الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة نقدية في رحلة “من الفرضاني” (1-2)

قراءة نقدية في رحلة “من الفرضاني” (1-2)

دور أدب الرحلة في توثيق العلاقات العمانية بجنوب شرق أفريقيا

تمهيد
الحمد لله القائل في محكم كتابه العزيز:”هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور1″. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، وعلى كل من سار على نهجهم، واستن بسنتهم إلى يوم الدين. أما بعد:
فيعدّ أدب الرحلة من الفنون الأدبية المهمة في التاريخ الإنساني على مدى الأزمنة والدهور؛ لما له من دور عظيم في توثيق كثير من الأنشطة الإنسانية: الدينية والسياسية، والعلمية والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها؛ لتبقى حاضرة في ذاكرة التاريخ، ومعمقة لكثير من الصلات الإنسانية. ” ولعل أبرز دور قامت به الرحلة في العالم العربي هو الخدمة الكبرى التي قدمتها لعلم الجغرافيا؛ فقد كان الرحالة في وصفه للمسالك والممالك مُعينًا للجغرافيّ؛ لأنه يكتب بقلم الذي اتصل بالظواهر الجغرافية والطبيعية اتصالا مباشرا، فرأى وسمع، كما كان ذا نفع للمؤرخ ولعالم الاجتماع والأديب…”2. وقد تغنّى كثير من شعراء العرب بالرحلة، ودعوا إلى الارتحال والانتقال؛ لما فيها من فوائد؛ يقول الشافعي3:
” سافِرْ تجدْ عِوضًا عمّنْ تُفارِقُهُ
إنّي رأيتُ وقوف الماءِ يُفسدُهُ
وانْصبْ فإنّ لذيذ العيْشِ في النّصبِ
إنْ ساح طاب وإنْ لمْ يجْرِ لمْ يطِبِ”.
ومن الشعر العماني المعاصر قصيدة “نقّلْ فؤادك” للدكتور خميس بن ماجد الصباري؛ يقول4:
” نقّلْ فؤادك بيْن البدْوِ والحضرِ
فالرّوحُ تأسنُ مثل الماءِ محتبِسًا
والشّامخاتِ من الأجبالِ والشّجرِ
ولا تطيبُ بغيْرِ السّيْرِ والسّفرِ”.
يعدّ الرحالة شخصا ذا قدرة فائقة حساسة على استقراء جغرافية الأماكن التي يزورها؛ لتسجيل أبعادها، وتوثيق واقعها؛ وفق ما يراه من مشاهدات، وما يلاحظه من ملاحظات، أو ما يسمعه من أخبار متواترة؛ بما يعكس عنها صورة تؤرخ لكثير من مواقفها الحيوية المهمة التي تتنامى قيمتها كلما أقبلت عليها الشعوب في رصد علاقات بعضها ببعض؛ رغبة في التواصل الحضاري المستمر بما يعزز علاقاتها الإنسانية الطيبة على كل المستويات. وقد عرفت المكتبات العالمية والعربية منها خاصة أسماء كتب رحالة مشاهير؛ ومن أشهرها؛ رحلة ابن بطوطة (ت779ه)5 المسماة “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”.
وقد كانت عمان منذ فجر التاريخ ذات علاقات إنسانية مميزة بالقارة الأفريقية؛ حيث مخرت سفنها عبر المحيط؛ للوصول إلى جنوب شرق أفريقيا 6؛ فكان التواصل بينهما تواصلا تاريخيا شمل العديد من المدن الأفريقية الساحلية، وغير الساحلية؛ مما ترك آثارا بارزة، ومعالم حضارية يشهد لها التاريخ الإنساني.
