الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / قصيدة النثر الخليجية: أفق اللغة وسقف المجتمع

قصيدة النثر الخليجية: أفق اللغة وسقف المجتمع

كثرت في الخليج العربي الدراسات التي تقارب الخطابات الأدبية بمختلف أشكالها، خاصة في منحاها السردي الذي حظي بحظ وافر في ردهات جامعاتنا وكتاباتنا النقدية، وإن تجاوزنا القصور في النقود الموجهة إلى الخطاب الشعري المعاصر الذي لم يستوف حظه إلى الآن، فإننا نرى أن قسمًا وافرًا من تلك الدراسات النقدية الجادة كانت تحمل على عاتقها مهمةَ المقاربات الفنية البحتة التي تغتذي من النصوص الأدبية أساسًا ولا تبارحها أبدًا، مكتفية بالنظر في اللغة الأدبية فحسب، وأثر البنوية الشكلانية التي تجد مادتها الأولى في مدرسة الشكلانيين الروس واضح جدًا، بل غدا الخروج عن هذه السنة الشكلانية معيبًا في كثير من جامعاتنا ومؤسساتنا البحثية حين يراد النظر في أي من الخطابات الأدبية من وجهة النقد الأدبي، وهو إغفال لجانب مهم من المناهج النقدية الحديثة التي تلت البنوية الشكلانية وتجاوزت نظرتها المحصورة على النص، فابتنت لنفسها مسارات مهمة تفيد مما يتعلق بالنص من مؤلف ومتلقٍ وسياقات تحف به، لتصل بذلك إلى نتائج بحثية لا تكتفي بالركون إلى أرفف المكتبات الجامعية أو المتخصصة، وإنما لتجد صداها في العلائق المختلفة التي تشكل المجتمعات.

وهذا المقال يحاول الانطلاق من أحد هذه المناهج لينظر في خطاب أدبي لا يزال مُشْكِلاً إلى اليوم في مجتمعنا الخليجي، بل العربي عامة، رغم مرور أكثر من نصف عامٍ على نشوئه العربي، نقصد بالضبط خطاب “قصيدة النثر” في الخليج العربي، حيث نشأت نصوص “قصيدة النثر” في مجتمع الخليج العربي في ظل وعي فعلي يرى في الفرد صورة متكررة للجماعة، ينظر إليه باعتباره خاضعًا لسياق جماعة تحفّه باشتراطاتها الاجتماعية، ولئن كانت هذه المحاصرة الاجتماعية – إن استعملنا مفهوم المحاصرة الذي يقدمه فوكو في نظام الخطاب – جلية الملامح في شكل القبيلة، فإن الأمر ليس حكرًا على المؤسسة الاجتماعية فحسب، بل إنه ينطبق على المؤسستين المتعاضدتين على مر التاريخ الخليجي: الدينية والرسمية، خاصة في ظل مجتمع يأخذ كثيرًا من ملامح ترسيمته الاجتماعية من الدين الإسلامي الذي يرى الشطّ عن الجماعة كالغنم القاصية التي تكون عرضة لافتراس الذئب1، ويجعل من الصلاة التي يعدها (عمود الدين) أكثر أجرًا في حال كونها جماعة2، بل إن أداء الفرد صلاته منفردًا في المسجد حال قيام الجماعة يبطل صلاته كما يرى كثير من فقهاء الدين الإسلامي.

إضافة إلى الكيانات الرسمية للدول التي رأت في ضم قبائل البدو إلى حيّز ملكيتها امتيازًا سهّل تماسك مجتمع شبه الجزيرة العربية، عن طريق ردم الهُوّات القبلية التي كانت تجعل من كل قبيلة سيدة نفسها، غير راضية بسيادة قبيلة أخرى عليها، وهو ما جعل التطاحن القبلي يستمر طويلاً على الرغم من محاولة الدين الإسلامي محو ذلك وعده من الجاهلية.

لقد رأت المؤسسة الرسمية في انصهار الفرد في إطار قبيلته المسلّمةِ أساسًا للملكيات القائمة، أمرًا يحفظ هذه الكيانات القائمة، ويضمن للمجتمع في صورته الحالية طمأنينة الاستمرار، إذ يبقى التواصل السيادي الذي يضمن توحد هذا المجتمع حصرًا بين الممثلين المعتمدين للمؤسسة الرسمية وشيوخ القبائل الذين ضُمّت أصواتُهم سلفًا إلى الملكيات القائمة، وحينئذٍ سهولة انصياع كل المنضوين تحت سطوة شيوخ القبائل.

إن هذا الوعي الفعلي لدى المجتمع هو الذي كان منذ التاريخ العربي الغابر يجعل الشاعر إعلاميّ القبيلة أو الدولة، محققًا بذلك توازنه بين ذاته الفاعلة والموضوع الذي لا يخرج في كثير من الأحايين عن حيّز ما ترسّمه القبيلة أو الدولة، مدخلين هنا المؤسسة الدينية ضمن مفهوم الدولة التي كان ولا يزال يتعاضد فيها خطاب المؤسستين: الرسمية والدينية.

في إطار هذا الوعي الفعلي نشأت “قصيدة النثر” في الخليج العربي، ولكن لا لتسلك الدرب نفسه فتكتفي بتقديم تجانس بين البنية الذهنية المجتمعية وبنيتها الفنية، وإنما لتسعى إلى تقديم وعي ممكن يجعل من الفرد كيانًا مستقلاً له أحقيته في الوجود لكونه فردًا حرًا، لا لشيء آخر، رافضة بذلك الوعي السكوني الذي يتعامل مع الفرد وفق التنميط السابق، ومستندة على جملة من الظروف المستجدة التي طرأت في الواقع الخليجي، كالتراجع النسبي لدور القبيلة في بعض الممارسات الاجتماعية: مثل اختيار مكان السكن الذي أصبح اليوم اختيارًا حرًا نسبيًا وليس للانتماء القبلي دخل فيه، واختيار شريك الحياة الذي أصبح هو الآخر يحظى بنوع من الاستقلالية، إضافة إلى الممارسات التي تنتمي إلى بند الأحوال المدنية التي تراجع فيها دور القبيلة بشكل كبير، وإن سعت المؤسسة الرسمية إلى تعويض ذلك بالحدود القانونية المدنية.

