الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الناقد الأدبي إبراهيم خليل لـ”أشرعة”: الشعر حين يغرق في السياسة المباشرة والأيدولوجيا يفقد شعريته ويغدو شعارات

الناقد الأدبي إبراهيم خليل لـ”أشرعة”: الشعر حين يغرق في السياسة المباشرة والأيدولوجيا يفقد شعريته ويغدو شعارات

دمشق ـ وحيد تاجا:
يؤكد الناقد الدكتور ابراهيم خليل أن الشعر حين يغرق في السياسة المباشرة والأيدولوجيا يفقد شعريته ويغدو شعارات. وحول اتهام الشعر الفلسطيني بالمرحلية يضيف في حوار مع “اشرعة” أن الشعر الصادق في تعبيره عن مرحلته، أو عن منعطفه التاريخي، هو الشعر الذي يبقى، ويدوم أثره، خلافا للشعر الزائف المفتعل الذي لا ينم عن صدق، فهو بالفعل تزول آثاره بزوال مرحلته. ويرى في آت انتقاده لقصيدة النثر انها تكتب لتقرأ لا لتلقى.
والناقد إبراهيم خليل مواليد 1948 حاصل على دكتوراه في النقد الأدبي عام 1991 ويعمل أستاذا لمادة النقد الأدبي الحديث في الجامعة الأردنية.
صدرت له مؤلفات عدة منها: بنية النص الروائي ـ واقع الدراسات النقدية العربية في مائة عام ـ في نظرية الأدب وعلم النص ـ ظلال وأصداء أندلسية في الأدب المعاصر ـ محمد القيسي الشاعر والنص ـ محمود درويش قيثارة فلسطين ـ جبرا إبراهيم جبرا الأديب الناقد ـ تيسير سبول من الشعر إلى الرواية ـ من معالم الشعر الحديث في فلسطين والأردن ـ الضفيرة واللهب دراسات في الشعر القديم والمعاصر. ومن الكتب التي يتتبعُ فيها المؤلف تجربته في النقد كتاب “إبراهيم خليل ناقدا” الصادر عن دار أمواج بعمّان 2013. وقد جمع مواده، وحرره، الدكتور زياد أبو لبن.

* لنتفق بداية على تعريف الشعر الفلسطيني اليوم هل مازال شعر القضية الفلسطينية بغض النظر عن جنسية الشاعر، ام انه اصبح مرتبطا بالشعراء الفلسطينيين تحديدا وبالتالي ما هي المعايير التي تجعل من قصيدة ما قصيدة فلسطينية ؟
** المتنازعون في أمر الشعر الفلسطيني كثيرون فبعض الكتاب يرون أن كل ما كتب عن فلسطين والمسألة الفلسطينية هو في نهاية المطاف أدب فلسطيني، فلو أن كاتبا أوروبيا أو أميركيا كتب رواية أو قصائد تروي وقائع تتصل بفلسطين، فإن هذا الأدب فلسطيني. غير أن فريقا آخر يضفي على السؤال طابع الهوية، فالأدب الفلسطيني هو ذلك الأدب الذي كتبه ويكتبه فلسطينيون سواء أكانوا في داخل فلسطين أم متفرقين في الشتات والمنافي. ولهذا يعد ما كتبه إدوارد سعيد أدبا فلسطينيا وإن أقام في أميركا وتجنس بالجنسية الأميركية . والأمران ليسا متباعدين، ومن حقنا أن نتعامل مع الشعر الذي كتبه أي شاعر عربي عن فلسطين، باعتباره شعرا فلسطينيا أيا كان مسقط الرأس وأيا كانت الهوية.