ولا عجب أن يشهد العصر الحديث كتابات من أدب الرحلة تكون أحيانا على شكل مذكرات، أو يوميات تؤرخ للعلاقات الإنسانية العمانية بجنوب شرق أفريقيا؛ كما فعلت السيدة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي؛ سلطان زنجبار؛ فكتبت يومياتها المشهورة ” مذكرات أميرة عربية 7 ” وكما كتب الدكتور محمد بن ناصر المحروقي يومياته عن رحلة حديثة قام بها إلى جنوب شرق أفريقيا عام 1992م فشملت مدنا ساحلية، وغير ساحلية في تلك المنطقة من القارة الأفريقية.
ويركز هذا البحث على هذه اليوميات التي تعد من الكتابات الأدبية النثرية العمانية الحديثة، والتي توثق للعلاقات والصلات العمانية بشرق أفريقيا؛ وهي يوميات تحمل العنوان الآتي:” من الفرضاني يوميات رحلة إلى زنجبار وممباسا والبر الأفريقي”.8
يتناول هذا البحث مناقشة أبعاد محددة بهذه الرحلة؛ بدءا من العنوان الذي اختاره الكاتب لرحلته، والهدف منها، ثم ينتقل الحديث عن المنهج الذي اتبعه الكاتب في تنظيم رحلته على النحو الذي هي عليه، ثم يتناول البحث أيضا اللغة التي كتبت بها هذه الرحلة وأبعادها اللغوية، ووصف مدى حساسية الألفاظ التي استعملها الكاتب؛ للتعبير عن الأبعاد النفسية المتعلقة بوشائج العلاقات العمانية الجنوب شرق أفريقية، ثم الوقوف على أبعاد الرحلة الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية؛ لتقديم ملامح العلاقات العمانية بهذا الجزء الجغرافي المهم من التي تستقرأ من واقع هذه التجربة، وما يُستشفّ من خلالها من علاقات إنسانية طيبة.
العنوان: “من الفرضاني: يوميات رحلة إلى زنجبار وممباسا والبرّ الأفريقي”
تتعنون الرحلة بالاسم المذكور؛ وهو يرسم خط الرحلة العام. يبدأ العنوان – كما هو واضح- بحرف الجر “من” للدلالة على ابتداء الغاية 9 المكانية التي انطلقت منها الرحلة الفعلية “من الفرضاني” – وإن كانت الرحلة كما يظهر تسرد أحداثا تبدأ من مطار السيب 10 (مطار مسقط حاليا) إلى آخر المحطات الشرق الأفريقية التي زارها.
أما ” الفرضانيّ” فهي كلمة سواحلية؛ ترجع إلى أصل عربي (فُرْضة) وترِد في لسان العرب على النحو الآتي:” وفُرْضة البحر: محطّ السّفن”.11
أما “يوميات” (جمع مؤنث سالم) مضافة إلى “رحلة” وبهذه الإضافة تكتسب المعرفة؛ ثم يحدد إطارها المكاني التي تنتهي إليه باستعمال حرف الخفض “إلى” 12 مقرونة بمحطات جنوب شرق أفريقية رئيسة؛ هي زنجبار، وممباسا، والبر الأفريقي. ويلاحظ أنه اتخذ زنجبار محطة أولى؛ فجعلها معطوفا عليه، وجعل كلا من ممباسا، والبر الأفريقي معطوفا.
أما “البر الأفريقي” فيقصد به مجموعة من محطات الرحلة هي (موانزة) بالقرب من بحيرة فكتوريا، و(كراجو) بالقرب من منابع النيل في الحدود التانزانية الأوغاندية، و(ممباسا) بدولة كينيا، و(مرتفعات كليمانجارو) و(موش) وأروشا). ولم تكن هذه المدن الجنوب شرق أفريقية التي تضمنتها الرحلة حسب؛ بل نجد أنها حطّت في (دار السلام) عاصمة تانزانيا التي كانت منطلقا إلى باقي محطات الرحلة.

