الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / مدخل إلى التأريخ للموسيقى العُمانية

مدخل إلى التأريخ للموسيقى العُمانية

التأريخ للموسيقى العُمانية فكرة طارئة وحديثة لم يسبق إثارتها من قبل حسب علمنا حتى من باب الاقتراح لأسباب مختلفة، غير أن جمع وتوثيق الموسيقى التقليدية العُمانية الذي انطلق في عام 1983 وتأسيس أرشيفاً سمعياً ومرئياً يضم مئات التسجيلات والصور والبيانات، وما نشره مركز عُمان للموسيقى التقليدية من إصدارات مختصّة بالموسيقى التقليدية العُمانية تعريفاً وتحليلاً، جعلت من هكذا مشروع يبدو أمراً ممكن التفكير فيه. و” الموسيقى التقليدية العُمانية متنوعة وثرية في لغتها الموسيقية وصيغها الفنية وأساليب أدائها اللحنية والإيقاعية، وهي (..) جزء من وحدة وتنوع التراث الموسيقي في الجزيرة العربية، وتعكس في نفس الوقت الصلات التي نسجها العُمانيون مع شعوب المحيط الهندي وبحر عُمان. من هنا حدد المختصون ثلاثة جذور أساسية للموسيقى العُمانية وهي: محلية عربية (عُمان والجزيرة العربية)، وأفريقية، وآسيوية(1).
إننا لا نسعى في مداخلتنا هذه إلى تقديم بحث معمّق في تاريخ الموسيقى العُمانية، ولكن مسعانا هذا ممكن اعتباره مدخلاً منهجياً إلى ذلك، حيث نحاول وضع ترتيباً للمراحل التاريخية الأساسية حسب وجهة نظرنا، وإدراج في سياقاتها أمثلة من بعض البيانات المتوفرة لنا حتى الآن كنموذج تطبيقي لجدوى هذا التقسيم الذي يعتمد بناءه على أهم المميزات الثقافية التي كان لها الأثر الحاسم في تطبيع كل مرحلة بطابعها. إننا في هذه المداخلة نؤكد على النقص الحاد في البيانات الموسيقية المتوفرة لكتابة تاريخ شامل للموسيقى العُمانية، والحاجة إلى مزيد من الجمع والتوثيق ـ داخل عُمان وخارجها ـ وإعداد دراسات للمراحل التاريخية التي لا تزال بياناتها الموسيقية مجهولة، أو لا نعرف غير القليل من أخبارها الموسيقية. إن أي مشروع لكتابة تاريخ الموسيقى العُمانية سيظل فترة طويلة غير مكتمل فصوله بسبب عدم الاكتراث بالتوثيق عبر القرون الماضية، لهذا لا يجوز مع مرحلة عُمان الحديثة أن نكرر تلك الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها أباءنا وأجدادنا. والتأريخ للموسيقى العُمانية يعني النظر في تطور لغتها الموسيقية وأنماطها وصيغها الفنية وأساليب أدائها وتجارب ممارسيها من الأفراد والمجموعات وتصوراتهم الفنية والجمالية، والأدوات المتنوعة كالآلات الموسيقية التي طورها الإنسان، وما واجهته من تحديات أيديولوجية وأثرها على دور ومكانة الموسيقى الاجتماعية والثقافية وغير ذلك من المسائل. والمراحل التاريخية التي نقترحها هي:
* عُمان القديمة: وتبدأ مع أقدم المكتشفات الأثرية التي توثّق للنشاط الإنساني في حدود عُمان التاريخية والتي تقدم دلائل مادية لها صلة بنشاط موسيقي حتى نهاية العصر الجاهلي وظهور الإسلام.
* عُمان الإسلامية: وتبدأ مع دخول عُمان في الإسلام، ويمكن تحديدها من الناحية التاريخية منذ ظهور أول إمامة إباضية في عُمان عام 132 هـ. والمرحلة الإسلامية هي الأكثر أهمية حيث تبلورت فيها الثقافة الموسيقية بتوجهاتها الأباضية.
* عُمان الحديثة: وهي المرحلة التي تبدأ مع عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله الذي اعتلى عرش عُمان في عام 1970. وتقع أهمية هذه المرحلة فيما قام به جلالته من إصلاحات عميقة كان من بينها إنشاء مؤسسات موسيقية عُمانية لأول مرّة في تاريخها.
