الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٩ هـ

بلادي

أقلتُ “بلادي”؟
أتعلمين أمري مع بلادي
يا سيّدتي؟
بلادي أعزُّ عليَّ من أن أهديَ لها
زهرةً ورقيَّةً تساقطت عليها رذَّاتُ ربيعٍ عربي
أو أركبَ أغنيةً تؤدَّى في مهرجانٍ شعبي

أعزُّ عليَّ من أن أناديَها أمَّ الدنيا
أو أسمّيها عادةً تُعاد وتقليدًا يُتَّبع
بلادي يا سيّدتي
بلادي أعزُّ عليَّ من أن أمنحَها عيني
فلي عينانِ وبلادي عيون
أو أضعَ في يدِها شمسي
فلي شمسٌ وبلادي شموس
أو أشبَّهها بقمري
فلي قمرٌ وبلادي أقمار
أو أضعَ في يدِها يدي
فلي يدانِ وبلادي أياد

بلادي يا سيّدتي
ليس لديَّ أسماءٌ أعلمُّها إيّاها
ولا لديَّ سبلٌ أهديها إليها
ولا لديَّ كلماتٌ أورّثُها إيَّاها
لن أكونَ شاعرَها ولا خطيبَها ولا مفتيها
فشعري حروفٌ محلاة،
وخُطبي كلماتٌ مسجوعة،
وفتواي عظامٌ نخرة
من قبورٍ نبشها النَّابشون
وتهافتَ عليها المتهافتون
أمّا بلادي فهي نفوسٌ وعروقٌ وأنفاس
مرجت البحارَ والمحيطاتِ والأنهار
في عروقِ كلِّ واحدٍ من بني وطني يجري
دمُه
وفي عروقِ كلِّ واحدٍ من بني وطني تجري
أسماؤه
وسبلُه
وكلماتُه
يحفرُها، ينقشُها، يلوّنُها كيفَما يريد
حسبَما يريد

بلادي يا سيّدتي
تسكنُني وأسكنُها
لا بيتًا زُخرفًا ولا قصرًا شامخا
وإنّما أسكنُها بيتًا من الطّينِ والعلقِ
لي في حبِّ بلادي كلمةٌ واحدة
كلمةٌ لا مزدانةٌ ولا محلاة:
“أحبّكِ
أحبّكِ عروبةً أرومتُها الإنسان
أحبّكِ إسلامًا أصله السَّلام
أحبّكِ طينًا وعلقًا
أحبّكِ وأنا أعلمُ أنَّ بعضَ نوافذكِ ضيّقةْ
تفرزُ الشَّمسَ فتختارُ منها أشعّة
وتنبذُ أخرى
وأنَّ صيفَكِ حارٌّ حرًّا شديداْ
أتعلمين لماذا؟
لأنّي أحبّكِ
أحبّكِ لا لأنّكِ مخزنٌ فيه زادي
ولا لأنّكِ مشتلٌ فيه بذري
ولا لأنّكِ موردٌ فيه مائي

أحبّكِ لأنّي أحبّكِ
وكفاني ذلكَ نورًا ينيرُ لي دربي
فـأنا لن أنبشَ الماضيَ كثيرا
ولن أستلَّ حبَّكِ من أوراقٍ
ومخطوطاتٍ تُزدانُ بها الشّاشة
كفاني أن أراكِ أمًّا وأبًا وابنا
ابنًا تحبو وتكبر، تصعد التّلّ، تكسرُ هذه اللعبة وتلك، تصيحُ وتصرخُ، ’بابا، بابا دعني أغنِّ لكَ أغنية:
ع
م
ا
ن
اسم بلدنا
بلدنا عمان‘
تغنّي وتركضُ في ساحةِ البيتِ وتركلُ الكرةَ صائحًا: ’أنا عماني‘، وتترعرعُ أمامي وتلبسُ الخنجرَ ودشداشةً بيضاءَ أو تختارُ لونًا آخرَ أقربَ إلى ذوقِك.
كفاني أن أستشرفَ مستقبلَكِ، وأرى نوافذَكِ تكبرُ وتتوسّع
كفاني أن أراكِ صدرًا رحبًا للشّمسِ أشعّتِها كلِّها،
لا تصطفينَ هذا ولا تذرينَ ذاكَ
كفاني أن أراكِ ذراعًا تتمددين وتحضنين أبناءَكِ كلهَم،
كفاني أن أراكِ تتجاوزينَ وتتجدّدين
كفاني أن أراكِ في كلِّ ابنِكِ وفي كلِّ بنتِكِ لونًا جديداْ
كفاني أن أحبّكِ وأراكِ حبًّا وحبًّا وحبّا”.
هذه بلادي يا سيّدتي
وهذا أمري معها.

د خالد محمد البلوشي
khalidb@squ.edu.om

إلى الأعلى