أسباب الرحلة وأهميتها
لهذه الرحلة سبب مباشر، وأسباب أخرى غير مباشرة عميقة؛ فأما سببها المباشر؛ فيعبّر عنه الكاتب بقوله:” لقد تضافرت أسباب موضوعية وذاتية في إذكاء شوقي ولهفتي إلى رؤية تلك البقعة الأثيرة إلى النفس مدفوعا بتتبع ما عساي أن أجد من تراث شعري لشاعر عمان الأول أبي مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني على وجه الخصوص، ولغيره من شعراء المهجر الأفريقي على وجه العموم، كنت آنذاك بصدد تحديد موضوع الماجستير الذي تبلور لاحقا في رسالة علمية عنوانها” أبو مسلم 13 البهلاني شاعرا”.14 إذن فالسبب المباشر الذي يهدف إليه هو جمع ما أمكنه من تراث شعري لشعراء استوطنوا الشرق الأفريقي، وأبرزهم ناصِر بن سالم بن عُديِّم البهلاني. وبهذا الهدف يتحدد أول بُعْد علائقي ثقافي عماني بجنوب شرق أفريقيا.
ويصل الكاتب ذلك السبب المباشرة لرحلته بالأسباب الأخرى التي دعته لرحلته الفريدة هذه؛ فيتحدث عنها بقوله:” … إلى جانب ذلك السبب الموضوعي؛ يوجد سبب ذاتي آخر ربما يفوقه أهمية؛ يتمثل في رغبة دفينة؛ لمشاهدة المكان الذي سمعتُ عنه كثيرا في طفولتي؛ خاصة حكايات السفر إلى شرق أفريقيا… كنت أسمع تلك الحكايات، وأنتقل بخيالي متصورا ذلك المهجر الجميل الذي أغنى الناس من عوز، وأسمنهم من جوع. وهناك أغاني الطفولة التي ترقد في مكان مكين من ذاكرة الطفل الذي عاش في مكان لم يولد فيه، وتتقد نفسه شوقا لبلوغه. وهناك القراءات الأولى التي تصور الحياة الطبقية الراقية في زنجبار مصورة نماذج شائقة لرغد عيش، وحرية حياة؛ مما يطمح إليه خيال طفل حالم. وهنا أقصد كتاب الشيخ سعيد بن علي المغيري” جهينة الأخبار 15″ وكتاب السيدة سالمة بنت سعيد” مذكرات أميرة عربية”16.
يظهر من الفقرة السابقة أن الأسباب الأخرى لرحلته تكمن في ثلاثة أسباب:
أولها: الرغبة العميقة التي تحدو الكاتب؛ لاكتشاف موقع جغرافي جميل؛ طالما سمع عنه من أهله، ومثّل لهم ولكثير من العمانيين مهجرا؛ فيه من جمال الطبيعة ورغد العيش ما يثير دافعية النفوس إليه.
ثانيها: أخيلة الطفولة البريئة التي استلهمها الكاتب من أهله؛ فصورت له الشرق الأفريقي بصور شائقة؛ ذات جاذبية لا تزال تستفزه منذ الطفولة؛ ليحلق في سماء تلك الطبيعة الملهمة متى وجد إليها سبيلا.
ثالثها: القراءات الأولى للكاتب من كتاب “جهينة الأخبار” و” مذكرات أميرة عربية” التي زودته بثقافة عن مظاهر الحياة في زنجبار؛ مما تركت في نفسه صورة ثقافية جميلة بكل أبعادها.
