الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / حياة “والتر ميتي ” السرية .. أحلام يقظة

حياة “والتر ميتي ” السرية .. أحلام يقظة

من منا لم يغرق في بحر أحلام اليقظة للهروب من واقع مليء بالضغوطات والمشاكل المستعصية ، التي يصعب علينا إيجاد حل لها يناسبنا ويرضينا.
لذلك نلجأ للتحليق بسماء تلك الأحلام ، لكي تساعدنا على تحقيق جميع الأمنيات والأفكار التي نعجز عن ترجمتها على أرض الواقع ، وقد يكون ذلك لأننا نخشى مواجهة الحقيقة، أو لأننا نتمنى وجود أشياء خيالية يستحيل حدوثها إلا في أحلامنا الوردية، او اشياء موجودة بالحقيقة ويصعب علينا تملكها , وأحيانا قد يفضل الإنسان العيش في هذا العالم الخيالي الذي نسجه عقله والمفروش بالورود والسعادة وفرصة تحقيق ما يتمناه حتى لو كان ذلك وهما، رافضا العودة إلى واقعه المرير الذي هو أشبه بغابة كبيرة تحفها المخاطر من جميع الجهات .
وهو ما دفع بطل فيلم اليوم الى الاستعانة بأحلام اليقظة والتحليق في سمائها التى جعل منها ممرا للخروج من حياته الروتينية وهروبا من رتابتها في (حياة والتر ميتي السرية)
حياة والتر ميتي السرية (The Secret Life of Walter Mitty) : هو فيلم فانتازيا , مغامرة وكوميديا اميركي من تأليف (ستيف كونراد و جيمس ثوربر). ومن اخراج الفنان الكوميدي (بن ستيلر) الذي يؤدي ايضا بطولة إعادة إنتاج للفيلم , الذي تم إنتاجه للمرّة الأولى منذ حوالي أربعة عقود وهو مستوحى من قصة قصيرة للكاتب جيمس ثيربر1939، وكان لها أثر كبير على أدب الفنتازيا بشكل عام واخرجها نورمان ماكلويد في شريط حمل العنوان نفسه عام 1947 .
وبعد عدة محاولات لأنتاج الفيلم واخراجه منذ الشريط الاول , وتنقل النص بين كتاب سيناريو عديدين , اخيرا رسا المشروع على بين ستيلر لأداء البطولة فحسب لكن عندما رأى المنتجون مدى حماسته للقصة والشخصية عرضوا عليه تولي الاخراج كذلك . والذي اشاد له النقاد ايجابيا لأنه لم يعتمد التصوير الرقمي الذي اصبح موضة العصر , وذلك ليبقى متجانسا مع السيناريو الذي يدور حول مجلة تستعد لنشر اخر عدد ورقي قبل ان تتحول الى رقمية .
وايضا حظى الفيلم على اعجاب العديد من الجماهير وخاصة فئة الشباب والمراهقين , الذين ابهرتهم طريقته في معالجة التقوقع و استبداله بتمجّيد الحياة والحب والتنقل حيث احتوى على الكثير من المواقف الطريفة واللحظات الانسانية المؤثرة، في قالب من جماليات مشهدية لديكورات طبيعية ساحرة صوّرت بين نيويورك وغرينلاند وايسلندا والهيمالايا .
الفيلم من بطولة الممثل الكوميدي الاميركي (بين ستيلر) الحائز على جائزة ايمي , والذي امتعنا في العديد من اعماله الفكاهية و منها (There’s Something About Mary) , (Meet the Parents) , (Meet the Fockers) و (Night at the Museum) في ثلاث اجزاء اكثر من رائعة .
يقوم ستيلر بدور “والتر ميتي” والذي بدا بعيدا عن صورة ” الفكاهي ” الذي اعتاد تقديمها كما هو معهود في أفلامه , حيث بدا عميقا , جذابا وحنونا مع مجموعة اخرى من شخصيات اغنت حبكة الفيلم , مثل الوجه النسائي الذي شاركه البطولة الرقيقة (كريستين ويغ ) في دور ” شيرلي ميلهوف ” و الرائعة (شيرلي ماكلين) في دور الام المؤثرة الحنونة ” ايدان ميتي ” و الممثل (ادام سكوت ) ويقوم بشخصية المدير الساخر العديم الاحساس ” تيد هندريكس ” وضيف شرف الفيلم المخضرم (شين بين) ويقوم بدور المصور المغامر الغامض ” شين اوكونيل “.