* إذا كان الشعر الفلسطيني يدور حول قضية وطنية تاريخها مستمر منذ قرابة قرن من الزمن فكيف يمكن التعبير عن هذه القضية دون الوقوع في شراك التكرار والقول العائم، بمعنى كيف يمكن اختزال التاريخي من اليومي، ومتى يكون الشعر جزءاً عضوياً من الهوية الوطنية ؟
** صحيح أن الشعر الفلسطيني يدور في أكثره حول قضية وطنية مستمرة منذ قرن تقريبا ولكن هذا لا يؤدي حتما للتكرار إلا إذا كان الشعر شعر مناسبات كالنظم في رثاء شهيد أو نتيجة معركة أو الإفراج عن أسير وأنا أحسب أن هذا كله قد أصبح من الماضي، فالشعر اليوم لا يتوقف عند مناسبة معينة، ولكنه يتناول القضية فيما يتناوله الشاعر من شؤون تبدو له خاصة، وذاتية، كموضوع الحب مثلا، أو موضوع الحياة والموت، أو علاقة الإنسان بالإنسان، أو الأنا بالآخر، أو موقف الشاعر من الوجود. وهذه أطر وفضاءات يستطيع أن يحلق فيها الشاعر وأن يمتزج فيها الخاص بما هو عام ووطني ونضالي. خذ على سبيل المثال قصيدة سميح القاسم بطاقات معايدة للجهات الست. تبدو القصيدة وكأنها تتحدث عن المعذبين في الأرض حيثما كانوا ولكن الشاعر بإشارة واحدة في نهاية القصيدة جعل هذا كله رمزا لعذابات الفلسطينيين.
* يرى أحد النقاد ان الإنجاز الأهم للشعر الفلسطيني الحداثي، تمثل في خروجه من السياسي الأيدلوجي إلى فضاء الإنساني ؟
** ليس لدي أدنى ريب في أن هذا صحيح، فالشعر حين يغرق في السياسة المباشرة والأيدولوجيا يفقد شعريته ويغدو شعارات، وللأسف، لدينا عدد غير قليل من الشعراء الذين وقعوا في هذا الفخ. مثلما لدينا شعراء نجحوا في التحرر من تلك النظرة التقليدية الجامدة لمهمة الشاعر ووظيفة الشعر. فعلى سبيل المثال كانت أشعار محمد القيسي المبكرة وأشعار سميح القاسم ومحمود درويش وعزالدين المناصرة امتدادا لشعر أبي سلمى وكمال ناصر ومعين بسيسو غير أن هؤلاء الشعراء تخلوا عن تلك القاعدة التي تقول بضرورة أن تكون القصيدة تظاهرة، وتخلوا عن الحدة التي اتصفت بها شواظ بسيسو النارية، واقتربوا من القصيدة التي تتضمن رؤيا كونية للصراع. وغدت القصيدة عملا فنيا يعبر عن أيدولوجيا الشعر لا عن أيدولوجيا السياسة.
* في ذات السياق، يلاحظ ابتعاد الكثير من الشعراء الفلسطينيين، بشكل خاص، عن الموضوع الفلسطيني في الآونة الأخيرة، وتقوقعهم أكثر فأكثر حول ذاتهم . كيف تفسر هذا التوجه؟!
** هذا الانكفاء على الذات والتقوقع بعيدا عن السؤال الأهم وهو سؤال الوطن وسؤال المقاومة له أسبابه العديدة فقد تراجع خيار المقاومة بعد اتفاق أسلو وظهور سلطة تناصب المقاومة والمقاومين العداء أو لا يعنيها سؤال المقاومة من بعيد أو من قريب وللأسف بات المثقفون في الأراضي المحتلة أسرى لدى هذه السلطة علاوة على هذا فإن المزاج العام في المنطقة على امتداد الوطن العربي خبا دعمه للمقاومة واختلط على الإنسان العربي عامة وعلى المثقف والشاعر بصفة خاصة المقاوم بالمزايد وبالمراهن على السلم الناقص وبالمراهن على تحرير الأرض الفلسطينية والعودة. إن هذا الاختلاط يؤدي إلى نوع من الفوضى وهذه الفوضى ألقت بظلالها على الشعر وعلى النثر وأصبح حديثك عن شعر المقاومة وأدب المقاومة مثيرا للسخرية لدى بعض الأوساط. لهذا كله لا يلام الشاعر الذي يفترض أن يكون أكثر حساسية تجاه الحوادث إذا عانى من بعض التقوقع والانكفاء على الذات.