كانت تلك الأسباب التي ذكرها الكاتب الدافع الرئيس لرحلته؛ ولكن من يقرأ رحلته؛ يكتشف سببا عميقا آخر؛ يعنونه بـ” في أرض الآباء” 17 ويقصد بها “كياكا” حيث التقى بعمّه هناك؛ يقول:” لم نبق كثيرا في محطة كياكا؛ فقد أخذنا العمّ مباشرة إلى منزله سيرًا على الأقدام”.18 وممّا يقرّب الصّورة العلائقية بين الكاتب وكياكا؛ ما يرويه عن عمّه وهو يحدّثه عن مكان في “كياكا” يقول:” فجأة قال عمّي: هنا دُفنتْ جدّتك حميدة بنت أحمد، وهنا كان يقيم جدّك راشد بن سليم، الذي عاد إلى عمان في واحدة من زياراته المتكررة آخر عمره ليموت ويدفن بها. قلت : نعم؛ أعرف ذلك. قال متابعا: وهنا وُلِد أبوك. ثم أشار إلى بقعة ليست ببعيدة، وقال تلك مقبرة آبائنا …”.19 وهذا السبب الأخير يبدو من أقوى الأسباب النفسية التي تدفع الإنسان وتحركه إلى الوقوف على الأرض التي عاش فيها آباؤه وأجداده، وكأنها تتمازج بجينات الإنسان؛ لارتباطها بعوامل نفسية وفكرية واجتماعية متواشجة بين أفراد الأسرة الواحدة.
أما أهمية هذه الرحلة فهي تكمن في عناصر أساسية من أهمها أنها حققت للكاتب الحصول على موضوع لكتابة رسالته في مرحلة الماجستير، وححقت له الوقوف الواقعي على أرض الشرق الأفريقي الجميلة التي تصوّرها من قبل خيالا، والتقى فيها ببعض أقاربه ومعارفه العمانيين الذين هناك. ولا يخفى أنها وثقت ملامح حيوية مهمة من العلاقات العمانية على الأصعدة الدينية والثقافية والاجتماعية وغيرها، كما أن هذا النوع من الكتابات تدفع المتحمسين من الباحثين والمغامرين إلى محاولات طموحة لرصد مزيد من العلاقات الطيبة بين الطرفين العماني والشرق الأفريقي، وبذل مزيد من التفاعل الإنساني الإيجابي الذي يحترم الواقع الجديد، ولا ينكر الماضي التليد.

منهج الرحلة ومحطاتها
تحدد الرحلة بمنهج وصفي سردي؛ تفصيلي لبعض الأحداث المهمة، وإجمالي لبعض الأحداث غير المهمة، ومؤرخة بزمان تسلسلي ميلادي محدد. ويتعين موضوعها بدقة مؤطرا بمعالم مكانية شرق أفريقية؛ هي زنجبار، وممباسا، والبر الأفريقي. ويبدو الإطاران الزماني والمكاني للرحلة واضحين من خلال التواريخ التي يسجلها الكاتب قرينة بكل محطة ينزل فيها. وهو للتعبير عن الإطار الزماني بعد تحديده للتاريخ الميلادي: يوما، وشهرا، وعاما ينحو في أغلب الأوقات إلى تحديد الساعات؛ فيسجلها على نحو دقيق؛ ومن ذلك:” وصلنا تانجة في الساعة الثامنة ظهرا”. 20 كما سجل الساعات التي استغرقتها الرحلة جوا من مسقط إلى دار السلام؛ فحددها بثماني ساعات؛ يقول:” الساعات الثماني مرت بطيئة بالمخاوف”.21 ويتعدّى الأمر لديه إلى رصد الدقائق؛ يقول:” هنا تاليزا، والحافلة لا تزال متوقفة منذ عشر دقائق 22″. ويلاحظ أنه أشار إلى علاقة بين الطرفين العماني وجنوب شرق أفريقيا في استعمال (التوقيت الغروبي) الذي لا يزال يستعمل في (تانجة) وهو التوقيت الذي جاء به العمانيون قديما من عمان إلى جنوب شرق أفريقيا 23.