وكما أشرنا سلفاً، فالموسيقى لم تكن من اهتمامات المؤرخين العُمانيين إلا من زاوية واحدة وهي التحذير من ممارستها، من هنا تأتي أهمية المرحلة الثالثة (عُمان الحديثة) التي تشكل من وجهة نظرنا انعطافه كبيرة لمصلحة تغيير هذا الواقع الذي استمر قروناً طويلة وحال دون توثيقها ودراستها.
وفي الوقت الذي نشتكي فيه من شح البيانات في مرحلة عُمان الإسلامية فإن المرحلة السابقة لها كانت أكثر فقراً ولم يقع في أيدينا أي شيء عنها سوى بعض المكتشفات الأثرية البسيطة، وبعض النصوص الشعرية من بينها شعر الأعشى ميمون. ولكن نحن نعتقد أن التراث الموسيقي التقليدي لا يزال يحتفظ ببعض الأنماط الموسيقية التي لها رواسب تعود إلى فترات زمنية مختلفة.

عُمان القديمة
لا تتوفر بيانات تتصل بالنشاط الموسيقي في هذه المرحلة الغابرة من التاريخ العُماني، وتفيدنا المكتشفات الأثرية في عدد من المواقع عن نشاط بشري منذ خمسة آلاف عام على الأقل.
ومنذ وقت مبكر عرفت المستوطنات البشرية في بقاع مختلفة من عُمان أنشطة اجتماعية متنوعة كالصيد والزراعة والتجارة، وكان لها صلات متنوعة مع الشعوب المجاورة في الجزيرة العربية وبلاد الرافدين والبلاد المطلة على بحر عُمان، وقد تم العثور في موقع KHB – 1 برأس الخبة ( بالمنطقة الشرقية) على بعض الأدوات البدائية مثل: الرومبس Rhombs ” غالباً ما تكتشف في مواقع ما قبل التاريخ على مستوى العالم، وعندما يتم توصيلها أو ربطها بخيط أو سلك وتحرك بشكل دائري في الهواء يصدر عنها صوت له دوي عالي، وبعض قبائل بابوا (غينيا الجديدة) تعتبر صوتها صوت الأرواح عندما يتم العزف عليها خلال الاحتفالات الخاصة بالرجال (2) “. وفي موقع آخر” (HD_6 ) تم العثور برأس الحد على محارة كبيرة ذات ثقب جانبي، وتستخدم بالنفخ فيها مثل القرن أو البوق(3)”. ويعود تاريخ هذه المستوطنات إلى فترات زمنية مختلفة أقدمها يصل إلى الألف السادس قبل الميلاد.
وإذا ما نظرنا إلى هذه الأدوات وجذورها التاريخية، فإن أنواع من المحارات والأصداف البحرية مثل تلك التي تم اكتشافها في رأس الحد لا تزال تستعمل كآلات موسيقية حتى وقتنا هذا. ولعل آلتي محار الجم البحري والبرغوم المصنوع من قرون الوعول واستعمالاتها البسيطة كأبواق هي من أقدم الآلات الموسيقية المحلية، وتمثل استمراراً لهذه الظاهرة الإنسانية عبر العصور، ولكن الجدير بالنظر إلى أن آلة الجم ينحصر استعمالها في الممارسات الغنائية ذات الجذور الأفريقية، وهي من أدوات وتقاليد ما يعرف عندهم بالسُنّة ورموزها في ثقافة هذه الموسيقى.
إلى جانب هذا يمكن الاستدلال عبر بعض الألفاظ التي نعتقد أن لها صلة بأسماء بعض أنواع الآلهة العربية القديمة إلى الجذور الثقافية والتاريخية لبعض الأنماط الغنائية التقليدية مثل: نانا، ود، هُبَل. إن بقاء هذه الدلالات له أهمية تاريخية وثقافية دون أن يكون توارثها في الغناء بظفار جنوب عُمان تعبيرٌ عن استمرار ممارسة تلك المعتقدات القديمة التي كانت تمثلها، فجميع من نعرفهم من الممارسين لهذه الأنماط الغنائية ليس لديهم أي فكرة عن معانيها، ويتم توارث ألحان بعضها جيل بعد آخر دون تعديل. وفي تراث اللغات العربية الجنوبية الشائعة في جنوب عُمان الكثير من الألفاظ ذات الصلة بالماضي البعيد، وهذه اللغات المحكية وتراثها الأدبي والموسيقي لا تقل أهمية عن الآثار المادية من وجهة نظرنا للتاريخ الموسيقي والاجتماعي والثقافي. وإذا ما أخذنا هذا بعين الاعتبار، فإن لغة هذه الأنماط الموسيقية وصيغها الفنية تشكل أهمية خاصة على صعيد دراسة جذور وتطور الظاهرة الموسيقية في هذه المنطقة.