* بالتالي، وفي ظل البحث عن ذاتية الشاعر وعدم المباشرة، هل تظن أن الشاعر الفلسطيني ستكون له نفس الشهرة وسيكون لشعره نفس الصدى والانتشار، لاسيما وان البعض يقول إن الشعر الفلسطيني شعر مرحلي وسيزول بمجرد انتهاء القضية الفلسطينية؟
** أما أن تكون شهرة الشاعر الفلسطيني بنيت على أساس أنه اعتلى صهوة القضية وتاجر بها حتى حقق شهرة كبيرة، فهذا يعني أنه ليس شاعرا. وثمة نماذج من هذا النوع فعلا، فالمتوكل طه على سبيل المثال من هذا النمط، بيد أن الشاعر الحقيقي مثل فواز عيد أو مريد البرغوثي أو عز الدين المناصرة أو فدوى طوقان أو محمود درويش أو سميح القاسم، قد حققوا ما حققوه بمزايا فنية ولغوية طبعت بها أشعارهم، فلمعت أسماؤهم، وكتبت عنهم الدراسات لمواقعهم المتميزة في الشعر العربي بصرف النظر عن كونهم شعراء قضية فلسطين أم لا. ولا أتوقع أن يقال مثل هذا عن الشعر الفلسطيني؛ أي أنه شعر مرحلي لكون الشاعر ها هنا شاعر أولا، ثم صاحب قضية بعد ذلك، فإذا حلت القضية، وهذا ما نتمناه، فسيبقى الشعر. وتاريخ الأدب يقدم لنا أمثلة، فشعر المقاومة الذي ظهر في فرنسا إبان الاحتلال النازي علي أيدي اراغون، وإبلوار، وغيرهم يحتفظ حتى اليوم بقيمته، وكذلك الشعر الذي قيل في حرب فيتنام لا يزال على ما كان يتمتع به من قيمة، وكذلك الشعر الذي قيل في أثناء الحرب الأهلية في إسبانيا، وما شاع فيه من نبرة السخط ضد الفاشية التي قادها فرانكو وغيره، لا يزال يعد مصدر فخر وزهو في الأدب الإسباني الحديث. والجميع ما زالوا يحتفلون بأشعار لوركا ومسرحياته. وهنا لا بد من التنبيه على أن الشعر الصادق في تعبيره عن مرحلته، أو عن منعطفه التاريخي، هو الشعر الذي يبقى، ويدوم أثره، خلافا للشعر الزائف المفتعل الذي لا ينم عن صدق، فهو بالفعل تزول آثاره بزوال مرحلته، شأن الأشعار التي نظمها شوقي في أبناء محمد علي.
* كيف ترى واقع قصيدة النثر الآن، لاسيما ان من يهاجمها يقول إنها بلا موسيقى، ويرى أن الشعر هو اللغة المتزوجة زواجا شرعيا طبيعيا جدا من الموسيقى في حين إن النثر يجاور الموسيقى، يقاربها، يتحدث إليها، ولكنها ليست من صميم كيانه بالذات ؟
** إشكالية قصيدة النثر أنها بعد مرور قرن تقريبا على ظهورها على يدي أمين الريحاني في هتاف الأودية وتوفيق بكري في صهاريج اللؤلؤ والجيل اللاحق من جبرا إبراهيم جبرا وأنسي الحاج وشوقي أبو شقرا ومحمد الماغوط وغيرهم، لا تزال كاللقيط الذي يبحث لنفسه عن شرعية وسط مجموعة كبيرة من الأولاد غير الشرعيين. تبدأ الإشكالية من الاسم قصيدة نثر. إذا هذه التسمية تنفى عنها أن تكون شعرا. مرورا بطبيعة النسيج القائم على الاستخفاف والاستهتار بما هو مألوف من أساسيات الكتابة، فتجد بعضهم يكتب كلاما نثريًا، نعم، لكنه متداخل، ولا يسهم في التعبير عن معنى ما، علاوة على أن شكل هذه النصوص غير منضبط ، فلا تدرك الفرق بين نهاية النص وبدايته النص، بمعنى أن النص لا يتحرك بك عبر نقطتين، إحداهما الاستهلال والثانية النهاية أو الذروة، ومثل هذا كثير. وقد أتاح البناء الفوضوي لقصيدة النثر لكل من هب ودب أن يكتب أي شيء ويطلق عليه اسم قصيدة نثر. يضاف إلى هذا كله أن قصيدة النثر تكتب لتقرأ لا لتلقى، ومع ذلك يحاول من يكتبونها المشاركة في القراءات الشعرية، فيصبح إلقاؤهم لها سببًا كافيا للسخرية، والزهد في سماع الشعر كله. وهذا شيء يؤسف له جدا.
