الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حرية التعبير في منابر التشهير “2 ـ 2″

حرية التعبير في منابر التشهير “2 ـ 2″

علي عقلة عرسان

حرية الرأي والتعبير، وفق مفاهيم متعارف عليها تقريبًا هي: “الحرية في التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو عمل فني بدون رقابة أو قيود حكومية بشرط أن لا يمثل طريقة ومضمون الأفكار أو الآراء ما يمكن اعتباره خرقًا لقوانين وأعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير. ويصاحب حرية الرأي والتعبير على الأغلب بعض أنواع الحقوق والحدود مثل حق حرية العبادة وحرية الصحافة وحرية التظاهرات السلمية”.
بعد عقود من الصراع في فرنسا تم إعلان حقوق الإنسان والمواطن فيها عام 178 عقب الثورة الفرنسية ونص الإعلان على أن حرية الرأي والتعبير جزء أساسي من حقوق المواطن..”، وهذا سبق لفرنسا استفاد منه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. والقانون الفرنسي مثله مثل قوانين في أوروبا يرسم حدودًا تمنع خطابات الكراهية ضد العرق والدين والميول الجنسية إضافة إلى منع استعمال الرموز النازية مثل الصليب المعقوف”؟! وقد مارس القضاء الفرنسي ما يعتبر حدودًا مشروعة لحرية.. ففي الـ10 من مارس 2005 منع قاضٍ فرنسي لوحة دعائية مأخوذة من فكرة لوحة العشاء الأخير للرسام ليوناردو دا فينشي. وأمر بإزالة جميع اللوحات الإعلانية خلال 3 أيام.. معلنًا أن اللوحات الدعائية مسيئة للرومان الكاثوليك، وبأن الإعلان كان تدخلًا مشينًا وعدوانيًّا يمس بمعتقادات الناس الخاصة”. أوليست الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، موجهة ضد دين وتنطوي على كراهية وتحريض، وتمس بمعتقدات الناس الخاصة؟! أم أنها قوانين خاصة بدين ومجموعة بشرية ودولة وليست شاملة بالمفهوم الإنساني والقانوني الوارد في المادة ١٩ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة وأهدافها؟! وفي نظرة خارجية أبعد نلاحظ أن هناك تمييزًا بين فعل داخل ديانة ومجموعة دول وبين أخرى على الرغم من اشتراك البشر بالشرط الإنساني والمصير الإنساني.. وفي هذا الإطار يجيء تساؤلنا عن الدول الاستعمارية ومنها فرنسا لنسأل كم اعتدت فرنسا واستعمرت وقتلت بعد ذلك التاريخ.. والجزائر مثل حي، لا سيما عندما نضع أفعالها وأفعال الاستعماريين منذ تكوين عصبة الأمم وحتى آخر ما صدر عن الأمم المتحدة من قوانين في عهد هيئة الأمم المتحدة؟! وكم فعلت الولايات المتحدة الأميركية أفعالًا من ذلك الصنف في العالم.. وبقيت فوق المساءلة وفوق القانون؟!
في الولايات المتحدة الأميركية ومنذ عام 1798″ أُعتبِرت معارضة الحكومة الفدرالية جريمة يعاقب عليها القانون، ولم تكن هناك مساواة في حقوق حرية التعبير بين السود والبيض”. ومن خلال متابعة الممارسات العملية لهذه الدولة العملاقة نجد أن ممارساتها في العالم ومفاهيمها وتطبيقاتها لتلك المفاهيم تقوم على ازدواجيات غير مقبولة، وهي مبنية على السياسات البراغماتية والمصالح، وهي لا تخرج عن روح هذا النص المشار إليه الصادر منذ ٢١٧ سنة.. وذلك على الرغم من أن المحكمة العليا وضعت مقياسا لما يكن اعتباره إساءة أو خرقًا لحدود حرية التعبير ويسمى باختبار ميلر Miller test، بدأ العمل به في عام 1973 ويعتمد المقياس على 3 مبادئ رئيسية وهي: ما إذا كان غالبية الأشخاص في المجتمع يرون طريقة التعبير مقبولة، وما إذا كان طريقة إبداء الرأي تتعارض مع القوانين الجنائية للولاية، وما إذا كانت طريقة عرض الرأي تتحلى بصفات فنية أو أدبية جادة.