وقد شكّل ظهور الإسلام وتمكنه في الجزيرة العربية من إعادة صياغة الثقافة الموسيقية بما يتفق مع الدين الجديد. وكانت مجتمعات الجزيرة العربية وأقاليمها على الرغم من انقسامها وتشرذمها السياسي، تتمتع قبل الإسلام بصلات اجتماعية وثقافية واقتصادية، وتعاظمت متانة هذه الصلات والعلاقات منذ أن تمكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بفضل من الله وعونه من توحيد الكيانات السياسية والقبلية القائمة في الجزيرة العربية في فترة زمنية قصيرة. ومنذ العصر الجاهلي كانت اللغة والشعر والفنون الموسيقية أبرز مظاهر اجتماع سكان الجزيرة العربية ووحدتهم الثقافية، ونعتقد أن الشعر والغناء العربي القديم بلغ مستوى رفيع بحيث كان الشاعر الجاهلي الأعشى يجد له زبوناً ليس في أقاليمها فحسب بل، وفي الحبشة وأرض العجم، وقد عبّر عن هذا بقوله (4).
وطفت للمال آفاقها
عُمان وحمص فأورى شَلمْ
أتيت النجاشي في داره
وأرض النبيط وأرض العجمْ
فنجران فالسرو من حميرْ
فأي مرام له لم أرُمْ
ومن بعد ذاك إلى حضرموت
فأوفيت همي وحينا أهمْ
عُمان الإسلامية
وتبدأ هذه المرحلة نظرياً مع ظهور أول إمامة إباضية في عُمان عام 132 هـ، ولعل منذ تلك الفترة ـ التأسيسية ـ تبلورت الثقافة الموسيقية الإسلامية بتوجهاتها الإباضية وتعمقت في المجتمع والثقافية عبر القرون اللاحقة. إن هذا التوجه الذي تتقاطع آرائه مع غيره من التوجهات الثقافية الإسلامية تزخر به الكتب التراثية العُمانية التاريخية والفقهية، وهو للأسف قد تجمد طويلاً منفصلاً عن الواقع في مسألة الفنون وخاصة الغناء والعزف على الآلات الموسيقية والرقص واستقر بعدم إجازتها، من ذلك مثلا: ما نجده في بعض التوجيهات التي كتبها الإمام الصلت بن مالك الخروصي (الثالث الهجري/ التاسع الميلادي) إلى قادة حملته على جزيرة سقطرى يأذن له بقطع صحبته وإخراج من العسكر وقطع النفقات والإدام من كان ” منهم اللهو باللعب أو الغناء(5) “. وقد واجه هذا الفكر تحدياً جدياً زعزع شيء من هيمنته وسطوته من قبل بعض سلاطين الدولة البوسعيدية حكام جزيرة زنجبار(6). ولكن أعمق هذه الإصلاحات وأكثرها تأثيراً في هذا السياق تلك التي قام بها جلالة السلطان قابوس بن سعيد حفظه الله الذي تولى حكم سلطنة عُمان عام 1970.
وكان أئمة عُمان يسمحون في مجالسهم بأداء نوع من الغناء لا يستعمل فيه الآلات الموسيقية يعرف ” بقراءة الشعر بالتنغيم “(7)؛ هو تعبير يتفادى استعمال كلمة ” غناء “، حيث يقوم الشعراء والحفّاظ أصحاب الأصوات الحسنة بقراءة/غناء قصائدهم أو قصائد غيرهم الفصحى للتسلية في هذه المجالس التي يحضرها أشخاص يمثلون أعيان ورموز الدولة العُمانية، كما لا يجد بعض هؤلاء الشعراء حرجاً والمشاركة في غناء المالد ذو الخصائص الصوفية(8)، وهذا ربما يفسر قبوله في ولايات محافظة الداخلية معقل الثقافة التقليدية العُمانية.