* يرى الشاعر عثمان حسين بان شاعر “الشعر الحر” أو “قصيدة النثر” ليس بحاجة لمعرفة الأوزان الشعرية (العروض) التي تلزم شاعر العمودي أو التفعيلة فهما ـ حسبما يرى ـ شكلان شعريان لهما خصوصيتهما التي لا علاقة لها بالوزن والقافية إلا عفواً، ما رأيك أنت في هذا الأمر؟
** قد يقول الشاعر الشعر من غير معرفة مسبقة بالأوزان والقوافي وقد يهتدي إلى ذلك بالحدس والذوق فيستقيم الوزن لديه دون معرفة بأن هذا الوزن من هذا البحر أو ذاك، وقد درج على ذلك الشعراء في القديم، لكن ما يقوله الشاعر عثمان شيء آخر، وهو أن قصيدة الشعر الحر، أي الشعر القائم على وحدة التفعيلة بدلا من وحدة البحر، أو وحدة البيت، لا تتطلب من الشاعر التقيد بوزن، طالما أنها قصيدة من نوع آخر غير النوع الكلاسيكي الذي عرفناه في شعر شوقي وحافظ وعمر أبو ريشة وبدوي الجبل والجواهري. وهو يعمّمُ هذا على قصيدة النثر باعتبارها هي الأخرى نوعا شعريا مختلفا. في رأيي الذي عبرت عنه في دراسة كتبتها منذ أمد بعيد أن الشعر الذي يخلو من الموسيقى والإيقاع قد يكون ـ في شيء من التسامح والتحفظ ـ شعرا، ولكنه لا يرقى إلى مستوى الشعر الرفيع إلا إذا جمع مع شعرية النثر شعرية الوزن، وشعرية الإيقاع، والتقفية، فهذه عناصر ليست حلية يمكن التخلي عنها في أي وقت، وإنما هي في رأيي عناصر لها جذور في البنية العضوية للنص الشعري. وهي التي تحدث في لغة الشعر انقلابًا يجعل منها لغة تختلفُ عن لغة النثر ، هذا على الرغم من أن بعض النثر لا يخلو من الموسيقى، فكيف يراد للشعر أنْ يخلو من ذلك؟ لقد أوضحت في دراسة لي تناولت فيها شعر القيسي أن الشعراء الذين برعوا في كتابة الشعر الموزون والمقفى وشعر التفعيلة هم وحدهم الذين برعوا في كتابة ما يسمى قصيدة نثر ، ذلك لأن الذائقة الصوتية والموسيقية التي يمتلكونها تساعدهم على ممارسة الكتابة النثرية التي تشنف الآذان بما فيها من إيقاع.