وعلى الرغم من أن الفيلسوف جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill (1806 – 1873 أخذ بمفهوم مطلق لحرية التعبير حتى لو كان الرأي المعبر عنه أو المدعو إليه غير أخلاقي، إذ قال “إذا كان كل البشر يمتلكون رأيًا واحدًا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيًا مخالفًا فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة”، فإنه وضع حدًّا لحدود حرية التعبير هو عدم “إلحاق الضرر بشخص آخر”.
وإذا نظرنا إلى موضوع الحرية في بعض القوانين نجد أن الحرية كما حددتها المادة الرابعة من إعلان حقوق الإنسان الفرنسي الصادر سنة 1789م، هي قدرة الإنسان على إتيان كل عمل لا يضر الآخرين”. وتتقيد حرية الرأي والتعبير في المعاهدات الدولية بقيود أربعة هي: “أمن الدولة، وكرامة الحكومة، وكرامة الأفراد وسلامهم وحرياتهم، وحماية الملكية الأدبية والصناعية والتجارية، ومنها حق المؤلف والرسام والنماذج (الماركات المسجلة).
من التجني بمكان المطالبة بوجود نص في كتاب من الكتب المقدسة فيه تعريف أو تحديد لمفهوم الحرية نقارنه بنصوص القوانين، لكن في الأديان والمعتقدات الإلهية وشبه الإلهية من حيث التقديس والاتباع يوجد قيم أخلاقية وإنسانية عليا تحث عليها المعتقدات، وهي تتصل بالمعاملات والعبادات وكل ما يتصل بالجوهري من شؤون الحياة وما يؤهل لخير الإنسان في الدنيا والآخرة. وفي الإسلام أمر بالمعروف بصورة مطلقة ونهي عن المنكر بصورة مطلقة، وهو حث للمؤمنين من أتباع الديانات كافة، وليس للمسلمين منهم فقط، على التعبير عن موقف ورأي بصورة منضبطة ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ…)) سورة التوبة الآية ٧١ ومفهوم ذلك يتصل بالآخر وبالسلوك والعمل وبشؤن الحياة كافة وحتى بالنوايا.. والرسول محمد صلى الله عليه وسلم لخص رسالته بقوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، والإسلام يكاد يتحدد ويُختصر بالقول المتواتر: “الدين المعامَلة”، وحين نتذكر المساواة التامة بين البشر ذكورًا وإناثًا، والتأكيد على رفض العبودية والإذلال والإساءة للإنسان أيًا كانت أشكالها وأنواعها، في تطبيق عمر بن الخطاب للعدل الذي هو هو روح الإسلام: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، والتأكيد على حرية المعتقد، وهو أمر متصل بحرية التفكير:” وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” سورة الكهف ٢٩وهو اختيار يرتب على صاحبه ما يرتب، ونهي الإسلام لأتباعه بألا يسبوا دين الآخرين فيتسبب ذلك بأن يسب الآخرون دينهم “وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الآية 108، من سورة الأنعام) .. نجد أن كل ذلك وسواه مما لا يتسع المجال لذكره، يشكل ضوابط عامة وخاصة للتفكير والتعبير والتدبير والسلوك، وهو جوهر حرية التعبير. ففي الإسلام قيود أخلاقية وقانونية على حرية التعبير، وحث على ممارستها بمسؤولية.. الأمر الذي يعني أن الحرية مكفولة وليست مطلقة من حيث الزمان والمكان، ولا هي ” حرية التشهير” والإساءة للآخرين، فلا ضَرر ولا ضِرار.