أما تعبيره عن المكان فهو أيضا تعبير دقيق؛ حيث يورد اسم المكان، وينطلق بالقارئ في خط متواز معه في رحلته؛ حتى إنه ليذكر أحيانا طول المسافات التي تفصل بين المحطة والمحطة؛ يقول:” كنا قد أخذنا تذاكر أروشا سلفا لعدم معرفتنا بالأحوال. والمفرق نفسه يبعد 30 كم من هنا”. 24
إن هذا الحضور الزماني والمكاني؛ ليضع صورة الرحلة ماثلة أمام القارئ، وكأنها مرآة تعكس تفصيلا دقيقا لواقع الرحلة؛ تشعر القارئ بحيوية حركتها الزمانية والمكانية لا سيما وهي تنتقل انتقالا سلسًا؛ فيه من العفوية والانبساط الكثير.
يلاحظ أيضا أن الرحلة تنقسم إلى يوميّات؛ لتصنع معا نسيج رحلة واحدة تتأطر بإطارين زماني ومكاني. وهي على النحو الآتي:
أ- مفتتح غير مهم.
ب- بداية الرحلة (غير معنونة).
ت- دار السلام، الأربعاء 1/7/1992م.
ث- الخميس 2/7.
ج- تانجا الخميس 2/7/1992م.
ح- أروشا الجمعة 3/7/ 1992م.
خ- أروشا السبت 4/7/1992م.
د- 8/7/1992م، دار السلام. يلاحظ هنا أنه قدم الزمان على المكان.
ذ- زنجبار، 15/7/ 1992م.
ر- سفينة فكتوريا، 16/7.
ز- في أرض الآباء. يلاحظ أنه لم يسجل الزمان؛ لارتباطه بالعنوانين التاليين.
س- موانزا، 22/7/ 1992م.
ش- زوار الغفلة.
ص- مختتم يمكن الاستغناء عنه.

سيماء لغة الرحلة ومضامينها
يستعمل الكاتب للتعبير عن رحلته لغة أدبية سهلة، لا تعقيد فيها، وتشفّ عن كثير من الأبعاد الإنسانية؛ ويمكن اختصارها على النحو الآتي:
أ- السهولة والوضوح:
يبدو أن حياة السهول البئية التي اعتاد عليها الرحال العربي أو الكاتب العربي تترك تأثيرها على لغة رحلاته أينما سار، وأينما سلك؛ ذلك لأن معظم البيئات العربية بيئات سهلية ممتدة على طول مرمى البصر، بل هي أبعد من ذلك، ولا يكاد العربي – وهو يرسل طرفه إلى آفاق بيئته -يحول بينه وبينها شيء من مظاهر البيئة الطبيعية عدا بعض الجبال والهضاب القليلة. وقد بقيت هذه اللغة مصاحبة للكاتب حتى وهو يجوس خلال الغابات الأفريقية. ومما لا شك فيه أن هذا النوع من اللغة السهلة تناسب هذا النوع من الفنون الأدبية؛ لأن صاحبها يقصد بها مخاطبة جميع الطبقات، عبر العصور والأزمنة؛ فهو أحوج إلى اللغة السهلة؛ لإيصال مشاهداته وملاحظاته بأيسر الألفاظ وأقربها؛ ليشاركه القراء تلك الرؤية؛ يقول:” كنت أعود بين الفينة والفينة إلى دفتر مذكرات بنفسجي؛ سجلت فيه بعض وقائع رحلتي إلى دولتي تنزانيا وكينيا في شرق أفريقيا؛ فأجد فيه مادة أريد أن أشارك فيها القراء”.25
ب- المجازيّة:
اللغة الأدبية تخاطب القلب في المقام الأول، وتعتمد المجاز والاستعارات في كثير من ألفاظها، وتعبر عن مشاعر صاحبها وعواطفه. والفقرات الآتية نماذج تعبر عن هذه المجازية العفوية التي تخاطب القلب؛ يقول:” … بدت المدينة من الأعالي عروسة من عرائس الأحلام؛ تحيط بها المروج، ويغمرها الضباب، ونسينا الخوف والقلق على وقع صوت أنثوي جميل قائلا: مرهابا (مرحبا بكم في دار السلام) قلنا: ألف مرحب”.26 فهو يكلمنا بحديث القلب إلى القلب؛ إذ لا يعتمد لغة علمية محددة الألفاظ والمعاني بدقة متناهية؛ بل يجعل لنا فسحة؛ لننطلق مع تعدد المعنى التعدد، والتفاعل مع المشهد؛ إنه يشبه مدينة (دار السلام) بعروسة من جنس “عروسة الأحلام” تصونها “المروج” وتلتحف بـ ” الضباب”. ثم يرفد هذا المشهد بمشهد يوائمه جمالا؛ وهو مشهد مضيفة الطائرة التي يصرّ الكاتب على إيراد كلمتها السواحلية “مرهابا” أي مرحبا؛ فلا يزيدها ذلك إلا أنوثة. أما ذلك الحوار الخفي الذي دار بين المضيفة، وركاب الطائرة؛ فعلاج طبيعي فاعل؛ لكل قلق ساعة نزول طائرة.