* كيف ترى تعامل الشاعر الفلسطيني مع ثنائية التراث والمعاصرة، وإلى أي مدى نجح في المزواجة بينهما، وبالتالي إلى أي مدى يمكن أن يساهم التراث الشعري في خلق صيغ جديدة، وهل تتطور الصيغ فعلاً مع تطور العصر؟
** التراث والمعاصرة، أو الأصالة والمعاصرة، تعبيران سئم المتحدثون من تكرارهما بمناسبة أو دون مناسبة، ومن الوهم أن نعدهما ثنائية، فلا معاصرة بلا تراث، ولا تراث بلا معاصرة. فالفن عمومًا، والأدب على وجه الخصوص، يمثل التراث بالنسبة لهما الذاكرة بعيدة المدى، فيما يمثل الحاضر بما فيه من معاصرة ذاكرتهما النشطة والآنية، وبما أن العقل الإنساني لا يكتفي بالذاكرة بعيدة المدى، ولا بالذاكرة النشطة، وإنما لا بد منهما معا لكي يواصل عمليات الإدراك، واكتساب المعرفة، ومهارات التحليل، والتقييم، والاستنتاج، فكذلك الشاعر لا بد من أن يمزج في تكوينه معطيات التراث الأدبي والفكري والثقافي، بما يخوضه هو من تجارب، وما يكسبه من خبرات على المستوى المعرفي، والإبداعي. فعندما يكتب الشاعر قصيدة لا يضع خطوطا فاصلة بين ما هو تراثي وما هو غير تراثي، ومن المناسب هنا أن نذكّر بمقولة إليوت في مقالة له بعنوان: التراث والموهبة الفردية ” إن الشاعر العظيم هو الذي تسمعه وتسمع في صوته أصوات الأسلاف، أي: من سبقوه من الشعراء الكبار، ويضيف: فالشاعر العظيم هو الخلاصة المستصفاة للحضارة. بهذا أفهم معادلة الأصيل، والمعاصر. فالحداثة لا تتنافى مع الانبثاق من الماضي.
* الحديث هنا يجرنا الى السؤال عن سبب عدم حسم موضوع الحداثة في الشعر أو في الأدب عمومًا بين مثقفينا حتى الآن ؟
** أعتقد أن مفهوم الحداثة مفهوم يخضع لاعتبارات عدة، فبعضهم يرى الحداثة في الجانب المعرفي للأدب، شعرا ونثرا. وبعضهم يرى الحداثة في الجانب الشكلي، فيعد الخروج على البنية العروضية التقليدية وحده ضربًا من الحداثة، فيما ينكر الآخرون ذلك. وبعضهم يرى الحداثة في الانفتاح على الآخر، فالتأثر بالشعر الغربي ضرب من الحداثة لا يستطاع إنكاره. وقد تغدو الحداثة لدى بعض الناس عذرا يسوغون به الركاكة، والإسفاف، والغموض، الذي يحيل القصيدة لبناء مغلق لا يستطيع القارئ التواصل معه، فيقال: هذه هي الحداثة ؛ ألا تستطيع فهم ما تقرأ. أما إذا كنت قادرًا على فهمه، فذلك لأنه يخلو من الحداثة، ولأنه تقليدي، وكلاسيكي إلخ.. تروق لي آراء يوسف الخال وجبرا وسلمى الخضراء الجيوسي وأدونيس في هذه المسألة بالذات، فعلى الرغم مما تتسم به آراؤهم من تطرف في هذا السياق، إلا أنها بنيت على إدراك عقلاني متزن لما ينبغي أن يكون عليه الشاعر الحديث، وهو أن يتشرب روح العصر دون الانسلاخ عن النسوغ التي يرتوي منها التراث الثقافي، والأدبي، والمعرفي.
