الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “رحلة عمان المعمارية” توثيقا للجمال الفوتوغرافي في عمان وتأصيلا للتراث الإنساني الممتد لـ “خمسة آلاف عام”

“رحلة عمان المعمارية” توثيقا للجمال الفوتوغرافي في عمان وتأصيلا للتراث الإنساني الممتد لـ “خمسة آلاف عام”

رؤية ـ خميس السلطي:
عندما تأتي الرؤى لتختصر مسافات الحقيقة وتشكل مساحة للبوح النظر، فبلا شك يتكون لدينا شعور إن هناك محطات متنوعة من الإبداع، تتمثل في إسقاط ماهية روح الجمال، وإشعال اللحظات لتكون المختلفة جدا عن غيرها، هذا ما بعد تتبعنا لما أفرزته عدسة الإبداع لدى معالي محمد بن الزبير مستشار جلالة السلطان لشؤون التخطيط الاقتصادي، ومن خلال نافذة متوجة أخذتها لكيانها مسمى “رحلة عمان المعمارية”، هذا الكتاب يأتي متفردا في توثيق العلاقة الاجتماعية بين الإنسان العماني وبيئته التي دائما ما تتشكل لبعث عطر الأرض في أفق السماء. بالأمس القريب كنا أكثر قربا من هذه الرحلة الممتدة لأكثر من 5000 عام، حيث الأمكنة والحكايات والبدايات الساكنة في عروق حياتنا، تعلو فوقها قباب المساجد وتنثر في سجاد تواصلها عبق تربة عمان، عمان الإنسان والمكان.
في هذه الرحلة أُخذنا في جولة حيث 477 صفحة مع 773 صورة و 16 رسومات يدوية، أخذنا مع أزمنة لا تتكرر وحديث لن ينتهي وهدوء لا مثيل له.
فالكتاب يأخذ المتتبع له في رحلة مصورة عبر الزمن ابتداءً من مباني القبور التي كانت تُبنى على شكل خلية نحل على قمم الجبال النائية في الألف الثالثة قبل الميلاد إلى الأبنية الحديثة ذات الفنون المعمارية المتطورة لكنها تعكس التراث التقليدي المعماري الذي تكون عبر آلاف السنين، حيث ضمت اليونسكو أربعة مواقع معمارية عمانية إلى قائمة التراث العالمي بوصفها ذات قيمة للبشرية جمعاء.
وهنا أيضا يطلعنا صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث والثقافة على رؤيته حول كتاب “رحلة عمان المعمارية” والذي قال: يمثل صدور كتاب “رحلة عمان المعمارية”، حدثا مهما، في مجال توثيق التراث والثقافة في السلطنة، إذ يرصد مراحل تطور العمارة العمانية عبر آلاف السنين، منذ بداياتها الموغلة في القدم، وحتى تجلياتها المعاصرة. لقد كانت فكرة صائبة، أن جاء العمل في هذا الكتاب من منطلق، أن العمارة تحمل في طياتها تاريخا وثقافة أتاح للكتاب سبر غور جوانب ثقافية وتاريخية، غاية في الأهمية لهذا الوطن. ويضيف سموه بقوله: كما أحسن مؤلف الكتاب، عندما قدم العمارة العمانية، باعتبارها داخلة في نطاق التراث الإنساني العالمي، ليس فقط من خلال إبرازه لإدراج بعض المواقع العمانية، ضمن مواقع اليونسكو للتراث العالمي، ولكن أيضا من خلال إظهار الكتاب للمعاني العالمية المتضمنة مآثر كثير من أشكال العمارة، خاصة القلاع والحصون التاريخية العمانية، وكذا إبراز الأهمية العالمية لمباني عصر النهضة، مثل جامع السلطان قابوس الأكبر، ودار الأوبرا السلطانية مسقط”. ويؤكد صاحب السمو السيد بحديثه: إن الصور التي ضمّنها محمد بن الزبير هذا الكتاب لا تهدف فقط إلى مجرد التصوير، بل هي أبعد من ذلك ترتفع إلى مستوى التوثيق البصري المستند إلى عمق الرؤية؛ ولذلك فهي، أي الصور، تعد سجلاً توثيقيًّا نفيساً. لقد يسر لنا هذا الكتاب النفاذ بسهولة ويسر ومتعة إلى موضوع متشعب، وربما كان غامضاً قبل اليوم، ألا وهو موضوع تطور العمارة في بلادنا، وذلك من خلال عرض جميل يتناول العمارة العمانية الدفاعية، والمنزلية، والدينية، ويتطرق في الوقت نفسه إلى تبيان جوانب الالتقاء والتأثير المتبادل.