إن من أهم مصادر مرحلة عُمان الإسلامية الموسيقية هي المصادر العُمانية المكتوبة (الكتب التاريخية، والفقهية.. الخ)، وكتابات الرحالة الأوروبيين، والتسجيلات السمعية التي ظهرت حوالي منتصف القرن العشرين، وروايات الموسيقيين العُمانيين التي تمدنا ببعض البيانات تصل إلى حوالي القرن التاسع عشر الميلادي (9)
وتفيدنا المصادر التاريخية المكتوبة التي اطلعنا عليها ببيانات متنوعة عن دور ومكانة الموسيقى في النشاط الاجتماعي والثقافي تعود لفترات زمنية مختلفة، وفي الغالب نجد هذه البيانات في تلك المصادر عند الحديث عن الوقائع العسكرية بين القوى المتصارعة وأنواع الاحتفالات والحشد والاستعداد للهجوم على الخصم. وقد كانت ” الأحداث العسكرية والصراعات السياسية على الدوام موضوعاً أساسياً من موضوعات الغناء والشعر (10) “، لهذا تحتفظ عدد من القبائل العربية العُمانية بعدد من الآلات الإيقاعية وأبواق مصنوعة من قرون حيوانات المها أو الوعول تستعملها في تلك الظروف لأداء الرزحة والعازي والعيالة، والمناداة إلى الاجتماعات والإعلانات عن الأمور المهمة من قِبل الحكام من الولاة وغيرهم. وفي محافظة مسندم شمال عُمان يحرص الكثير من الأفراد على الاحتفاظ في منزله بطبل أو أكثر من نوع طبل العود (الطبل الكبير) ويمارس العزف عليه في أنواع غناء الرواح.
والواقع أن المصادر التاريخية المكتوبة بما في ذلك كتابات الرحالة تشكل أهمية لجمع أخبار الموسيقى في هذه المرحلة، ولكن متابعتها تحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد، من ذلك مثلاً: ما ذكره ابن بطوطة في زيارته لمدينة ظفار(11) عن المظاهر التي تصاحب خروج حاكمها الرسولي من قصره في القرن الثالث عشر الميلادي، أو عند استقبال السفن التجارية التي تأتي من الهند أو غيرها يخرج خدم السلطان إلى الساحل ويبحرون في زوارقهم ” الصغيرة إلى حيث يرسو المركب ومعهم الكسوةُ الكاملةُ لصاحبِ المركبِ أو وكيله، ولقائدِ المركبِ أو ربانها ولكاتب المركب الذي يتولى حساباته. بعدَ تقديم الهدية يتوجهُ الثلاثُ إلى البر حيث يجدون في انتظارِهم ثلاثةَ جياد تمضي بهم إلى المدينة وقد تقدمتهم فِرقةٌ من العازفين ينفخون الأبواقَ ويقرعون الطبول حتى يصل الركب إلى دار السلطان (12)
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما ذكرناه بشأن أهمية المصادر المكتوبة لدراسة التطورات الثقافية المؤثرة على النشاط الموسيقي في المرحلة الإسلامية، فإنه في المقابل تزداد أهمية الرواية الشفهية والتسجيلات السمعية المحفوظة في مركز عُمان للموسيقى التقليدية وإذاعة وتلفزيون سلطنة عُمان والأفراد وشركات الإنتاج الموسيقي للدراسة والتأريخ للنشاط الموسيقي منذ مطلع القرن العشرين.
وبناء عليه فإن هذا التنوع في المصادر وخاصة منذ مطلع القرن العشرين مؤشر إلى توفر ظروف جيدة للشروع في كتابة جزء مهم من تاريخ الموسيقى العُمانية حيث يبرز في هذه الفترة نشاط العوادين العُمانيين وفي مقدمتهم الفنان سالم بن راشد الصوري الذي أقدم في الخمسينات من القرن العشرين على تأسيس شركة إنتاج وتوزيع فني ” سالم فون” قبل نقل أعمالها من الهند إلى البحرين بعد نجاح أغانيه وتسجيلاته الأولى عام 1945 في مدينة مومبي مع شركة His Master’s Voice البريطانية.