إضافة إلى أن هذه الرغبة في انفكاك الفرد من سطوة المجتمع كان لها سندها الكبير فيما أفاده شعراء “قصيدة النثر” الخليجيون من الخطاب الذي قدمته “قصيدة النثر” في صورتها العالمية والعربية، لا سيما أن “قصيدة النثر” ذات الأصل الغربي إنما تحضر فيها البنية الدلالية للفرد في صورة تجانس أصلي بين البنى الذهنية للمجتمع والبنى الفنية، وهو ما استُجلب إلى الصورة العربية منذ فترة متقدمة تاريخيًا على التجربة الخليجية.

وقد استخدمت “قصيدة النثر” في الخليج العربي جملة من البنى الفنية لتشكيل البنية الدلالية التي نسمها هنا بـ(الفردية)، وهو ما يحتاج إلى تتبع بحثي جاد لا تتسع له حدود هذا المقال، ونمثل على ذلك ببنية فنية تبدو لنا واحدة من أهم تلك البنى الفنية المستخدمة لهذا الغرض، نقصد بالضبط بنية الضمير المفرد، ومعلوم أن هذه البنية لها عدة أشكال كلها متكررة الاستخدام بشكل ملفت في نصوص قصيدة النثر:
- ضمير المتكلّم
- ضمير المفرد الغائب/ـة
- ضمير المفرد المخاطَب/ـة
وإذا أخذنا مجموعة سيف الرحبي (مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور)3 وتتبعنا حضور الضمائر في نصوصه فإننا نعثر على ما محصله الشكل البياني المرفق في الموضوع :

حيث إن ما تبيناه في هذا الشكل البياني كان بالنظر في الثلاثين نصا التي احتوتها المجموعة، إذ عمدنا إلى تتبع حضور الضمائر باختلاف أنواعها في هذه النصوص، وتبيُّن ما يخلو منها من هذه الضمائر، فما وجدنا غير نصين يخلوان منها تمامًا في نزعة وصفية واضحة، هما نصا:(بستان “ديستويفسكي”) و (مساء شاعر في مدينة)، بينما جاءت النصوص الأخرى متمحورة حول الضمائر المبينة في الشكل البياني السابق.
يستخدم الشاعر في هذا الديوان الضمير المفرد بتجلياته المختلفة (المتكلم – المخاطب- الغائب) بشكل موسع، إذ وصلت نسبة نصوص هذه الضمائر إلى مجمل قصائد المجموع إلى 75%، بجانب أنه استخدم فيما نسبته 21% من النصوص ضميرَ المتكلم مع ضمائر أخرى، جاعلاً من ضمير المتكلم مرتكزًا للخطاب فيها.
مع ملاحظة أن هذه النسب وهي توضح حضور ضمير المفرد فإنها توضح حضوره كمحور أساس تدور حوله معطيات هذه النصوص، أي لا يكون حضور هذا الضمير كمجرد عبور من الذات إلى الآخر/ ين، كما هو الشأن في كثير من الشعر الكلاسيكي، وإنما يكون النص، كل النص، مرتكزًا على هذا الضمير، لا تبعد عنه بناه المشكّلة له إلا لتعود إليه. بل إن الشاعر حتى حين لجأ إلى استخدام غير ضمير المفرد فإنه استخدم ضمير المتكلمين؛ لتكون الذات المتكلمة هي بؤرة الحديث ومحوره والموجه التام له.
إن الشاعر – وهو يستخدم ضمير المفرد في “قصيدة النثر”- يغيّب كل شيء سواه من الذوات الجمعية، لا وجود إلا لسلطة واحدة، هي سلطة المفرد، يقول فيها الفردية بكل ما تحمله من هواجس ووعي، ويمارسها عبر هذه البنية الفنية بعد تعذر وصوله إليها في الوعي الفعلي القائم للمجتمع، فبناها بالكلمات ليشكلها على هيئة نسق جديد يبغي به الوصول إلى تحقيق الوعي الممكن، الوعي الذي يريد له أن يكون.
في الواقع المعيش ثمة دومًا سلطة مجتمعية تجعل الشاعر رقمًا مشيئًا –بتعبير لوكاتش- ، لا يكون فيه الفرد إلا باعتبار قيمته التبادلية، أما في واقع النص فإن الفرد سيد فرديته، يحاول الوصول بذاته إلى التوازن الذي يريد بينها وبين العالم الذي يصبح موضوعًا لها.
ومجمل القول هنا إن ما قدمه الجدول السابق به نسب دالة بوضوح، وهي تشير إلى هذه البنية الفنية التي تستخدمها نصوص “قصيدة النثر” لعقد التجانس المراد بين النص والوعي الممكن الذي تسعى إلى إيجاد توازنه في المجتمع، والتي اصطلحنا لها مسمى “بنية الفردية.

هوامش :

1 . “… فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية”
النيسابوري، محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم، المستدرك على الصحيحين، ت:مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1990، ج1، 330
2 . ” فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمسا وعشرين درجة”
ابن حنبل، أحمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة، د.ت، ج2، ص 501
3 . الرحبي، سيف، مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، المطبعة الشرقية ومكتبتها، 1988

مبارك الجابري

إلى الأعلى