أنا مع الحرية المنضبطة المسؤولة ولست مع فوضى المفاهيم والممارسات المنفلتة لها، مع حرية التعبير ولست مع التشهير.. أنا لست مع القتل ولا مع الاستفزاز والإساءة للآخرين وجرح مشاعرهم والنيل من كرامتهم في تشويه معتقداتهم.. وعلى المسؤلين بدرجاتهم أن يفعّلوا القوانين وأن يُعْمِلوا العقل والضمير والحس السليم ليجنبوا المجتمعات والشعوب والبلدان الآثار المدمرة للإساءات والاستفزازات التي تؤدي إلى الكراهية والقتل وتفتح أبواب صراع الحضارات، وتفسد العلاقات بين الناس. وكل إنسان سليم التكوين العقلي والوجداني عليه أن يرى بعينين لا بعين واحدة، وأحيانًا تكون حولاء؟! فكم من الاعتداءات والممارسات وقعت بسبب الاستفزاز الديني وأدت إلى مضاعفات، وكم من الممارسات الكريهة في هذا المجال سُكِت عنها ولم تلق شجبًا من أي نوع.. وها نحن، بعد حادث ايبدو بيوم واحد نشهد تعرض ثلاثة مساجد على الأقل في فرنسا لعدوان.. ويتعاظم السلوك العنصري ضد المسلمين، وليس هذا لا في صالح فرنسا ولا في صالح المسلمين ولا في صالح العلاقات بين الأديان وأتباعها في كل مكان من العالم.
يتكلمون عن التحريض في الصحافة العربية ليشاركوا في إدانة منفذي الهجوم على مجلة “شارل إيبدو”، ولا يذكرون التحريض الذي قام به الإعلام الغربي والصهيوني ضد العرب والمسلمين بعد أن مادت ايبدو وغيرها من وسائل الإعلام الأوروبية والأميركية والصهيونية في الإساءة لهم ولعقيدتهم ورموزهم الدينية.. ولا يتذكرون أيضًا أن نشر تلك الوسائل للصور المسيئة للرسول محمد “صلى الله عليه وسلم” بصورة متكررة وتتعمَّد الإساءة يتضمن أكثر من تحريض، بصورة مباشرة وغير مباشرة، فالفعل العدواني الاستفزازي المتكرر والمستمر منذ عام ٢٠٠٥ وحتى ٢٠١٥ ابتداء من الصحيفة الدانمركية إيلاند بوستن وانتهاء بالكرتونية الهزلية شارلي إيبدو، هو فعل وقح ومستهتر وصبياني ومستفز ومخالف للقوانين، ولم يردعه أحد من المسؤولين، ومن الطبيعي أن يحرض ذلك على ردود فعل كان آخرها رد فعل دام في باريس. وقد جاءت إشارة أو اثنتان في صحف غربية حول تقييم ما فعلته ” شارل إيبدو” وأمثالها، ففي الصحيفة البريطانية المعروفة باحترام أصول المهنة وبالجدية والاتزان نشر الكاتب توني باربر مقالًا يوم الخميس ٨ يناير ٢٠١٥ وصف فيه الصحف التي تنشر الصور المسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بأنها “غبية” حيث قال: “..إن بعضًا من المنطق السليم سيكون مجديًا لصحف مثل شارلي إيبدو وإيلاند بوستن الدانماركية التي ينم محتواها عن توجيه ضربة للحرية عندما تستفز المسلمين، لكنها في حقيقة الأمر غبية تمامًا”. ويرى أن للصحيفة الفرنسية “شارلي إيبدو” سجلًّا حافلًا بالسخرية وإغضاب المسلمين واستثارتهم، “فقبل عامين نشرت كتابًا من 65ً صفحة يحوي رسوما كاريكاتيرية ساخرة عن حياة النبي محمد”. وشن الكاتب بروس كراملي في مقال بمجلة تايم الأميركية هجومًا لاذعًا على الصحيفة الفرنسية واصفًا إياها بأنها مطبوعة “صبيانية” نظرًا “لمسلكها الغريب الكاره للإسلام”.