قصة الفيلم
يروي قصة موظف عادي ، يهرب من رتابة حياته مستعيناً بأحلام اليقظة، الحافلة بالمغامرة والبطولة والرومانسية. لكن عندما يُهدد بخسارة عمله، يقرر صنع شيء ما في عالمه الحقيقي، فيمضي في اكبر مغامرة حقيقية لتغير مجرى حياته بعدها .
أحداث
يصل (والتر ميتي) الى عمله متأخرا , وهو يعمل معالجا للصور الفوتوغرافية في قسم التحميض بمجلة “لايف”, بعد ليلة قضاها في محاولات لمراسلة فتاة اعجبته في احدى مواقع التواصل الاجتماعي , وقد باءت تلك المحاولات بالفشل وهو مايدفعه لمحادثة احد مسئولين الموقع , وبرغم من انها زميلته في العمل , الا انه يجد صعوبة في التقرب منها فهو يحمل بين طيات شخصيته شئ من التقوقع والخجل الشديد وهو مايدفعه الى الغرق في احلام اليقظة التى تنقله في ثوان الى عامل اخر فيه رحلات سحرية ومغامرات مجنونة , تحوله الى بطلا خارقا , وهي التى يعتاض بها عن واقعه الذي يمثل سخافة بالنسبة له .
صورة ” 25 ”
يتجه ميتي الى مكتبه , ويجد حافظة اموال كتب عليها رسالة ثناء من المصور الرحالة (شون اوكونيل) يشكره فيها على طريقة تعامله مع الصور وتوظيفها طبقا للأحساس بموضعها الصحيح في المجلة , ومرفق معها شريط فيلمي يحمل صورا سالبة ( نيجاتيف) والتي يقوم ميتي بالعمل عليها لنشرها بصفحات المجلة , ويخبره بأن الصورة الـ 25 من الشريط هي الاهم ليهتم بتفاصيلها , ولكن يفاجأ ميتي بأن الصورة مفقودة من الشريط الاصلي وغير واضحة المعالم , و يكتشف بعدها انها اختيرت من المسؤلين لتكون غلافا بأخر اعداد المجلة قبل ان تتحول الى موقعا عبر الانترنت .
يقوم ( تيد ) المدير المسؤول عن تسريح الموظفين بالمجلة عقب اصدار اخر اعدادها , بعمل اجتماع لهم ليتناقش معهم عن خطة اصدار العدد الاخير بما يتناسب مع قرارات مسؤلي المجلة , وهي اللحظة التى يقرر فيها ميتي التحدث مباشرة مع زميلته بقسم التصوير شيرلي ميلهوف , تلك الفتاة التى يعجب بها ويود مراسلتها , ليطلعها على قصة صورة الغلاف التى تحمل الصورة الـ 25 المفقودة وانه يريد من يساعده في التواصل مع شون اوكونيل لكي يتمكن من ارسال الصورة له من جديد .
رحلة
يستمر خيال والتر في مداعبته , حيث يضعه تارة مع شيرلي فتاة احلامه بمنزلهما الصغير , واخرى في اشتباكات مع تيد صاحب الشخصية السمجة , الذى يُلقى بعض من سخفه فى وجه ميتى كلما تلاقى معه , وفي الاخير يتخيل ميتي عند التدقيق مطولا في صورة المصور شون بأنه يشير له للقدوم والسفر اليه , وهي اللحظة التي يستفيق فيها ميتي ويقرر السفر في رحلة للبحث عن شون والصورة المفقودة .
يصل ميتي الى جزيرة ” جرين لاند” الواقعة بين منطقة القطب الشمالي والمحيط الأطلسي , كما اخبرته شيرلي , بعد ان تمكنت من تعقب اخر مكالمة من شون مع احدى صديقاتها المصورات التى اخبرتها بأخر الاماكن التى زارها شون الرحالة المغامر.
يبدأ ميتي جولته في البحث عن شون , يحمل معه حقيبته بداخلها جميع الصور , وبطريقة ما يتعرف على احد الاشخاص بداخل احدى الحانات , ليجد تطابق بين اصبع يده وذلك الاصبع الذي تميز بوجود قطع بمقدمته والذي التقطه شون باحدى صوره المثيرة بالفيلم , ويخبره الطيار المخمور بان عليه المضي معه وسوف يدله على بداية الطريق للعثورعلى صديقه , يضطر والتر الركوب معه داخل طائرته المروحية ليلقيه الطيار على سطح احدى سفن الصيد بعرض البحر , ويتذكر ميتي ان هذا المنظر من الاعلى قد التقط ايضا في احدى تلك الصور الخاصة بشون , وكأنها دليل الوصول اليه .