عُمان الحديثة
وعلى الرغم من أن المصادر الشرق أفريقية ذات الصلة بالتراث الثقافي العُماني وجنوب الجزيرة العربية نتوقع ـ لو أتيح جمعها ودراستها ـ أن تكشف واقع موسيقي مختلف قد يجعلنا نعدّل في بعض آرائنا الحالية، خاصة فيما يتصل بحجم وأثر إصلاحات بعض السادة البوسعيديين التنويرية منذ القرن التاسع عشر الميلادي مثل: السلطان برغش بن سعيد (ت. 1887م ) الذي نجد ضمن برنامجه اليومي حضور مطربين لضرب بعض الأصوات الموسيقية، وتخصيصه أوقات محددة في مجلسه يومي الخميس والاثنين للمطربين الأتراك(13)، إلاّ أن هذه الإرهاصات الإصلاحية المبكرة ذات الصلة بالموقف من الموسيقى أصبحت أمراً واقعاً في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه.
إن فكر جلالته حفظه الله ورعاه أثّر تأثيراً عميقاً على الواقع الموسيقي المعاصر وتوجهاته المستقبلية؛ فقد أمر جلالته حفظه الله بإنشاء العديد من المؤسسات الموسيقية التي تختص بالموسيقات العُمانية والعربية والأجنبية. وكانت الفرقة السلطانية للموسيقى والفنون الشعبية ـ وهي بمثابة معهد للموسيقى العربية ـ الأقدم من بين جميع المؤسسات الموسيقية العُمانية المدنية. وفي 1984 تم تأسيس مركز عُمان للموسيقى التقليدية كأول مؤسسة موسيقية عُمانية مختصة بالجمع والتوثيق وإعداد ونشر البحوث الموسيقية وإقامة الفعاليات العلمية المتخصصة، وتم نقل تبعيته في إبريل من عام 2013 من وزارة الإعلام إلى مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم بديوان البلاط السلطاني. وفي عام 1985 أنشأ جلالته حفظه الله الأوركسترا السيمفونية السلطانية وشملها برعايته السامية المباشرة، وأمر في عام 2009 بتأسيس جمعية هواة العود، وفي عام 2011 افتتح جلالته حفظه الله دار الأوبرا السلطانية في مسقط.
وتخرج خلال السنوات الماضية عدد من الموسيقيين الشباب من جامعات ومعاهد موسيقية عربية وأجنبية، وحصل بعضهم على درجات أكاديمية عالية في العلوم الموسيقية، كما تم إدخال الموسيقى إلى نظام التعليم العام والأكاديمي.
وهكذا نحن نتحدث اليوم عن عدد من المؤسسات الموسيقية القائمة في العاصمة مسقط وبعض المدن العُمانية، وتعليم موسيقي وأنشطة فنية متنوعة، وتطور هائل في وسائل الاتصال المسموعة والمرئية.
والجدير بالذكر في هذه المناسبة التاريخية إن أول تظاهرة علمية موسيقية في التاريخ العُماني هي الندوة الدولية التي أقامها مركز عُمان للموسيقى التقليدية في عام 1985 برعاية كريمة من صاحب السمو السيد المرحوم بإذن الله فيصل بن علي آل سعيد وزير التراث القومي والثقافة، وبمبادرة من معالي المستشار أطال الله في عمره عبد العزيز بن محمد الرواس وزير الإعلام ومؤسس المركز في ذلك الوقت.

تنوع الجذور والصلات الثقافية
وقد لاحظنا في دراسات سابقة (14) أن العاصمة مسقط وهي المركز السياسي والاقتصادي الذي تُدار منه الدولة منذ أكثر من قرنين تشكل ملتقى هذا التنوع الثقافي الموسيقي حيث تجتمع فيها كل أنواع الموسيقات العربية الجذور الأفريقية والآسيوية. لذلك كلما اتجهنا من العاصمة مسقط بمحاذاة ساحل بحر عُمان شمالاً تزداد مؤشرات العناصر الثقافية الأسيوية في المقابل تبرز العناصر الأفريقية جنوباً على طول ساحل بحر العرب باتجاه ظفار واليمن، فيما تختفي تدريجياً هذه العناصر الثقافية جميعها في المناطق الداخلية والصحراوية.