ويختتم رؤيته حول هذا الكتاب قائلا: إن هذا الكتاب حول العمارة العمانية، بما يتضمنه من معلومات جمّة ومفيدة لم يتم التطرق إليها من قبل، ليعد إضافة مهمة إلى المكتبة العمانية تسهم في الكشف عن تراث عمان وثقافتها ومن ثمّ حفظ وصيانة هذه الثقافة وذلك التراث.
في الإطار ذاته يقول معالي محمد بن الزبير: آمل أن يحظى هذا الكتاب الصادر باللغتين العربية والإنجليزية بحيز خاص في مكتباتكم سواء في السلطنة أو حول العالم، وذلك كمرجع مميز لتاريخ فن العمارة في سلطنة عمان عبر آلاف السنين، وأتمنى أن يشكل الكتاب مصدر إلهام للجيل الجديد من العمانيين ونظرائهم من كافة الدول في العالم، بالإضافة إلى المتخصصين في فنون العمارة العالمية، وذلك للاطلاع على التاريخ الغني لعمان الذي يترجمه على الأرض الفن المعماري الفريد للعمانيين منذ القدم وحتى الآن، إن هذا الكتاب يعد الأول في سلسلة «التقاليد الملهمة» ويشكل حجر الأساس للدراسات المستمرة التي نقوم بها ونستهدف من خلالها دراسة الثقافة التراثية لعُمان، إنها مبادرة أولى للمساهمة في إدراك التطور الذي مرت به الثقافة العمانية عبر السنين وقوة ارتباطها بقلوب وعقول العمانيين عبر الأجيال والذي لا يزال متيناً كما كان على الدوام.
تلك التفاصيل التي أرادها المؤلف وما أوجد من خلالها رؤيته حول الكتاب تتضمن شواهد العمارة العمانية العريقة تنوعاً كبيراً من الحصون والقلاع منذ عصور ما قبل الإسلام وحتى اليوم وكذلك واحات ومستوطنات في قمم الجبال تعود إلى عصور ما قبل التاريخ. كما أن هناك البيوت الكبيرة ودور العبادة التي بنيت خلال القرون الماضية وأصبحت أيقونات معمارية يتضح تأثيرها في المباني الحديثة مثل جامع السلطان قابوس الأكبر ودار الأوبرا السلطانية مسقط ومنتجع بر الجصة.
وبلا شك أن هذا الكتاب “رحلة عمان المعمارية” ذو قيمة مهمة لكل من يود الاطلاع على الثقافة والتراث العماني وخاصة المعماري منه والذي يمثل جزءا مهماً من هذا التراث، كما أنه مفيد بصفة خاصة للمهندسين المعماريين والطلبة الذين يدرسون الهندسة والتصميم الداخلي بكافة أنواعه. ومناسب لقاعات الاستقبال والمكاتب والمنازل ليوفر فرصة الاطلاع على التاريخ المعماري العريق لعمان.
العمارة العُمانية
عندما تتصفح هذا الكتاب تبقى في رحلة لا منتهية من جبال مسندم في أقصى الشمال إلى السهول الساحلية في ظفار، تظل المباني التقليدية معلماً من معالم الفنون المعمارية حيث تمتزج القرى المليئة بالبيوت المصنوعة من الطوب بالسهول الساحلية والجروف الصخرية والحصون المبنية قُبالة الجبال. وقد زرعت الأشجار الكبيرة بجانب المساجد العتيقة حيث تكتسب ساحات الصلاة المكشوفة ظلالاً تقي المصلين حرارة الشمس. وقد لعبت الثروات التي اكتسبت من التجارة عبرالبحار في بناء البيوت الكبيرة والحصون المزخرفة. ويبين الكتاب بكثير من الوضوح هذا الجانب في الجزء الأول منه.