يستكمل ميتي رحلته الى بركان ” ايسلندا” , بعد ان يتأكد من وجهته الصحيحة الى شون وذلك بعد ان يخبره احد افراد طاقم السفينة بتواجد المصور معهم قبل فترة وكان قد اعطاه رسالة باماكن تواجده في الفترة القادمة والتى تبدأ بتاريخ صباح غد عند البركان .
يعود والتر ميتي الى وطنه بعد ان يفقد الامل في العثور على شون , بعد ان كان على مقربة منه , فقد رصده في احدى المروحيات يلتقط بعض الصور لمنظر البركان الثائر ولكن سرعان مااختفى من امامه , يجد ميتي عند عودته ان تيد قد فصل العديد من زملاءه ومنهم شيرلي , التى يذهب الى زيارتها بعدها ويجد رجلا يستقبله فيقررعدم الدخول والذهاب بعيدا , ويستدعيه تيد ليسأله عن صورة غلاف المجلة الاخير ويخبره انه سوف يختار صورة اخرى وهو قد فصل من عمله بداية من الان لتأخيره في اعدادها .
الهملايا
يفاجأ ميتي عند عودته للمنزل بتلك الزيارة التى قام بها شون الى منزله قبل سلسلة سفره , والتى عرف فيها الكثير عن الحياة الخاصة بميتي عن طريق والدته التي اعدت له (الكعك) الذي اخذه معه في رحلته الاخيرة , والذي قد وجد ميتي البعض منه قبل ذلك مع احد افراد طاقم سفينة الصيد ولكنه وقتها لم يعرف كيف وصل كعك امه اليهم , ايضا يفاجأ ميتي بأن احد تلك الصور الذي لم يتمكن من تفسيرها هي صورة لأحد جانبي ( البيانو ) بمنزله , وقد التقطتها والدته باستخدام الكاميرة الخاصة بشون .
تقوم والدة ميتي باخباره ان عليه استكمال رحلته وراء شون وتعطيه رمزا من خلاله سوف يتمكن من اللحاق بشون , الذي ولع بطريقة عمل ميتي وحبه للحياة وهو قد اعتبره شريكه في تلك المغامرات والرحلات . وبالفعل يتحقق ميتي من الرمز ليصل الى كلمة افغانية تعني (احدى القمم بالهيمالايا) . ويقرر السفر الى هناك .
شون
يتمكن ميتي من الصعود الى قمم الهيمالايا , ويلتقي اخيرا بشون , ويخبره بأنه يريد ان يعرف ماهية تلك الصورة , فيخبره شون بأنها بداخل ذاكرة حاسب صغيرة بالمحفظة , وانه قد ترك له مايدل على مكانها (انظر بداخلها) , ولكن يخبره ميتي بانه قد اضاع المحفظة , وعليه معرفة ماهية الصورة الـ 25 , وينظر له شون ويخبره بانها كانت صورة جميلة فحسب .
يترك لنا الفيلم حيزا للتأمل في هذا المشهد , وان شون قصد ان يخفي تلك الصورة , بعد ان تسلل الى حياة ميتي الخاصة وتعرف فيها على مشاعره ورغبته في التحرر , فقرر مساعدته بطريقة غير مقصودة وارغامه على السفرلملاحقته , لكي يقوم بتحفيزه على ان يعيش في رحلة حقيقية مليئة بالمغامرات في عالم واقعي مثير لم يجرؤ على عيشه حتى في اكثر احلامه جنوناً وغرابة .
يعود ميتي الى منزله مرة اخرى , ليفاجأ مرة اخرى بوالدته تعطيه حافظة النقود التى القاها في القمامة وانها قد عثرت عليها وقررت الاحتفاظ بها حتى قدومه , يذهب والتر الى المجلة ويقررعدم النظر الى تلك الصورة التى وجدها بالحافظة وانه سوف يسلمها فقط الى تيد .
يلتقي تيد بشيرلي ويتأكد ان ذلك الرجل بمنزلها ليس كما توقع وانه ليس صديقها , واثناء جولتهما معا تقع عيناهما على اخر اعداد المجلة التى كانا يعملان بها وقد حمل غلافها صورته الشخصية عندما كان منغمسا بالتفكير في تلك الصورة المفقودة .
فيلم رائع يمجّد الحياة والحب والسفر والارادة الانسانية والخيال، و يلامس الكثيرمن المحبطين، الخانعين لقبول حياتهم كما هي عليها ، ويحفّز من اعتادوا الوقوف على محطة الانتظار ومراقبة الحياة التي تمر من امامهم كقطار سريع، من دون ان يجرؤوا مرة على القفز داخله .

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى