الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التصفيق لحاصدي الجوائز والمجد لرافضيها!

التصفيق لحاصدي الجوائز والمجد لرافضيها!

الجوائز نوعان، جائزة تمضي عمرك تجترحلم الحصول عليها دون أن تطرق بابك، أوتطرق بابك،ربما على غفلة، حيث لم يرد في خاطرك، ولو على سبيل أحلام اليقظة أن توقظك زوجتك من نومك وهي تهلل في صخب طفولي: انهض، لقد فزت بجائزة نوبل،التليفزيون أعلن ذلك الآن!
اما النوع الثاني من الجوائز فهو الذي تسعى إليه أنت، حيث تشارك في المسابقات، وتقدم أعمالك إن كنت مبدعا أو مفكرا، فإن لم تفز قذفت المسابقة ومنظميها ببراكين غضبك، لكن هذا لايحول ربما دون أن تتقدم بأعمالك مرة أخرى في العام التالي وكل عام تال إلى أن تحصل عليها أو يمضي العمر وحلمك ينضح مرارا في الحلق! ومن هذا النوع معظم جوائزنا العربية كالبوكر في الرواية التي أصبحت تلاحق مع إعلان قوائمها الطويلة والقصيرة كل عام بنصف ما يحتويه القاموس العربي من شتائم -عن حق أو عن باطل – من قبل العشرات الذين شاركوا ولم ترد أسماؤهم في تلك القوائم!.
لكن ماذا لو تسلل بابانويل – وليس بالضرورة مع بزوغ الخيوط الأولى من السنة الجديدة – إلى مخدع أحدهم،ليوقظه و يودع بين يديه جائزة نوبل،ليفاجأ بالأخير يقول له وهو يستدير ليواصل نومه: شكرا، لاأريدها!، كثيرون فعلوها مع كبريات الجوائز العالمية، في الأدب والفن والرياضة، في حقول كثيرة، لم يرفضوا الجوائز لأن النعاس يغالبهم وليسوا على وعي بما يحدث،بل كانوا على دراية تامة بتفاصيل الموقف، وقالوا مع سبق الًإصرار والترصد: لا نريدها!.

هؤلاء رفضوا نوبل
ولكل من رافضي الجوائز أسبابه، بالطبع ليس من بينها الجنون، بل حين نتأملها نجدها أسبابا وجيهة، لا نملك إزاءها سوى أن نصفق في إعجاب لمثل هؤلاء، والقائمة ليست قصيرة، لكن لا تحتوي إلا على إسم عربي واحد، الروائي المصري صنع الله إبراهيم، وهذا الرافض العربي للجائزة أحاط رفضه من وجهة نظر البعض بـ”شو” إعلامي أفقد موقفه – أيضا من وجهة نظر هذا البعض – الكثيرمن مصداقيته.
ونبدأ بمن رفضوا الجائزة الأهم والأعظم رغم ما تخلفه كل عام من جدليات، نوبل، وقائمة من رفضوها ليست طويلة، بل تضم ثلاثة أسماء فقط،الكاتب الأيرلندي الساخر جورج برنارد شو الذي رفضها عام 1925 معللا ذلك بأن مثل هذه الجوائز تأتي في مرحلة متأخرة من العمر حين يكون المرؤ ليس في حاجة إليها!، أما الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر فحين أعلنت الأكاديمية الملكية في استكهولم عن فوزه بالجائزة عام 1964 رفض استلامها وقال: ان حكم الآخرين علينا ما هو إلا محاولة لتحويلنا الى موضوع وتشييئنا بدل النظر الينا كذوات انسانية،! وبالطبع يجيء موقف سارتر هذا منسجما مع فكره الوجودي.

الرواية المغسولة
فإن كان كل من برنارد شو وسارتر رفضا جائزة نوبل لأسباب فلسفية فإن الكاتب الروسي بوريس باسترناك أرغم على رفضها عام 1958،وقصة باسترناك وروايته “دكتور زيفاجو” وجائزة نوبل تمثل خلطة غريبة ومثيرة للأدب والسياسة والعمل الاستخباراتي تم تجهيزها في معامل المخابرات المركزية الأميركية “سي آي أيه” وبمساعدة المخابرات البريطانية ودول أخرى في حلف الناتو، وتفاصيل القصة كشف عنها المؤرخ السوفييتي إيفان تولستوي في كتابه الرواية المغسولة
“The Laundered novel” الذي صدر منذ عدة سنوات، والمعني بالرواية المغسولة رواية دكتور زيفاجو والتي بسببها حصل باسترناك على جائزة نوبل، حيث يحتوي الكتاب على معلومات شديدة الأهمية والخطورة تؤكد أن اجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية كانت غارقة في عمليات سرية ثقافية بعضها لايخلو من المغامرة والاثارة على طريقة جيمس بوند كالعملية الاستخباراتية “دكتور زيفاجو”!.
