السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إشراقات عمانية خامسا: هو والتراث

إشراقات عمانية خامسا: هو والتراث

سعود بن علي الحارثي

” عشقه للتراث وولعه بقصص الماضي وأصالته وتمجيده للتقاليد ومضامين الثقافة السائدة تدفعه إلى الإبحار في العالم القديم بأطلاله الشامخة وقصص رجاله الخصبة, بأدبه وثقافته وعاداته وتقاليده , ينطلق من الساحة القديمة حيث مركز الحارة بأشجاره الوارفة المرتوية دائما من ساقية الفلج الذي يعبر الساحة في طريقه إلى واحة النخيل الشاسعة,”
ـــــــــــــــــــــــ

لا يمل من التحديق والتأمل في تلك الصروح المهيبة, والتي تصارع أطلالها للمحافظة على هيئتها وشكلها العام, وتماسكها أمام العواصف وعوامل الطبيعة المتعددة وعوادي الأيام, يساعدها على ذلك قواعدها الصلبة وتشييدها المحكم وإصرارها الثابت على الاستمرار والبقاء, ويقضي ساعات كثيرة ينتقل ما بين الأطلال الأخرى المتداعية والمتهالكة التي نال منها الزمن وأجهدتها العوامل الطبيعية وأخذ منها الهجران والإنكار التي قوبلت به من مالكيها ومتعهديها على السواء كل مأخذ (( لا يمل من التحديق في الأطلال )) المتناثرة بكثافة في منطقته القديمة والتي تثير في نفسه وهو يتنقل ببصره ما بين زواياها وممراتها الشجون وتدفق المشاعر وتوارد الصور في أجواء يصعب تفسيرها حيث تجمع الحاضر بالماضي في مقارنات ومقاربات غير متكافئة في نظره , تلك الأطلال الشامخة في علو طبقاتها وارتفاع أبراجها , المحكمة في تحصيناتها , وفي براعة المداخل والمخارج , الغنية بلمساتها الجمالية ومعالمها المتعددة وفي تكاملها وثرائها , تفصح بوضوح عن هندسـة بارعة وتخطيط مدروس وفكر منفتح مؤمن بالعمل والبناء والتطور , ومؤكدة على نشاط وثراء السكان في ذلك المكان وعلى أن الإنسان قادر على تحقيق المعجزات والعمل في ظروف قاسية ولو بوسائل بدائية وأساليب تستغرق منه الجهد والوقت , نجده كلما احتجنا إليه وبحثنا عنه مستندا إلى بقايا طلل يتغنى ببضع أبيات تمجد الماضي في رجاله وقيمه وثقافته وتتغزل بربات الحجال وتتحدث عن الأطلال , هكذا يقضي معظم أيامه لا يمل من الحركة والدوران حول الجدران الطينية والجصية والحصوية المتهالكة التي تحكي حياة وثقافة وقيما من العهد الماضي الذي عاش هو نهاية أيامه والتقى بعدد من المنتمين إليه وقد بلغوا سن الشيخوخة واستمع إلى عشرات القصص والمرويات التي تصف بعضا من ملامح وسمات تلك الأيام بحلوها ومرها بدمامتها وجمالها بشظفها ورفاهيتها, بما تحمله من مضامين وثراء في الدروس وفي المعرفة وفي التربية الصارمة , وبما تعلنه من حرص أصيل على الالتزام بقيم وعادات المجتمع وعدم التفريط في خصوصيته الثقافية وأصول عقيدته الإسلامية .. إن عشقه للتراث وولعه بقصص الماضي وأصالته وتمجيده للتقاليد ومضامين الثقافة السائدة تدفعه إلى الإبحار في العالم القديم بأطلاله الشامخة وقصص رجاله الخصبة, بأدبه وثقافته وعاداته وتقاليده , ينطلق من الساحة القديمة حيث مركز الحارة بأشجاره الوارفة المرتوية دائما من ساقية الفلج الذي يعبر الساحة في طريقه إلى واحة النخيل الشاسعة, من هنا تتفرع عشرات الأزقة السالكة نحو المنازل والأسواق والقلاع والجامع الكبير والمجلس العام والتي كانت يوما صاخبة بالحركة شاهدة على أن حياة نشطة في مختلف المجالات والقطاعات قد كانت هنا .. يتفقد الجدران يحرك الأبواب الخشبية المهيبة يطالع الزخرفة والنقوش البديعة يتأمل العناصر الجمالية المتناثرة في المكان يقرأ الكتابات والخطوط العربية الحافلة بآيات قرآنية وأبيات شعرية ومقاطع وعظية , يبحث عن تفسيرات واقعية تظهر الحكمة أو المعنى من حركة أعجب بها أو تصميم هندسي رائع أو قطعة جمالية أو فتحة تهدف إلى انسياب الضوء أو الهواء أو العناصر التي يتشكل منها بناء ما … لم يفهم هو معناها الحقيقي أو الحكمة من وضعها أو بروزها في المكان , في هذه المنازل والجوامع والقلاع والمجالس تبارى الشعراء وتناطح الأدباء وتفرغ العلماء للبحث والتأليف, وانطلق العمال والمزارعون والنساجون والتجار إلى مواقع أعمالهم في مجتمع قائم على التكافل والتكامل والاعتماد على الذات .. في أكثر من مكان هنا اجتمع أهل الرأي للتباحث في قضايا المجتمع لدفع عدو والذود عن الوطن أو الحكم في قضية وتنفيذ أمر ما .. كم من المناسبات السعيدة والحزينة والقصص المعبرة والتفاصيل الدقيقة والأحداث العامة والخاصة التي شهدتها هذه الأزقة والممرات والحجرات , ينتابه الشعور بالألم والحزن عندما يعود إلى المكان فيكتشف بأن جزءا من جدار أو باب أو كتابة أو قطعة أثرية قد سقط واندثر يشعر بالخوف من أن يأتي يوم يجد فيه تلك الأطلال وقد انهارت أو اختفت من الوجود قبل أن تتمكن الجهات المختصة من ترميمها والحفاظ على مكوناتها .. هذه الأطلال بما تحمله من كنوز أثرية وثقافة غنية ومؤشرات ودلائل قوية إنما هي ثروة الأمة وذاكرة تاريخها ومن الأهمية الحفاظ على مكوناتها والحرص عليهـا مـن الضياع والاندثار. أمنيات ظـل يرددها لسنوات .

إلى الأعلى