ويرى في مشهد زيارته “زنجبار” مشهدا قلبيا خاصا؛ فهي عنده “حبيبة؛ يقول:” لم نبق طويلا في دار السلام؛ فبعد يومين كنا قد أعددنا العدة، وتوجهنا إلى زنجبار حيث تتحقق الرؤية، واللقاء المنتظر بالحبيبة؛ زنجبار للمرة الأولى”.27 فهي حبيبة، حبيبة الكلّ؛ بدليل أنه لم يسع إليها وحده؛ بل جذبت آخرين معه؛ يظهر ذلك من الدوال اللفظية التي استعملها:” لم نبق، وكنا، وأعددنا، وتوجهنا”.
ت- الاستشهاد والتضمين:
لا تخلو لغة الرحلة من شواهد شعرية؛ حاول الكاتب أن يُزيِّن بها أسلوبه؛ بما يدل على ثقافته العربية الأدبية؛ وليخلق بهذا التمازج بين لغته والشواهد الشعرية مزيجا من الأصالة والمعاصرة؛ فهو يأخذ نصا قديما؛ ليرفد به نصا حديثا من بنات أفكاره. والشواهد على النحو الآتي:
أ- ” كجلمودِ صخْرٍ حطّهُ السّيْلُ مِنْ عل”.28
ب-” وإذا رأيت صعوبةً في مطلبٍ فاحمِلْ صعوبتهُ على الدِّينار”.29
ت-” وللنّاسِ في الأسفارِ كلّ مذاهبِ”.30
ث- ” وفاز بالّلذّةِ الجسورُ”.31
ج- “إذا لمْ تكنْ إلا الأسنةُ مركبًا فما حِيلةُ المضطرِّ إلا ركوبُها”.32
ح-” غطّى هواكِ وما ألقى على بصرِي”.33
ث- الدعابة:
وما يميز أيضا لغة الرحلة روح الدعابة والظرف فيها؛ وهذا مما يشد القارئ، ويلفت انتباهه، ويشعره بلذة النص الذي يقرؤه؛ لأنه تضمن عنصري الجاذبية والتشويق. ولا أدل على ذلك من قصة لمعان المصباح الذي بات يرقبه طول ليل الرحلة من نافذة الطائرة؛ ظانا إياه أنه يأتي من طائرة أخرى تسير موازية لطائرتهم؛ فإذا به عندما تنفس الصبح هو ضوء مصباح جناح طائرتهم التي يركبون عليها؛ يقول:” الساعات الثماني مرت بطيئة ومليئة بالمخاوف لأتبين في نهاية المطاف أن ما تصورته ضوء طائرة – وكانت رحلتنا بطولها في الليل- تسير في الخط الآخر القريب منا، وكنت أداوم النظر إليها بين الحين والحين متخيلا أن وجهتها زنجبار أيضا وأن بعض ركابها ينتظر بفارغ الشوق الوصول على هناك؛ لأكتشف في الأخير وبعد أن أرسل النهار أولى خيوطه أن ذلك الضوء ما هو إلا ضوء في نهاية جناح طائرتنا نفسها”.34