العمارة الدفاعية
ويبدو أن مؤلف الكتاب لم يغفل التاريخ الضارب في الجذور لعمان، فقد عاشت منذ القدم تاريخاً ديناميكيًّا تطلب تحصيناً دفاعيًّا قويًّا. فقد قام العُمانيون ببناء الحصون العسكرية، وآلاف القلاع وأبراج المراقبة التي تُعد أيقونات رمزية لتاريخ الدولة وتراثها العظيم. ويخصص الكتاب جزءاً كبيراً منه ليظهر هذا الفن المعماري الدفاعي الذي هو بحق أساس الفن المعماري العماني والذي يتبادر إلى الذهن عند تصميم أي مبنى حديث ذو جذور تراثية.

العمارة المنـزلية
وللحياة اليومية للعمانية حضور فريد وواضح بين دفتي هذا الكتاب، فالعُمانيون قاموا على مر الأجيال ببناء بيوتهم وقراهم ومستوطناتهم باستخدام مواد محلية، فهناك المستوطنات المستدامة في السهول الفسيحة والقرى المليئة بالبيوت الخلابة المصنوعة من الطوب على سفوح الجبال. ولا يزال هناك العديد منها إلى يومنا هذا بالإضافة إلى بيوت الصيادين المبتكرة المصنوعة من سعف النخيل، وكذلك بيوت علية القوم الأنيقة. كل هذه جعلت من الهندسة المعمارية العمانية المنـزلية تاريخ فريد.

العمارة الدينية
وايضا القارئ والمتفحص لسيرة العمانيين، يرصد أن عُمان كانت من أول الدول التي لبت دعوة الإسلام التي دعانا إليها نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) حيث انتشرت المساجد منذ القدم في ربوع السلطنة، واتصفت بعصريتها، وجمالها وهناك العديد من المساجد في السلطنة التي قام أهالي القرى ببنائها على اعتبارها عملا خيريا، ويجتمع الناس في هذه المساجد حيث تشكل أماكن تعبُّد وتواصل اجتماعي، ومعالم محلية، ذات فخر واعتزاز، وعلى الرغم من وجود معالم مشتركة بين الفنون المعمارية للمساجد إلا أن كل مسجد في السلطنة يتميز بطابع فريد وقصة متميزة . ويأخذنا هذا الكتاب في رحلة حول المساجد المتنوعة التقليدية، والحديثة، صغيرة كانت أم كبيرة، في شمال وجنوب السلطنة وصولاً إلى المساجد الأيقونية التي شيدت بتوجيه من جلالة السلطان قابوس المعظم.

الفن المعاصر في السلطنة
تزخر السلطنة في الوقت الحالي بالعديد من الشواهد المعمارية الفريدة التي لا يمكن تجاهلها وخاصة أولئك الباحثين عن الجمال ومكنون الحياة الطبيعية التي لا يشوبها التكلف، فقد بدأت فنون العمارة المعاصرة في عُمان بالظهور بفضل الإلهام الذي قدمته نهضة عُمان منذ السبعينات من القرن الماضي وإلى يومنا هذا برؤى من صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه – في سبيل تحسين سمات فنون العمارة للمباني الجديدة حيث نالت كثير من هذه المباني شهرة وإشادة.
ومن المباني الرائدة التي شملها هذا الكتاب حصن الشموخ، الذي يمثل التحديث المبتكر للعمارة الدفاعية العمانية، وجامع السلطان قابوس الأكبر الفريد من نوعه وأحد أهم المعالم الدينية في السلطنة ومحط للسياحة أيضا في البلاد ودار الأوبرا السلطانية إلى جانب العديد من المباني الأخرى السلطانية والخاصة.
كما يأخذنا هذا الكتاب في رحلة رائعة عبر صفحاته الملونة التي تمكننا من الإطلاع على إرث عظيم وحاضر رائع من فنون العمارة العمانية دون تعب وعناء.
بكل تأكيد لن تتوقف الرحلة، فهي لا تزال مستمرة، فالتفاصيل المعمارية في عمان تجعلك تقف مندهشا بجمالياتها، حيث صحراء البدو وبساطة الحياة، تقف بنفس متواصل مع رئة الطبيعة النقية، هنا وخلال هذا المنظر تدهشك روح البساطة التي تستمر بلا توقف رغم التحديات التي تفرضها الظروف التضاريسية والمناخية، وما إن تقف على تخوم الجبال يستوقف أيضا منظر الواحات الرابضة في أرض العشق الأبدي، حيث المياه وهدوء الأمكنة وشموخ النخيل التي تحتضن سماء الحياة. وتستمر الرحلة حيث الساحل وطهر المكان وتلك المفردات المعمارية التي تتروى كل صباح بزرقة البحر الذي يعانق حياة القاطنين بكل شوق.
يبقى أن نقول إن الرحلة المعمارية تبقى حاضرة لتشكل تواصلا ثقافيا فنيا فريدا من نوعه، وما هذا النتاج إلا فكر متجدد ومتسمر بكل تأكيد، فالمؤلف عرف بحضوره الثقافي والفني على مستويات كثيرة، فهنا يبقى لأن نضيف للتاريخ العماني كتابا مهما ورافدا للمكتبة العمانية أيضا.

إلى الأعلى