* يلجأ معظم الشعراء الفلسطينيين إلى استخدام الأسطورة في قصائدهم أو إلى استلهام الشخصيات التراثية واستنطاقها. لماذا برأيك؟
** هذه الظاهرة ليست حكرا على الشاعر الفلسطيني وإنما هي ظاهرة شائعة في الشعر العربي الحديث بدءا بالسياب ومرورا بعبد الصبور وأدونيس والبياتي وخليل حاوي وممدوح عدوان ومحمود درويش والمناصرة وخالد أبو خالد ومحمد القيسي وأمل دنقل وآخرون كثر يصعب عدهم في هذا المقام. والشعراء الفلسطينيون أضافوا إلى استدعاء الشخصيات التاريخية والأسطورية واتخاذها أقنعة يعبرون من ورائها عن أفكارهم تعبيرا دراميا يبتعد عن التقرير وعن المباشرة، أضافوا إلى ذلك استدعاء نماذج من الفولكلور، مثل: جبينة، وبنت الغول، وزريف الطول، واعتمدوا في بعض شعرهم على المواويل الشعبية، والأغاني المتداولة في الأعراس، والأهازيج التي تمجّد الشهداء، أو تمجد السلاح، مثل (طلت البارودة والسبع ما طل) أو تروي ما يعبر عن معاناة المعتقلين في السجون. ومعاناتهم مع السلاسل والقيود ومع السجان. وقد تجاوز بعضهم هذا الاقتباس إلى نحتِ نماذج أسطورية من معاناة الفلسطينيين. فقد تناول محمود درويش في بعض قصائده شخصيات فلسطينية مثل إدوارد سعيد فجعل منه نموذجا يشبه الأسطورة، وما كتبه في راشد حسين (كان ما سوف يكون) يشبه الأسطورة. والشيء نفسه تستطيع قوله عن قصيدة فواز عيد في غسان كنفاني، والشيء نفسه تستطيع قوله عن قصيدة عز الدين المناصرة الموسومة بعنوان باجس أبو عطوان يزرع في الخليل العنب. ووليد سيف في قصيدة بعنوان زيد الياسين، ذلك الفدائي الذي يتراءى لنا كأحد أبطال الأساطير. وخضرة في ديوانه الموسوم بعنوان “وشم على ذراع خضرة” ولأحمد دحبور عدة قصائد من هذا الذي ينحت فيه الشاعر نموذجه الأسطوري الخاص. وهذا كله أحال القصيدة إلى نص شعري منفتح على احتمالات عدة من حيث المعنى أولا، ومن حيث جماليات الشكل والنسيج اللغوي ثانيا. فالشعراء يتفاوتون في هذا، إذ القضايا التي يعبرون عنها تكاد تكون متشابهة، لكنهم يختلفون في هذه المزية التي تحافظ على شعرية الشعر. عدا عن هذا فإن ظهور مثل هذه الرموز، سواء أكانت من التراث الوطني الفلسطيني، أو العربي، أو العالمي، تعمّق الإحساس بأصالة القصيدة، وتمنحها المنزلة العليا في السياق الثقافي للشعر العربي، وللشعر العالمي.
* هل يمكن الحديث عن سمات محددة للشاعرات الفلسطينيات ؟
** لا أعتقد أن الشاعرة الفلسطينية تختلف عن أي شاعرة عربية ففدوى طوقان، وهي الوحيدة من بين الشاعرات العربيات التي تحظى إلى جانب نازك الملائكة بمكانة رفيعة تدل على ذلك وفرة الكتابات التي تتناول شعرها والجوائز التي ظفرت بها، والاهتمام بسيرتها وبشعرها بعد رحيلها في عام 2003 مر شعرها بمراحل منها الرومانسية والمرحلة الذاتية في أعطنا حبا ووجدتها ثم التحول إلى المقاومة بعد ديوان الليل والفرسان. وشعر فدوى طوقان يجمع بين البساطة على مستوى المفردة والصورة، والعمق على مستوى الرؤية الشعرية. وفدوى طوقان إلى جانب هذا لا يخلو شعرها من شطحات صوفية، لا سيما في ديوانها أمام الباب المغلق، وأما الشاعرات من أمثال زينب حبش وليلى علوش وليلي كرنيك وغيرهن فلم يتجاوزن بشهرتهن الشعرية حدود الوطن، وهذا في الحقيقة مؤسف. ثمة أسماء جديدة ظهرت مؤخرا، لكن طغيان النثر على ما يكتبنه يضع شعرهن في دائرة السؤال. في الحقيقة هذا ينسحب على الشاعرات وعلى الشعراء معا.
