الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / في المهجر الأميركي ..شعراء ينتمون لنا في الهم والحلم والألم !

في المهجر الأميركي ..شعراء ينتمون لنا في الهم والحلم والألم !

كيف تبدو فلسطين في وجدان نعومي شهاب ناي ؟ شاعرة فلسطينية، تنتمي إلى الأدباء العرب في المهجر الأميركي ، فالأب فلسطيني والأم أميركية ، أما “ناي ” المقطع الأخير فهو اسم الزوج .ولدت “نعومي” في مارس عام 1952 بالولايات المتحدة.
لكنها معروفة الآن في الأوساط الثقافية الأميركية كشاعرة وكاتبة ذات جذور عربية فلسطينية، وقد حصلت على العديد من الجوائز، منها جائزة إيزابيلا جاردنر للشعر عن ديوانها “أنت وما هو لك”، ومن أعمالها الشعرية الأخرى “طرق مختلفة للصلاة” الذي نشر عام 1980، و”معانقة الصندوق الموسيقي”، و”القفاز الأصفر”، و”الحقيبة الحمراء”
لكن ماذا عن خلفيتها العربية الفلسطينية؟
خلفية تتمحور حول تناسلها من أب ولد وعاش طفولته وصباه وشوطا من شبابه في فلسطين إلى أن داهمته النكبة ، كمئات الآلاف من مواطنيه ، وأجبر على الرحيل ، ليعبر المحيط الأطلنطي إلى العالم الأميركي ، دون أن يلفظ أبدا العالم الفلسطيني من ذاكرته ، بل وسعى إلى تسكين هذا العالم في ذاكرة ابنته نعومي ، ليس فقط من خلال حكي تفاصيل المأساة ، بل أيضا اصطحاب الصبية ـ وكانت في الرابعة عشرة من عمرها ـ في زيارة إلى الديار ، حيث أمضت “نعومي” ما يقرب من العامين في رعاية جدتها بالضفة الغربية، والتحقت بالمدرسة الثانوية ، وكانت أجهزة استشعارها تعمل بكامل طاقتها ، ترصد وتسجل تفاصيل الجريمة الأسوأ في تاريخ البشرية خلال عصورها الأخيرة ، والغارات التي كانت تشنها العصابات الصهيونية على القرى والمدن الفلسطينية لنشر الهلع بين العرب ليتركوا بيوتهم ، وهو ما وصفه المؤرخ الإسرائيلي البروفيسور إيلان بابه فيما بعد وفي إطار أبحاث جماعة المؤرخين الجدد في إسرائيل بعملية تطهير عرقي مارستها العصابات اليهودية ضد السكان العرب في فلسطين عام 1948.
وما كان احتلالا استعماريا بالمعنى المعروف ، بل تفريغا وإحلالا ، سطو مسلح على جغرافية شعب ، وتفريغ هذه الجغرافية من أصحابها ، وإحلال غيرهم ، غرباء ، في تلك الجغرافية.
ومن خلال ما سمعت ورأت تدرك “نعومي” أن الجريمة الصهيونية لم تتوقف عند مجرد سرقة الجغرافية فقط ، بل امتدت إلى تاريخ الفلسطينيين وتراثهم وأزيائهم وأطعمتهم وأسماء الشوارع والمدن والقرى ، حتى مقابرهم لم تسلم من السرقة! ولو ظلت نعومي في ديارها الأميركية ما كانت ستدرك عمق المأساة الشعب الذي تنتمي إليه مثلما أدركتها خلال الفترة التي أمضتها في رام الله والقدس الشرقية ، حيث حصلت على جزء من تعليمها الثانوي لتعود إلى ولاية تكساس في الولايات المتحدة لتستكمل تعليمها في مدارس سان أنطونيو .فهل انعكس هذا على أشعارها ، كتاباتها في المهجر الأميركي ؟
يقينا ، لكن ليس على الطريقة الحماسية المباشرة ، بل نز وجدانها أشعارا ذات أبعاد انسانية عميقة ، حيث ترصد قرون استشعارها مئات التفاصيل من اليومي والعادي لتخضعه إلى معامل التقطير بداخلها فيتنز شعرا إنسانيا جميلا .
وهذا ما لاحظه الشاعر الأميركي وليام ستافورد حين قال “يجمع شعر نعومي شهاب بين الحيوية المتسامية والألق إلى جانب الدفء وعمق الرؤية الإنسانية. ورؤية “ستافورد” لأشعار “نعومي” تبدو جلية في قصيدتها المعنونة بـ”العربية” ، حين تقول :
