السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / صقيع الثلوج وجرعات التفاؤل

صقيع الثلوج وجرعات التفاؤل

علي بدوان

لم تَشهَد بلاد الشام منذ سنينٍ طويلة، هذا المنخفض الجوي، الذي غطى كل مساحاتها من أقصاها لأقصاها، من آخر مترٍ مربع من شمال سوريا، إلى آخر مترٍ مربع من جنوب فلسطين والأردن. ولم تَشهَد البلاد أيضًا تلك العواصف الثلجية المحمولة بالصقيع الشديد البرودة منذ سنوات طويلةٍ. حيث وصلت درجات الحرارة في بعض المرتفعات الجبلية العالية في ساعات الليل إلى أدنى من خمس عشرة درجة مئوية تحت الصفر على سلم (سلزيوس) لقياس درجات الحرارة، وهو ما يعادل (288) درجة على سلم (كالفن) و(19.3) درجة على سلم فهرنهايت.
الموجة الجوية الانخفاضية التي أُطلق عليها مُسمى (هدى) في فلسطين والأردن، و(زينة) في لبنان وسوريا، استمرت لعدة أيامٍ متتالية، نتيجة تداعياتها وتوابعها، حيث شكّلت الثلوج المُتراكمة على الجبال والمرتفعات وحتى في المنخفضات في مختلف المدن وخاصة المحاطة بالجبال كمدينة دمشق التي يطل عليها جبل قاسيون، ما يمكن أن نُسميه (جملة ترموديناميكية) نصف مفتوحة، وفق مصطلحات علم الفيزياء الحديثة. وهذه الجملة بإمكانها أن تتبادل الطاقة الحرارية مع الوسط المحيط، والتبادل هنا برودة مع برودة أقل، يرافقها تعديل حراري، تبتلعه زياده في البرودة ناتجة عن رياح المنخفض التي كات تتوالى كل لحظة، وهو ما جَعَلَ من حالة الطقس تتميز بصقيع شديدٍ يتوزع على كل المناطق.
المُهم هنا، أن تلك الموجة من المنخفض الجوي النوعي الذي ضرب بلاد الشام، أعاد إلى ذاكرتي مُنخفضًا شبيهًا وقع قبل ثلاثة عقود تقريبًا، عندما كُنت في واجب تأدية خدمتي في التجنيد العسكري على سفوح جبل الشيخ الواقع أقصى الزاوية الشمالية من هضبة الجولان عند مثلث الحدود السورية اللبنانية الفلسطينية وفق تقسيمات خريطة (سايكس ـ بيكو).
إن تلك الأيام التي قضيت فيها خدمتي العسكرية على سفوح ومرتفعات جبل الشيخ، وعلى قساوتها من حيث البرودة والصقيع الذي لم نَشهد مثله في حياتنا، كانت على الدوام مَصدَرَ فخرٍ واعتزاز، لي ولأجيال من عاش تلك الأيام من تاريخ سوريا وفلسطين، وتاريخ الصراع مع الاحتلال “الإسرائيلي” الجاثم فوق أرضنا العربية في فلسطين والجولان.
في مرتفعات جبل الشيخ، وفي أعلى نقطة منه، وهي النقطة التي تُدعى بقمة جبل الشيخ، وارتفاعها عن سطح البحر يبلغ نحو (2814) مترا، والواقعة على مسافات قصيرة من قوات الاحتلال “الإسرائيلي”، عشنا في بركسات محفورة بين الشقوق، وداخل الدشم العسكرية، التي أعطتنا دفئًا معقولًا، مَكننا من الصمود والثبات والبقاء في أجواءٍ لا يستطيع الإنسان أن يحياها دون وسائل وقاية وحماية وأمان.
أذكُرُ في تلك المرحلة، أن المواد الغذائية كانت تصلنا عبر زحافات ثلجية، وهي آليات عسكرية مُخصصة لصعود الجبال الجليدية، تسير على جنزير حديدي متين، وكانت تلك الزحافات تصل إلينا مرة كل أسبوع على امتداد فصل الشتاء القارس على سفوح ومرتفعات جبل الشيخ. وهي زحافات كانت تملك نظيرها القوات الدولية العاملة على جبهة الجولان (الأندوف) وقوات الاحتلال “الإسرائيلي”.
وفي إحدى المرات، وكنت صاعدًا في الزحافة الثلجية بإتجاه مُرتفعٍ شديد الصعوبة في جبل الشيخ اسمه (مُرتفع قرنة السفحة)، كانت العواصف الثلجية تَهِبُ شكل كبيرٍ على مرتفعات الجبل، وقد انعدمت الرؤيا تمامًا داخل الزحافة، ولم يعد بإمكان سائقها أن يميز الطريق، فالثلوج التي تراكمت على الزحافة غطتها بالكامل وجعلت منها جملة فيزيائية مغلقة، ولم تنفع عندها التقنيات الحديثة الموجودة داخل غرفة القيادة في التغلب على الصعوبات الحاصلة، وهو ما أدى بالزحافة ومن بداخلها للازدلاف نحو الأراضي اللبنانية من جبل الشيخ، لنجد أنفسنا في منطقة مرتفعات (راشيا الوادي) المُستلقية على سفوح جبل الشيخ من جهته اللبنانية. وفي تلك الأوقات كانت قيادة الأركان العامة في جيش التحرير الفلسطيني والجيش العربي السوري، تبحث عنّا، وتحاول بث النداءات عبر أجهزة اللاسلكي التي تَعطَّلَ بثها، إلا أن تم التقاط البث ونحن في المنطقة اللبنانية من جبل الشيخ. لقد كانت لحظات نشوة وانتعاش وطني بالرغم من صقيع تلك المرحلة، فشعورنا الوطني كان طاغيًا بأن ما نقوم به ليس سوى مُهمةٍ وطنية، حتى وإن انتهت حياتنا في هذا المسار الصعب من خدمتنا العسكرية في تك الظروف.
الآن، ومع الصقيع القارس، ومع الخيرات والبركات التي جادت بها (هدى) و(زينة) ومنخفضهما الجوي على بلاد الشام، فإن الأنظار تتجه من أجل خلاص البلاد، وإسدال الستار على أزمة طالت واستطالت، والعمل بشكل حثيث من أجل الحل السياسي العام بين الجميع، الحل السياسي الذي يحفظ البلاد والعباد، ويوقف نزيف البشر والحجر.
إن روح التفاؤل تسود الآن عند قطاعات واسعة من الناس بالرغم من الصعوبات القائمة. فالبركات التي جاءت مع الأمطار والثلوج التي تشربتها انتعشت بها الأرض السورية بعد فترةٍ عجاف، سَتُفجّر معها الينابيع الصافية في المرتفعات والوديان، والتي سيخرج منها الماء الزلال، وهو ما يعطي الناس دفقات وجرعاتٍ من التفاؤل.
نحن ما زلنا في سوريا، وما زلنا تحت المعاناة، والأصح في قلب المعاناة، خاصةً في هذه الظروف القاسية والصعبة، حيث أكثر من (65%) من فلسطينيي سوريا من مخيم اليرموك، ومخيم حندرات، ومخيم درعا، ومخيم الحسينية، ومخيم السبينة … باتوا مشردين وفي مناطق الإيواء، وكذا الحال بالنسبة لأعدادٍ كبيرة من أبناء الشعب السوري الشقيق، وصوتنا هو الأمانة من أجل خلاص البلاد، وفتح الطريق للحل المنشود الذي يحفظ ويصون ويحقق الأهداف الوطنية.

إلى الأعلى