* أيضا من الظواهر اللافتة ان الشاعرة الفلسطينية، كما الشاعرات العربيات بشكل عام، لا تكتب الشعر العمودي وإنما انطلقت إلى النثر والتفعيلة، كما هي بعيدة نسبيا عن خوض غمار النقد الأدبي؟
** بالنسبة لتجنب الشعر الكلاسيكي أي شعر الشطرين ظاهرة شبه عامة عند الشعراء الجدد، وهم يفضلون النثر ظنا منهم أنه الأسهل والأيسر أو استجابة لما يتردد من أن قصيدة النثر هي مؤشر الحداثة الوحيد اليوم. وفي ظني أن الابتعاد عن شعر الشطرين راجع لنوع الثقافة المتراكمة التي يخضع لها الشاعر في مرحلة التكوين، فعندما كان الشعراء يتلقون الشعر القديم كتبوا قصيدة الشطرين وبرعوا في هذا قبل أن يتصدوا لكتابة قصيدة التفعيلة، فعلى سبيل المثال السياب أو البياتي أو أدونيس أو درويش أو سميح القاسم لهم أشعار جيدة تتبع نظام البحر العروضي، كتبوها قبل ظهور الشعر التفعيلي، ثم انفتحوا على تيارات التجديد فأبدعوا في هذا الجديد، لكن الشعراء اليوم لا يتلقون مثل هذا التكوين الثقافي. وقد يعزى ما نجده في شعرهم من نثرية، وركاكة، وفتور، لهذه الثقافة، ولهذا التكوين المعرفي الذي نراه ناقصا نقصًا كبيرا.
* أيضا من الظواهر الملفتة في الشعر الفلسطيني المعاصر، كما هو حال الشعر العربي ، لجوء معظم الشعراء الى للتراث الصوفي واستخدام العديد من التعابير الصوفية في أشعارهم .. ما رأيك ..؟
** التراث الصوفي جزء من الذاكرة العربية لا يمكن إنكاره، وقد تأثر به غير شاعر من فلسطين ومن غيرها وقد كنت أعرف من محمد القيسي شغفه بقراءة بعض أعمال محيي الدين بن عربي ولا سيما كتابه ترجمان الأشواق، وبعض الأجزاء من الفتوحات المكية. وفي شعر محمود درويش نجد ظلالا من التأثر بكتاب الموافقات للنفري. والشعراء الذين ظهروا في العقدين الأخيرين من أمثال يوسف عبد العزيز، وزهير أبو شايب، ومحمد لافي، وغسان زقطان.. مختلفون في هذا، فبعضهم يقبل على استخدام المفردات الصوفية، وبعضهم لا يميل لهذا النوع من الكلمات. وهي ظاهرة من ظواهر الشعر الحديث لا بد أن يقول النقد- مستقبلا – رأيه فيما إذا كانت من إيجابيات الشاعر، أم أنها مما يؤخذ عليه.
* إذا تحدثنا عن أدب السجون في فلسطين ..كيف تقيم ما كتب من شعر في إطار هذا الأدب.. لاسيما ونحن نعيش تجربة متميزة للنضال الفلسطيني في السجون الإسرائيلية هذه الأيام ..؟
** السجن والسجون ظاهرة لافتة في الأدب الفلسطيني، لا سيما في القصة والرواية وفي قصص الأطفال، وقد كان الشعر سباقا لهذا. وفي شعر كل من محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ونايف سليم وسالم جبران وراشد حسين وغيرهم الكثير من القصائد والإشارات للسجون. وقد زادت هذه الظاهرة انتشارا في فلسطين المحتلة عام 1967 فبرز شعر المعتقلين، ومنهم الشاعر عبداللطيف عقل، والشاعر عبد الناصر صالح، والشاعر خليل توما، وآخرين لا يتسع المجال لذكر أسمائهم.. ودواوينهم.. وأدب السجون الشعري يصلح أن يكون موضوعا للدراسة لما فيه من صور للمعتقل ولصموده وللسلاسل والقيود وللسجان ويوميات السجين. ولا تفوتنا هنا الإشارة لأمرين أن شعر السجون معروف في مرحلة الانتداب البريطاني. وفي شعر إبراهيم طوقان قصيدة مشهورة بعنوان الثلاثاء الحمراء التي تحدث فيها ورثى ثلاثة من المعتقلين تم إعدامهم. ويتكرر في الشعر قول بعض الشعراء ياظلام السجن خيم .. إننا نهوى الظلاما. وفي المدة ما بين 1948و 1967 ظهر شعر السجون في أعمال معين بسيسو ولا سيما في ديوانيه الأردن على الصليب والأشجار تموت واقفة، وهو القائل:
من لم تودع بنيها بابتسامتها .. إلى الزنازين لم تحبل ولم تلدِ
وصفوة القول أن أدب السجون الفلسطيني، وشعره خاصة، في حاجة لإعادة الدراسة من جديد بعد تلك الدراسة التي نشرها نزيه أبو نضال في هذا الموضوع.