إن هذا الواقع الثقافي الثري لا يزال بحاجة إلى الكثير من الجهد لتقييمه، وفي هذا السياق نلاحظ أن معظم الفنون الموسيقية ذات المنشأ الأفريقي انصهر أدبها في اللغة العربية، ولم يبقى من لغاتها المحكية وشعرها المغنى إلا القليل المتوارث لا يفهم معناه في أغلب الأحيان، ولكنها مع كل ذلك تحتفظ هذه الموسيقات بروح إيقاعاتها الأفريقية النشطة وبعض سلالمها النغمية وآلاتها الموسيقية، وتمارس في مناسبات مختلفة يتصل بعضها برواسب ثقافية غيبية قديمة تحرص هذه المجموعات الزنجية على استحضارها باعتبارها توفر مناخات معينة تشكل جزء أساسي من مناسبات الأداء.
في المقابل نلاحظ أن الفرع الآسيوي متعدد اللغات، وتتكئ فنونه الغنائية على أدب مكتوب (وغير مكتوب) متصل الجذور مع الثقافات الآسيوية في جنوب غرب آسيا وخاصة منطقتي بلوشستان ومكران وإيران والهند.
وبشكل عام نعتقد أن الصلات العُمانية مع آسيا الغربية (الهند وفارس) أقدم من تلك التي مع الشرق الأفريقي حيث تبادلت هذه الأطراف الهجرات السكانية في فترات زمنية مختلفة، إضافة إلى أن القوى الكبرى النشطة في المنطقة مثل: فارس والهند وعُمان تبادلت عبر القرون الماضية السيطرة على المناطق الساحلية المطلة على بحر عُمان والخليج العربي، وكانت عُمان في بعض فتراتها التاريخية تتصل بالهند براً عبر منطقة جوادر البلوشية التابعة لباكستان اليوم.
وفي هذا السياق اخترنا ثلاث محافظات عُمانية للمقارنة بينها بهدف استكشاف الصلات الثقافية لعدد من فنونها الموسيقية المميزة المحلية الجذور والآسيوية والأفريقية.
فوجدنا أننا أمام تنوع ثقافي واضح المعالم متجذر في الواقع الاجتماعي للمحافظات المطلة على بحر العرب وبحر عُمان، ولعل من الأهمية في هذه المناسبة التأكيد على أن مفهوم الهوية الثقافية لهذا الواقع العُماني المتنوع يقع تحت مظلة اللغة العربية، والثقافة الإسلامية بخصوصيتها العُمانية، وفي هذا الإطار تحتفظ المجتمعات المحلية بهوياتها ولغاتها المحكية والمكتوبة ولهجاتها المختلفة وأنماطها الموسيقية وآلاتها المستعملة وغير ذلك من أنماط الحياة والفنون التقليدية.

مشروع التأريخ للموسيقى العُمانية بين الطموح والتحديات
في أغسطس من عام 1985 قدم الدكتور يوسف شوقي عدداً من النسخ الفاخرة إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه تقريره عن مشروع جمع وتوثيق الموسيقى التقليدية العُمانية(22)، وقد كان هذا التقرير أول وثيقة مكتوبة عن الموسيقى التقليدية العُمانية.
وكان الدكتور شوقي قد حصر في ذلك التقرير بجانب الأنماط الغنائية ومناسباتها، والآلات الموسيقية أكثر من ألف ممارس للموسيقى التقليدية كان من بينهم عدد من أعلامها.
ولما كان مركز عُمان للموسيقى التقليدية منذ تأسيسه مبادراً إلى العديد من المشاريع العلمية ابتداءً من الجمع والتوثيق وليس انتهاء بكتاب معجم موسيقى عُمان التقليدية حيث زوّد المركز المكتبة العُمانية بعددٍ من الإصدارات الموسيقية التي أصبحت مراجع ومصادر لدارسي الموسيقى التقليدية العُمانية، فإننا في هذه المناسبة نتطلع إلى متابعة هذه الجهود باعتبارها البداية نحو تحقيق هدف كتابة تاريخ الموسيقى العُمانية. إن هذه المسألة ليست باليسيرة وتواجه الكثير من المصاعب لعل أبرزها ضخامة حجم العمل واعتماده على الروايات الشفهية، وما يتطلب ذلك من تحقيق ومقارنة، وجمع وإعادة جمع من الميدان أو من المصادر المكتوبة وغير المكتوبة وخاصة للمرحلتين عُمان القديمة والإسلامية.
