السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف ..في الغربة السلبية

اصداف ..في الغربة السلبية

وليد الزبيدي

يقول الحلاج
طلبت المستقر بكل أرض فلم ارّ لي بأرض مستقرا
وذقت من الزمان وذاق منّي فوجدت مذاقه حلوا ومرا
يحضر هذان البيتان من شعر الحلاج المتصوف، عندما يتأمل المرء حال النازحين واللاجئين والمشردين، تتصدر نشرات الاخبار العربية معاناة الملايين من السوريين والعراقيين الذين اجتاحت مدنهم الحروب والدمار والقصف، تاركة الدمار والخراب وبيوتا مهجورة ومدنا مقفرة ونفوسا تئن وتتألم في كل ساعة ودقيقة.
في خوالي الايام، كان الناس يتحدثون عن غربة إبن أوغربة قريب، وفي الغالب تكون هذه غربة إيجابية، بمعنى، أن الكثير من الطلبة العراقيين ومن دول الخليج العربي كانوا يذهبون في بعثات دراسية لأميركا وبريطانيا واوروبا، وهؤلاء يعيشون في غربة كما يقول هؤلاء انفسهم، وكما تصنفهم عوائلهم ايضا.
الملايين من المصريين يضطرون لركوب قطار الغربة بحثا عن لقمة العيش، وكان الملايين من هؤلاء يعملون في العراق، وعندما كنا نتحدث معهم، يقولون نحن في بلدنا لسنا بغرباء، لكنهم ما أن يتذكروا الأهل والأبناء والزوجة ومدينتهم أو قريتهم، فإن ألم الغربة يطفر في دواخلهم وتغرورق العيون وتسقط الدموع ايضا.
مرة، كنا عائدين من لندن عام 1982 على متن احدى طائرات الخطوط العراقية، وشاهدت العشرات من النسوة والرجال والشباب يركعون يقبلون أرض العراق حال نزولهم من الطائرة، وقد امضى غالبية هؤلاء عدة اسابيع بعيدا عن بلدهم، وهم يعرفون أن الجميع بخير وأنهم عائدون إلى بيوتهم واعمالهم اليومية.
في ايامنا الحالية، هناك الملايين الذين اضطرتهم الظروف القاسية في سوريا والعراق لترك منازلهم واهلهم ومناطقهم واعمالهم واماكن تفسحهم وتجوالهم.
هؤلاء، لا يعرفون هل يعودون في يوم ما ام لا، والكثير من بيوتهم دمرت أو سرقت وربما تم حرقها، وخسر الكثيرون مصادر رزقهم ووظائفهم واعمالهم.
الكثيرون فقدوا الكثير من الأهل والاقارب والاصدقاء، البعض تم اختطافهم ولم يعودوا، وكثيرون قتلهم الأميركان بالقصف والصواريخ والقتل المباشر والقتل أثناء التعذيب.
آخرون تم تشريدهم دون أن يعرفوا لماذا حصل كل ذلك، وآخرون قلقون لا يعرفون ما يأتي به الغد.
غربة سلبية تغزوا الناس وناس يشاركون في تغذية الغربة السلبية، التي يمكن وصفها بـ” الغربة الكارثية”.

إلى الأعلى