والرواية كتبها باسترناك في خمسينيات القرن الماضي حول مأساة الطبيب والشاعر الدكتور يوري زيفاجو الذي تعرض للاضهاد والقمع من قبل الأنظمة الأمنية في الاتحاد السوفييتي، وقد قام المخرج ديفيد لين بتحويل الرواية الى فيلم سينمائي حقق ايرادات ضخمة حيث عرض في الالاف من دور السينما العالمية بفضل الدعاية الهائلة التي احيطت بالرواية، وهي دعاية لم تكن بريئة على الاطلاق، فقد وقفت خلفها الميديا الغربية بدعم خفي من قبل أجهزة الاستخبارات الغربية،بهدف فضح النظام السوفييتي، وكشف أكذوبة جنة الشيوعية التي ما هي الا فرن يشوى فيه البشر، وما كان يمكن لهذه الرواية أن تعرف وتشق طريقها للقارئ في أرجاء الكوكب، وما كان لكاتبها بوريس باسترناك أن يعرف،ويصبح أحد أهم كتاب الرواية في العالم، وما كان له أن يحصل على جائزة نوبل إلا بدعم من المخابرات الأميركية، وهذا ما كشف عنه تولوستوي في كتابه “الرواية المغسولة”.
والمعروف أن الرواية منعت حين انتهى باسترناك من كتابتها من النشر في الاتحاد السوفييتي، إلا أن المؤلف أرسل منها سرا نسخا بخط اليد الى بعض أصدقائه في الدول الغربية، ونشرت الرواية لأول مرة في مدينة ميلانو الإيطالية، وانتبهت أجهزة السي آي أيه الى أهمية الرواية كسلاح دعائي لفضح النظام السوفييتي وتعرية أساليبه القمعية أمام العالم، وقررت السعي لكي تحصل الرواية على جائزة نوبل، ان ذلك يمنحها قوة انتشار هائلة،الا أن ما هو متوفر من طبعة ميلانو لايفي بشروط الأكاديمية السويدية، لذا وضعت السي آي أيه خطة للحصول على نسخة بخط يد المؤلف، وقد علم عملا ؤها أن باسترناك سوف يرسل نسخا مع شخص الى أصدقاء له في العواصم الغربية، وقد لعبت الأصابع الخفية للاستخبارات الغربية في إجبارالطائرة على الهبوط في مالطا، وأخليت من الركاب لمدة ساعتين، قام خلالها عملاء السي آي أيه بتفتيش حقائب الراكب الذي كلفه باسترناك بمهمة توصيل نسخ الرواية الى أصدقائه، وأخذوا واحدة من هذه النسخ وقاموا بتصويرها واعادتها الى حقيبة الراكب، دون أن يعرف أحد لامن الركاب ولا طاقم الطائرة ولا من العاملين في المطار ماذا يحدث،!! وبعد ذلك قامت السي آي أيه بطبع الرواية على ورق شبيه تماما لأنواع الورق المستخدم في الاتحاد السوفييتي، وحتى الحروف المستخدمة أيضا ذات الحروف التي تستخدم في الطبع في الجمهوريات السوفييتية!! كانت عملية دقيقة انتهت بطبع ألاف النسخ من رواية دكتور زيفاجو باللغة الروسية لتصدر في ذات الوقت في كل من أوروبا الغربية والولايات المتحدة،وليجد أعضاء الأكاديمية السويدية أنفسهم محاصرين بعشرات النسخ من الرواية التي انهالت عليهم،وبحمى الحديث عن عمل باسترناك الفذ في كافة أجهزة الاعلام والمنتديات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني، لتبهت أسماء كل المرشحين الآخرين، ولا شيء في الذاكرة سوى الكاتب الروسي المناضل بوريس باسترناك وروايته الرائعة،هل كان ثمة سبيل آخر أمام أعضاء الأكاديمية السويدية سوى أن يمنحوه الجائزة!! هذا ما فعلوه طبقا لخطط السي آي أيه عام 1958، لتكتسب الرواية زخما هائلا وتندفع كالإعصار حول العالم تجتث من العقل العالمي أية أفكار طيبة عن الامبراطورية السوفييتية!! وما كاد الاعصار يهدأ قليلا حتى بث فيه المخرج ديفيد لين الحيوية مجددا حين قدم الرواية في فيلم يحمل نفس الاسم ويحصد خمسة جوائز أوسكار،! ربما أيضا طبقا لخطط السي آي أيه!!.
تلك القصة ليست من وحي خيال المؤرخ الروسي ايفان تولستوي، لقد استمد تولستوي قصته تلك من خطاب كتبه عميل للمخابرات الأميركية أكد فيه أن عملية سرقة نسخة من الرواية في مطار مالطا تمت من قبل عملاء للسي آي أيه بالتعاون مع عملاء للمخابرات البريطانية!!.
والسؤال الجدير بالطرح: هل سعى باسترناك الى كل هذا؟ هل تعامل بشكل أو بآخر مع السي آي أيه؟ لا أحد يمكن قول هذا، لكن بلاشك كان سعيدا بفوزه بجائزة نوبل، ويقول مؤلف كتاب “الرواية المغسولة”: بعد يومين من علمه بنبأ حصوله على الجائزة أرسل الكاتب الروسي باسترناك برقية إلى الأكاديمية الملكية السويدية قال فيها: “إنني أتقدم لكم بجزيل الشكر وأشعر بالكثير من التأثر والفخر في نفس الوقت الذي يغمرني فيه التواضع”. غير أنه بعد أربعة أيام من هذه البرقية، وإثر ضغوط هائلة من جانب الكرملين كان على باسترناك أن يرسل برقية أخرى إلي الأكاديمية قال فيها: “أجد نفسي مضطرا لرفض هذه الجائزة غير المستحقة التي منحتموني إياها ونقل مؤلف كتاب “الرواية المغسولة” عن يفجيني باسترناك ابن الكاتب الروسي قوله: “إن والدي لم يكن له أي دخل ولم يشارك علي الإطلاق في نشر النسخة الروسية من دكتور زيفاجو، كما لم يكن لديه أي علم باهتمام الاستخبارات الأميركية بروايته”. وأضاف يفجيني الذي قبل عام 1989 تسلم الجائزة نيابة عن والده: “إنه لم يكن ينتظر أبدا أن يحصل علي الجائزة،وللأسف فإن حصوله عليها لم يجلب له سوي سلسلة من الآلام والمعاناة !”.
وبالطبع تبدو قصة بوريس باسترناك مع جائزة نوبل حالة فريدة! فالرجل،مثل الغالبية العظمى من الحاصلين عليها كان سعيدا للغاية بالجائزة لكنه أجبر على رفضها،وبالطبع أيضا لايمكن الجزم بأنه جدير بالجائزة،فغير معروف عنه أنه صاحب أعمال أخرى مهمة غير دكتور زيفاجو،بل يكاد باسترناك أن يكون الكاتب الوحيد الذي فاز بالجائزة عن عمل واحد،فقد ذكر تقرير لجنة نوبل حينها:ان سبب منح باسترناك الجائزة يتمثل في القيمة الفنية لرواية دكتور زيفاغو!
ولولا أن متن الرواية يمور بالانتقادات التي توجه للنظام السوفييتي لكان مصير الرواية هو التجاهل كما هو حال غيرها من الأعمال التي كتبها باسترناك،ولو لم يصل خبر الرواية لأجهزة المخابرات الأمريكية لما عرف أحد بأمرها وأمر مؤلفها!
رفض في تقرير سري
ودون جائزة نوبل ثمة جوائز أخرى عالمية وإقليمية عرض عنها بعض من طرقت بابهم،والقائمة طويلة،فقد نشرت صحيفة الصنداي تايمز تقريرا سريا عن قائمة تضم 300شخصية بريطانية رفضوا جوائز تشريفية مهمة،
فقد رفض كل من الكاتب الروائي جيه جي بولارد واوثر بلاكمان وجورج ميلي جوائز تكريمهم تحت رعاية رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، كما تتضمن القائمة كل من المؤلف غراهام غرين والرسام ديفيد هوكتي والكاتب جون لي كاري والشاعر روبرت غريفر والكاتبة الصحفية ايفلين واغ.
وهناك اسماء أخرى تتضمنها القائمة مثل الكاتب جيه بي برستلي والروائي انطوني باويل ورولدر دال والشاعر فيليب لاركين والممثلين تريفور هوارد وألستير سيم.