إن الهدف الأساسي الذي نسعى إليه الآن هو أن لا يتكرر الوضع السابق ـ أي عدم التوثيق ـ مع مرحلة عُمان الحديثة التي تبدأ من السبعينات من القرن العشرين وفيها ظهرت ـ إلى جانب الموسيقى التقليدية ـ الموسيقى العُمانية الحديثة كفرع من فروع الموسيقى العُمانية. إن الكثير من ممارسي هذه الموسيقى لا يزالون على قيد الحياة، كما أنها كانت المادة الموسيقية الأساسية للإذاعة والتلفزيون منذ ظهورهما في السبعينات من القرن العشرين حيث تضم مكتبتيهما مئات الآلاف من التسجيلات التي لا تشمل فقط الحوارات مع الموسيقيين العُمانيين بشأن تجاربهم الغنائية وسيرهم الذاتية فحسب، بل وكذلك يمكن للباحث متابعة تطوّر أساليب الأداء الفني التي شهدتها هذه المرحلة.
وفي سياق التحضير لمشروع كتابة تاريخ الموسيقى العُمانية سيبدأ مركز عُمان للموسيقى التقليدية إعداد ونشر بعض الإصدارات ذات الأهمية التوثيقية والإحصائية وأول هذه الإصدارات كتاب: الدليل المصوّر لأنماط الموسيقى التقليدية وآلاتها ومناسبات أدائها، وتقع أهمية هذا الكتاب الدليل أنه يضم حصراً شاملاً بالصور لجميع أنماط الموسيقى التقليدية وآلاتها وتاريخ وأماكن توثيقها بالمركز.
كما نخطط أيضاً الشروع في إعداد ونشر دليل الموسيقيين الممارسين للموسيقى التقليدية وأعلامها، وإعادة طباعة معجم موسيقى عُمان التقليدية.
إلى جانب ذلك نعمل على استكمال الجمع الميداني والتوثيق وتطوير أرشيف المركز ليضم التالي:
* التسجيلات والوثائق المكتوبة والصور الضوئية من الأشخاص والصحف والمجلات العُمانية.
* نُسَخ من التسجيلات الموسيقية العُمانية المحفوظة في مكتبتي الإذاعة والتلفزيون.
* التنسيق مع الجهات الحكومية المعنية على إيداع نسختان من كل إنتاج موسيقي عُماني جديد في أرشيف مركز عُمان للموسيقى التقليدية.

المصادر والمراجع
1. راجع، سلسلة مطبوعات مركز عُمان للموسيقى التقليدية 6 ـ الموسيقى التقليدية العُمانية والتراث العربي: من الغناء واللعب التقليدي العُماني، مسلم بن أحمد الكثيري. 2002.
2. راجع، يوسف شوقي مصطفى: معجم موسيقى عُمان التقليدية. إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية ـ وزارة الإعلام 1989.
3. راجع الهمداني، الحسن بن أحمد: صفة جزيرة العرب. تح. محمد بن علي الأكوع الحوالي. مكتبة الإرشاد ـ صنعاء 2008.
4. راجع: مغامرات ابن بطوطة، إعداد راجي عنايت. المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ـ لبنان الطبعة الأولى 1988.
5. راجع، بن رزيق، حميد بن محمد: الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين. تحقيق عبد المنعم عامر، ود. محمد مرسي عبد الله. الطبعة الخامسة 2001.
6. راجع، الكثيري، مسلم بن أحمد: الموسيقى العُمانية مقاربة تعريفية وتحليلية ” إصدار وزارة الإعلام 2005
7. راجع، يوسف شوقي مصطفى: التقرير النهائي لمشورع جمع وتوثيق الموسيقى التقليدية العُمانية. 1985.
8. راجع، يوسف شوقي مصطفى: معجم موسيقى عُمان التقليدية. إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية ـ وزارة الإعلام 1989.
9. سيرج كلوزيو، وموريسيو توزي: في ظلال الأسلاف، مرتكزات الحضارة العربية القديمة في عُمان، ترجمة، أ.د. عباس سيد أحمد علي. إصدار وزارة التراث والثقافة بدون تاريخ.
10. الكثيري، مسلم بن أحمد: الدليل المصور.. أنماط الموسيقى التقليدية العُمانية آلاتها ومناسبات أدائها. تحت الطبع
11. الكثيري، مسلم بن أحمد: جذور غناء العوادين العُمانيين وتطوره. مجلة نزوى العدد السبعون إبريل 2012.