* في ذات الإطار يرى بعض النقاد ان أدب السجون يشهد حالة جزر..ما رأيك .. و لماذا..؟
** أدب السجون كغيره إن شهد الأدب تراجعا فذلك ينسحب على أدب السجون وإن شهدا اندفاعا وتقدما فذلك ينسحب على أدب السجون. ومن يلتفت حوله يلاحظ أن كل شيء في تراجع. وهذا شيء لا يختص به أدب السجون وحده.
* بالتالي كيف ترى المشهد الشعري الفلسطيني في ( اراضي الـ 48 و الضفة والقطاع ) ..واين هو من حيث المضمون والفنية من الشعر في الشتات .. ؟
** أعترف بسلامة ما جاء في كثير من المقالات من حيث أن شعر المقاومة الذي شهدناه في أواخر عقد الستينات والصورة الباهرة التي ترتسم له في الأذهان قد خبا إواره، وتوارى عن الأنظار شعاره. وأصبح الحديث في هذا الشأن مثار تندر وتهكم يرقى إلى درجة اليأس. وسب ذلك المزاج العام والانطباع السائد بعد ظهور حكومة أوسلو في رام الله وما يتبعها من مؤسسات كفيلة بحرمان الأدب والإبداع من روافده، ناهيد عن أن مقارنة الشعر الذي يكتبه شداة هذا القريض بما عرف من شعر درويش واضرابه يشعرنا ببعد الشقة بين هذا الجيل والجيل الماضي، مما يدعو للإحساس بهذا التدني في مستوى ما يقال ويكتب وينشر من شعر. وعطفا على هذا لا تقاس شعرية الشعر بما فيه من مضامين فأنت تستطيع العثور على مضامين سياسية وإيددولوجية وعاطفية وجدانية في لغة الجدرائد، ومع ذلك لا أحد يقتنع بأن فيها شيئا من الشعر. ولهذا أؤيد ابتداء استبعاد فكرة المضمون نهائيا عن مقارنة شعر بآخر فالمضمون على أهميته لا يحيل الكلام العادي شعرا والعكس صحيح.
* وهل يمكن المقارنة بشكل ما بين شعراء أراضي الـ 48 وبين شعراء الضفة الغربية وقطاع غزة ..؟
** في الظرف الراهن أرى الشعر في الضفة والقطاع كما هي الحال في فلسطين 48 في تراجع مستمر فبعد غياب الشعراء الكبار أو توقفهم عن العطاء ضعف الشعر في فلسطين وعلينا أن نعترف بهذا فأكثر شعرائها اليوم يفتقرون لكل ما كان يتميز به شعراء الجيل الماضي.
* سؤال يطرح نفسه بعد غياب عدد من القامات الثقافية والفكرية الفلسطينية .. لماذا لا نرى المشهد الجديد، و ما الذي يمنع من ظهور قامات جديدة بحجم هذه القامات التي تسقط ..؟
** من المؤسف أننا نعاني من غياب مثل هذه القامات وإن كانت قامات أخرى برزت في الرواية والقصة ولكن الشعر عموما في تراجع فلو أنك تصفحت ما يصدر عن دور النشر في هذه الأيام من دواوين لوجدت أكثره مما لا مزية فيه ولا رونق وهو إلى الركاكة والعجمة أقرب منه إلى لغة الشعر وقد طغت عليه النثرية طغيانا كبيرا وقد نعزو هذا لتعجل الشعراء والفوضى التي تدب في وسائل النشر واختلاف المعايير وكثرة الجوائز التي تعطى لمن هب ودب.

إلى الأعلى