ويبدو ان الرسام ال. اس لوري قد رفض أكثر من جائزة تكريمية بما في ذلك وسام النبالة ووسام الامبراطورية البريطانية، اما الممثل البيرت فيني، فلم يرفض فقط وسام النبالة عام 2000، بل تشير المستندات ايضا إلى انه رفض وسام الامبراطورية عام 1980،وكان المخرج السينمائي الفريد هتشكوك قد رفض وسام الامبراطورية عام 1962على الرغم من قبوله وسام النبالة قبل فترة من وفاته، وفي عهد رئيس الوزراء توني بلير ضمت قائمة رافضي جوائز وأوسمة التكريم كل من الكاتب ألن بنيت الذي رفض وسام النبالة وجون كليس الذي رفض تلقي نفس الوسام وبيرني اكلستون رئيس مسابقة “تورميولا” الذي رفض وسام الامبراطورية تقديرا لخدماته في مجال سباق السيارات.
عدو الجوائز
إلا أن أشهر رافض للجوائز في أوربا،بل في العالم هو الروائي الأسباني خافيير مارياس الذي ترجمت أعماله إلى أكثر من أربعين لغة، حيث رفض في أواخر شهر أكتوبر من العام الماضي الجائزة الوطنية للرواية والتي نبلغ قيمتها 20 ألف يورو، مارياس الذي يبلغ من العمر 61 عامًا برر رفضه للجائزة التي تمنحها وزارة الثقافة الإسبانية بعدم رغبته في أن يقول الجمهور إنه يكتب حسب ذوق الحكومة،والمعروف عن مارياس أنه ناقد لاذع لسياسات الحكومة الأسبانية،وقد وجّه مؤخرا انتقادات لاذعة إلى رئيس الوزراء الأسباني ماريانو راخوي بسبب الأزمة الخانقة التي ترزح تحتها إسبانيا،إذ كتب في ينايرمن العام الماضي أن رئيس الوزراء رجل بدون أفكار وغير قادر على خلق الأمل، فهل جاء ترشيحه للجائزة بهدف ” استمالته إلى صف الحكومة،وكي يخفف من انتقاداته لها ؟!
مارياس الذي حظيت روايته «الانبهار» بإعجاب القراء والنقاد قال إن أفضل كتّاب بلده، ومنهم والده لم يمنحوا أي جائزة، مضيفا أنه غير مستعد لقبولها، رفض مارياس للجائزة أثار أسف وزير الثقافة الأسباني. كما أثار استياء بعض أعضاء لجنة التحكيم الذين اعتبروا موقف مارياس ينم عن عدم احترام بالنظر إلى قيمة الجائزة، وكذلك لأن الروائي الإسباني سبق له أن استلم جوائز أدبية، مثل جائزة هيرالد للرواية سنة 1986، وجائزة النقد الإسبانية سنة 1993، وجائزة صالامبو لأحسن رواية التي نالها سنة 2003 عن روايته “وجهك غدا”.
لكنه منذ عقدين تقريبا وهو يرفض قبول الجوائز،خاصة المؤسساتية،أي التي تمنحها مؤسسات حكومية مثل جائزة منحة الأكاديمية الملكية الأسبانية
وأعلن مارياس مرارا أنه لا يريد أي “جوائز مؤسساتية”، ويقول: لا أريد أن أكون مدينا للحكومة الأسبانية ولا أي حكومة أخرى، طيلة حياتي استطعت أن أتجنب مؤسسات الدولة ورفضت أي عائدات مصدرها الأموال العمومية،إنها مسألة ضمير،وفي تصريحات أخرى يقول مارياس:لا أريد أن أكون كاتبا مفضلا من قبل أي حكومة!.
وليس مارياس وحده الذي يرفض أن يكون كاتبا مؤسساتيا، فثمة كتاب أوربيون وعالميون آخرون رفضوا الجوائز التي تمولها الحكومات، ومن هؤلاء الروائي الأسباني خوان غويتوصولو الذي رفض جائزة دولية أدبية بقيمة 150 ألف يورو مبررا ذلك بأنه كان يرفض أن يضع يده في يد معمر القذافي الرئيس الليبي آنذاك، الذي كان وراء الجائزة، وكذا الشاعر الأمريكي لورانس فيرلينجيتي، الذي امتنع عن استلام جائزة جانوس بانونيوس البالغة قيمتها 50 ألف أورو، مبررا رفضه بأن نظام بودابست الاستبدادي كان أحد المساهمين في قيمة الجائزة.
وبالطبع وكما جرت العادة يحتفي العالم بهؤلاء الذين يحصلون على الجوائز، ونصفق لهم طويلا لحظة صعودهم المنصات لاستلام الجائزة، لكن يبقى سيد الوجدان،سيد الذاكرة، هذا الذي تطرق الجائزة بابه، فيعتذر عنها، انطلاقا من موقف إنساني أو سياسي،حتى لو اختلفنا معه!.

محمد القصبي

إلى الأعلى