وهذه الروح من الدعابة هي الغالبة على سواها من مشاعر أخرى من خوف وقلق يصحب بعض مواقف الرحلة؛ لأنها تتكرر في كثير من مشاهد الرحلة؛ من ذلك ما يحكيه عنه وعن زميليه: يعقوب، وحمود من معاناة؛ بروح ملؤها الفكاهة:” في الصباح بعد قسط من الراحة انتبهنا إلى حالنا المزري ووجوهنا المعفرة بالغبار وأجسادنا اللزجة وعلينا الاستحمام دون أي تأخير. وهذا الأمر ليس بالسهل كما يبدو لخصوصية الحال هنا؛ فالجو بارد جدا، والماء قارس، وليس أمامنا إلا المجازفة؛ تقدم يعقوب ومعه صابونة الاستحمام الوحيدة (من نوع فستا) التى أتى بها من عمان في خطوة احتياطية موفقة تناهى إلى مسامعنا أنا وحمود صرخات يعقوب المتوالية مستجيرا بكل المقربين الذي لم يسعفوه خاصة عندما وصل أخيرا وبعد تردد طويل إلى غسل رأسه”35.
إنه أسلوب جميل؛ لكسب القارئ، ومعايشة الواقع بكل تفاصيله وأجزائه دون أن يشعر القارئ بالملل أو الضجر وهما عدو القراءة، وعائق المعرفة.
ج – الألفاظ العمانية الدارجة، والألفاظ السواحلية
لغة الرحلة هي اللغة العربية الفصحى، ولكن الكاتب يستعمل استعمالا محدودا للألفاظ العمانية الدارجة، ويبدو قصده منها هو إبراز جوانب من الخصوصية العمانية على المستويين الشخصي والأفريقي؛ فأما على المستوى الشخصي؛ فالألفاظ الدارجة التي استعملها هو، وأما على المستوى الأفريقي؛ فالألفاظ التي سمعها من العمانيين الذين يعيشون هناك. وهي معروفة المعنى لدى الطرفين العمانيين؛ سواء أكانوا في عمان أم في جنوب شرق أفريقيا. وهذه الصلة اللغوية هي إحدى العلاقات الإنسانية التي تربط بين الجانبين إلى جانب اللغة الأم التي لم يتخل عنها العمانيون الذي عاشوا أو يعيشون في جنوب شرق أفريقيا؛ لتمثل لهم هوية اجتماعية متأصلة الجذور.
1- الألفاظ العمانية الدارجة التي استعملها الكاتب:
( السُّحّ: التمر. انْشقصتْ: علِقتْ. القاشِع: سمك صغير مجفف. الأمْبا: المانجو. الدشداشة: القميص).
2- الألفاظ العمانية الدارجة التي سمعها من العمانيين الذي يعيشون في جنوب شرق أفريقيا:
( خلا أُمشِّيكُمْ: فلنذهبْ في نزهة. الغدْف: الضّفة الأخرى).
وكما يستعمل بعض الألفاظ العمانية الدارجة في لغة هذه الرحلة؛ يستعمل أيضا بعض الألفاظ السواحلية التي يعمد إلى كتابة ترجمتها بالعربية قرين كل لفظ، أو جملة؛ وهي على النحو الآتي:
(مرهابا: مرحبا. المدافو: ماء النارجيل. هيمبي:الأمبا (المانجو). الماتشونجو: البرتقال. شلنج: عملة تنزانية. كواهيري: مع السلامة. شانبة: مزرعة. وازنجو واميفا كوفيا: البيض يعتمرون القبعات.وناتوشا: يكفي. سفاري يا سلاما: رحلة آمنة. كاكا، كياكا، مبالي، سانا؟: أخي أما تزال كياكا بعيدة؟

د. خميس بن ماجد الصباري
جامعة نزوى
Khamis9alsabari@hotmail.com

إلى الأعلى