12. المرجع، الكثيري، مسلم بن أحمد: دراسة في ألحان جمعان ديوان. الدراسة غير منشورة وتم إعدادها بدعوة من النادي الثقافي وقدمها الباحث في ندوة بمدينة صلالة عن الشاعر والمغني العُماني جمعان ديوان في 9 يوليو 2012.
13. ولد وزير، سعيد عبدالله: الأدب الشعبي في بلاد الشراع .. ديوان سعيد عبد الله ولد وزير. جمع وتحقيق سالم بن محمد الغيلاني . مطابع أخبار اليوم 1985.

الهوامش

1) ) راجع: الكثيري، مسلم بن أحمد: الدليل المصور .. أنماط الموسيقى التقليدية العُمانية وآلاتها ومناسبات أدائها. تحت الطبع
2) ) سيرج كلوزيو، وموريسيو توزي: في ظلال الأسلاف، مرتكزات الحضارة العربية القديمة في عُمان، ترجمة، أ.د. عباس سيد أحمد علي. إصدار وزارة التراث والثقافة بدون تاريخ ص 92.
3) ) راجع: الكثيري، مسلم بن أحمد: الدليل المصور .. أنماط الموسيقى التقليدية العُمانية وآلاتها ومناسبات أدائها. تحت الطبع

4 ) ) راجع الهمداني، الحسن بن أحمد: صفة جزيرة العرب. تح. محمد بن علي الأكوع الحوالي. مكتبة الإرشاد ـ صنعاء 2008. ص 343-345.
5 ) ) راجع، الكثيري، مسلم بن أحمد: الموسيقى العُمانية مقاربة تعريفية وتحليلية ” إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية عام 2005. ص 38 نقلاً عن كتاب الإمام السالمي، نور الدين عبد الله بن حميد: تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان. الجزء2. ص 179.
6 ) ) راجع، الكثيري، مسلم بن أحمد: الموسيقى العُمانية مقاربة تعريفية وتحليلية ” إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية عام 2005. ص 64
7 ) ) المرجع: حوار خاص أجراه الباحث مع الشاعر الشيخ المرحوم علي بن محسن السوطي 2009
8 ) ) المرجع: حوار خاص أجراه الباحث مع الشاعر الشيخ المرحوم علي بن محسن السوطي 2009
9) ) راجع، الكثيري، مسلم بن أحمد: البلاد السعيدة .. قراءة في تدوينات برترام توماس الموسيقية، مجلة نزوى العدد 75. 2013 ص 13.
10 ) ) راجع، الكثيري، مسلم بن أحمد: الموسيقى العُمانية مقاربة تعريفية وتحليلية ” إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية عام 2005. ص 48
11 ) ) راجع، الكثيري، مسلم بن أحمد: المرجع السابق . ص33
12 ) ) راجع، عناية، راجي: مغامرات ابن بطوطة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. الطبعة الأولى 1988. الصحراء المهجورة، ص 24.
13 ) ) راجع، الكثيري، مسلم بن أحمد: الموسيقى العُمانية مقاربة تعريفية وتحليلية ” إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية عام 2005. ص 64.
14 ) ) راجع: الكثيري، مسلم بن أحمد: الدليل المصور .. أنماط الموسيقى التقليدية العُمانية وآلاتها ومناسبات أدائها. تحت الطبع
15) ) سيروان: واقف وجالس.
16) ) كونزاك: واقف وجالس
17) ) يؤدي في فصول كل منها يتكون: رواية، منظومة، هوامة، توحيد.
18) ) ليوا، سباتا، بوم، كتميري.
19) ) شوباني: أصوات متعدد مثل: الصلي، رفع الباورة، نزغ الشراع.
20) ) باكت: تمثيل وعرائس
21) ) الميدان: يويوه، تديورة، تغريب.
22) ) راجع، أ. د يوسف شوقي مصطفى: جمع وتوثيق الموسيقى التقليدية العًمانية ـ التقرير النهائي 1985. غير منشور.

* ورقة ألقيت في الملتقى الأول للمؤرخين الموسيقيين العرب “نحو قراءة جديدة في تأريخ الموسيقى العربية ” الذي عقد في مسقط ديسمبر الماضي

مسلم بن أحمد الكثيري

إلى الأعلى