند التمحيص تجد ربطًا بهذا الشأن على مستويات وتحالفات دولية، فروسيا تعمل على الحل السياسي بتوافق معلن مع الولايات المتحدة الأميركية، ويتم التشكيك بنواياها.. والولايت المتحدة الأميركية تعمل على تدريب مقاتلين “معتدلين” لمتابعة الحرب في سوريا، وتقول إن ذلك يستغرق سنوات أقلها ثلاث؟! وعلى الرغم من أننا لا نعرف كيف سيكون الحل السياسي “المقبول” من الدولتين الأعظم بصورة واقعية وعملية على الأرض، في الوقت الذي تدور فيه المعارك على الأرض السورية ويسهم كل طرف بما يرى أنه ضروري “للحل السياسي ـ القتالي”؟!، كما لا ندري كيف سيكون قتال المعتدلين وغير المعتدلين عندما يتقابلون في جبهات القتال، أو عندما يشكلون الكمائن، ويتمترس بعضهم لبعض وراء المتاريس؟! ولا كيف ستنقض الطائرات المعدلة وغير المعتدلة على المواقع ولا يسلم منها الناس الأبرياء، وتدمر ما تبقى من البلاد في كل الأحوال؟!
وضع أكثر من مرعب يواكبه الإرهاب المرعب، وهو وضع يضع “العقل في راحة الكف”و”الأرواح على الراحات”دومًا.. بينما تستمر معاناة الناس السوريين في المخيمات وفي غير المخيمات، ويصل ضجيجهم إلى حيث لم يصل ضجيج، مع طَرَش دولي وعماء ما مثلهما طَرَش وعماء، وتصل طلائع السوريين الهاربين من “وطنهم الحنون” إلى أقاصي الأرض، وإلى دول ومجتمعات وشعوب لم يكن أي منهم يسمع باسمها أو يعلم بوجودها، فضلًا عن أن يحلم بالوصول إليها؟! وضع أعان الله عليه، وليس بعد الله من معين..
والحمد لله رب العالمين على كل حال.

إلى الأعلى