توقَّفَ الرَّجلُ ذُو العينَيْنِ الضَّاحكتَيْنِ عنِ الابتسامِ
ليقولَ: “طالَما أَنَّكِ تتكلَّمينَ العربيَّةَ
لَنْ تفهَمي الأَلمَ”
ليفعلَ شيئًا مَا بالجزءِ الخلفيِّ منَ الرَّأْسِ،
يحملُ عربيٌّ الأَسى فِي الجزءِ الخلفيِّ منَ الرَّأْسِ،
حيثُ شقوقُ اللُّغةِ فقطْ، والوتيرةُ نفسُها للأَحجارِ
الباكيةِ، ومِفصلٌ مزعجٌ فِي البوابَّةِ المعدنيَّةِ القديمةِ.
همسَ لِي: “ذاتَ مرَّةٍ ستعلَمِينَ. بإِمكانِكِ دخولُ الغرفةِ
فِي أَيِّ وقتٍ تحتاجِينَها. الموسيقَى الَّتي تسمَعِينها عنْ بُعدٍ،
منَ الطَّبلِ المصفُوعِ فِي حفلِ زفافِ غريبٍ،
تتفجَّرُ داخلَ بشرتِكِ، وداخلَ المطرِ، وأَلفُ
لسانٍ ينبضُ. تكُونِينَ قدْ تغيَّرتِ”
في الخارج كان الثلج قد توقف أخيراً.
في أرض يندر فيها الثلج،
شعرنا بأن أيامنا تنمو بيضاء وتتوقف.
كنت أظن الألم بلا لسان. أو أن اللسان،
ذلك المترجم العظيم، ينخل في الوقت نفسه.
اعترف بالعار. أن أعيش على حافة العربية، أشد
خيوطها الغنية دون أن أفهم
كيف تنسج السجادة، لا أملك الموهبة.
لدي الصوت لا الإحساس.
كنت أتطلع خلفه إلى من يمكنني التحدث
مع، متذكرة صديقة عند موتها بالكاد تخط “لا أستطيع الكتابة ” .
ماذا كان يمكن للنحو أن
يفعله لها حينئذ؟ لمست ذراعه، أمسكتها بقوة،
الفعل الذي لا تقدم عليه عادة في الشرق الأوسط، وقلت:
“سأتدارك النقص”، وقد أحسست بالحزن
لقلبه الطيب المتلزم، ولكني بعد ذلك في الشارع الزلق
أشرت لتاكسي وأنا أصرخ “ألم”! فتوقف
في كل اللغات وفتح أبوابه
والقصيدة كما نرى تنطوي على حوار متجذر لظاهرة الألم الإنساني ، فمحاور الشاعرة ـ العربي المبتسم ـ يرى أنها لن تفهم الألم طالما أنها لا تفهم “العربية” ، وكأن الألم ظاهرة عربية ، ظاهرة أصابت العرب دون غيرهم من الشعوب ، وهي لا ترى ما يرى ، الألم ظاهرة إنسانية عالمية، حتى أنها حين أشارت إلى سيارة “تاكسي” وهي لفظة شائعة في كل لغات العالم ، يلاحق بها الناس سيارات الأجرة في بلاد الدنيا ، لم تقل “تاكسي” ، بل قالت: ألم ! فتوقفت سيارة الأجرة، لتنتهي القصيدة بأن “الألم” شعور إنساني عالمي لا يختص به شعب دون آخر !
وفي قصيدتها “أورشليم” ـ من ديوان “تنويعات الغزالة” ـ يتجلى الوجع الإنساني في لغة هامسة ، لكن خفوتها يبدو حين تصطدم الحروف بالوجدان وكأنها سلسلة من الزلازل العنيفة التي لا تبرح آثارها أعماق المتلقي.
تقول :
مرة حين كان أبي صبيا
أصابته حجارة في الرأس.
وفي موقع الإصابة لم ينبت شعر أبدا.
أصابعنا وقعت على أثر الإصابة الرقيقة
وعلى لغزها:
أن الصبي الذي انهار
نهض واقفا.
دلو الأجاص
في مدخل بيت الأم يرحب بعودته.
الأجاص لم يكن يبكي.
صديقه الذي رمى الحجارة قال،
وبوقت متأخر، إنه كان يقصد بالحجارة طائرا.
وأبي بدأ يُنبت جناحين.
كل جناح يحمل أثر إصابة رقيق:
شيء ما نسيت حياتُنا أن تمنحنا إياه.
رجل يبتني بيتا ويقول
“مواطنٌ أنا الآن”
امرأة تتحدث مع شجرة عِوضا عن ابنها.
وأشجار زيتون جئن !
لكن أدباء المهجر الأميركي غير معروفين لنا ، وأظنها خطوة مباركة أن تبادر أي من مؤسساتنا الثقافية البارزة في القاهرة أو لبنان أو أبو ظبي أو الكويت بإطلاق سلسلة شهرية لتعريف القارئ العربي بأعمال هؤلاء المنتمين لعروبتنا ، ليس فقط برابطة الدم، بل وبما لا يقل أهمية بجينات الهم والحلم والألم ! .

محمد القصبي

إلى الأعلى