إن وراء هذا التهويل الذي جرى ويجري الكثير من الشبهات بأعمال تدبر وسياسات يُراد لها مسِّوغات، وما كل هذ التأييد والتهويل والتخويف والعراضات والاستعراضات إلا تعبئة كبرى، وتهيئة للرأي العام الفرنسي والغربي والعالمي ولأتباع للغرب من العرب والمسلمين، تمهيدًا لحدث كبير جدًّا يستهدف بلدانًا عربية وإسلامية، أو يهدف إلى متغيرات سياسية دراماتيكية كبيرة يُراد لها ما يسوِّغها، وقد يكون منها ما يتصل بالموقف من سوريا على وجه التخصيص الذي قد يشهد تحولًا في الموقف الأوروبي.. وقد دعت جريدة الأندبندت اللندنية إلى “عدم التردّد في الإعلان عن نهاية الخصومة مع سوريا ورئيسها قائلة: دعوا الرئيس بشار الأسد يتكفل بالحرب على الإرهاب فهو سيد هذه الحرب ويكفيكم شرفًا أن تساعدوا في مخرج لائق يبرّر لكم هذا التعاون عبر الإسراع بمصالحة سوريا، سوريا تنتج حكومة وحدة وطنية تحت رعاية الأسد تحشد طاقات الحكومة وما تيسّر من المعارضة المعتدلة في هذه الحرب”.
وقد كان رئيس وزراء فرنسا الأسبق دومينيك دو فيلبان واضحًا وميالًا إلى مواقف وسياسات مغايرة حين قال في مقابلة متلفزة: “إن تنظيم الدولة الإسلامية هو الطفل الوحشي لتقلب وغطرسة السياسة الغربية، إن التدخل العسكري في أفغانستان والعراق وليبيا ومالي ساهم في مضاعفة أعداد الجهاديين الإرهابيين الذين كانوا بضعة آلاف وأصبحوا يعدون نحو ثلاثين ألف مقاتل.. إن هذا التنظيم يكشف الإرهاب الحقيقي ويبرئ المسلمين من هذه الأعمال الإجرامية”، وقد “حان الوقت أن تتعلم أوروبا والولايات المتحدة من تجربة الحرب على أفغانستان، ففي 2001 كان لدينا بؤرة إرهاب رئيسية واحدة أما الآن وبعد خوض عمليات عسكرية على مدار الـ13 عامًا الماضية شملت أفغانستان والعراق وليبيا ومالي أصبح لدينا نحو 15 بؤرة إرهابية بسبب سياستنا المتناقضة”.. وفي مقال نشر له قبل يومين بصحيفة لوموند الفرنسية، قال دو فيلبان إن فرنسا تُجر إلى حرب خارج السيطرة، مؤكدًا ضرورة المحافظة على القيم الديمقراطية للدولة الفرنسية وتعزيز كل السبل لبناء “إسلام فرنسي” معتدل بعيد عن التطرف. وهذا الموقف يذكرنا بموقف دو فيلبان في مجلس الأمن الدولي عام ٢٠٠٣ عندما دار ذلك الحوار التاريخي المتعلق بالعراق بينه وبين وزير الخارجية الأميركي كولن باول ووزير خارجية بريطانيا.. وكان دوفيلبان إنسانًا منطقيًّا وشجاعًا وسياسيًّا بعيد النظر في مواقفه، ووطنيًّا ذا رؤية يريد أن يجنب بلاده الانزلاق إلى مسارات غير محمودة العواقب.
لكن للأسف الشديد هذه السياسات العاقلة المنصفة نادرة، وللأسف الشديد أيضًا هناك وقائع كثيرة ومواقف عديدة تشير إلى أن من يدّعون المحبة ويدعون إليها لا يمارسونها عمليًّا، وأن هناك من يمارسون المحبة ولا يدعونها لأنفسهم ولا يتكلمون عنها.. أما القتل فحدث ولا حرج ومن الطرفين مع فارق كبير: من يدعون إلى المحبة يقتلون بالجملة، ومن يمارسون المحبة من دون ادعاء يقتلون بالمفرّق.. وكل يتهم الآخر بالقتل.. فتأمل يا رعاك الله؟! في هذا المناخ السياسي الموبوء أعلن أنني ضد القتل وضد التشهير الذي يؤدي إلى القتل، وأنني مع العقل والضمير والحكمة.. فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم.. (قلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). سورة آل عمران الآية (64)، أي مسلمون لله سبحانه.

إلى الأعلى