الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / ولنا كلمة : تعليمهم للابتكار وتعليمنا للوظيفة

ولنا كلمة : تعليمهم للابتكار وتعليمنا للوظيفة

الكثير منا في هذا العصر يغبط الغرب على ما وصل اليه من تقدم علمي وتقني في كافة المجالات ويتأسف على ذلك التاريخ العربي الزاخر بالكثير من العلوم والاختراعات، والذي كان يركز فيه الانسان على الابتكار والاختراع مما دفع بالغرب في تلك الحقبة من التاريخ الإنساني تسخير كافة الامكانيات لابتعاث مواطنيهم لتعلم العربية وترجمة ما لدى العرب من علوم، الا ان ذلك الحال اصبح دوامه من المحال فتحولنا نحن العرب الى تاريخ والغرب ثورة صناعية، انشغلنا بالجانب الامني وانشغلوا بالجانب التقني شغلتنا الدنيا بزينتها وشغلتهم بتطويعها لصالح مجتمعاتهم، استخرجوا لنا بتقنياتهم خيرات الارض ليستغني بها بعض الاقوياء منا ويزينوا فيها شوارع بلدانهم ومبانيها بدلا من تسخيرها لانتاج آلاف العقول قادرة على ادارة دفة هذه الثروات الوطنية.
كل ذلك لن يكون محققا لديهم لولا معرفتهم للمعني الحقيقي للتعليم وانشغالهم بكيفية تطوير العقول لخدمة نفسها اولا ومن ثم البشرية جمعاء، في الوقت الذي كنا نحن فيه بعد حصولنا على الثروة منشغلين بالبهرجة والبذخ والمظاهر والتفاخر بالحكم والسلطة والسيطرة على العقول وتجويع الشعوب للتركيع وعدم ترك مساحة لديها للتفكير نتيجة سعيها للحصول على تأمين ما يسد رمقها واسرتها من طعام وما يكسوها من لباس، فالهاجس الامنى عند السلطات الحاكمة ظل طوال قرون هو المسيطر على العقل بعد ان اصبحت ممارستنا للدين عادة وليس عبادة وللتعليم شهادة وليس ريادة وللعمل دخل شهري وليس انتاج، فعلى الرغم مما لدينا من ثروات تكفي لشراء العالم لا زلنا شعوبا عاجزة عن تأمين حاجتها بنفسها من ابسط مقومات الحياة دون مساعدة من عقل مخطط او قوى عاملة تنفذ او اداة تستخدم في الانتاج، وعلى الجانب الآخر ماذا حققناه في معظم المعارف ومفردات الحياة اليومية؟ اهناك انجاز عالمي سجل باسمنا؟ ففي كل شيء لا زلنا متأخرين لا نسعى الى المعرفة بل ننتظرها لكي تستأذننا بالدخول فاحدنا يفضل ان يكون منتظرا بدل ان يكون مبادرا يصنع ما يحتاج ولا يصنعوا له ما يحتاج، اتدرون لما كل ذلك؟ انه بسبب التعليم لأن تعليمنا امتحان وتعليمهم معرفة وابتكار، نحن نعلم ابناءنا من اجل الوظيفة وهم يعلمون ابناءهم من اجل الابتكار، نحن نكرم ابناءنا لحصولهم على الشهادة الجامعية بأعلى درجة حفظ للمقرر ونسعى الى البحث لهم عن افضل وظيفة حكومية حتى ولو تطلب ذلك الانتظار وهم يكرمون ابناءهم بانجازهم الفكري والابتكاري ويؤمنون لهم البيئة التي تمكنهم من الاعتماد على الذات التي تبعدهم عن التبعية في الوظيفة.
اذن ستبقى الفوارق قائمة بين تعليمنا وتعليمهم طالما اننا ننظر للتعليم منذ المرحلة العمرية الاولى على انه خدمة تقدمها الحكومة للمجتمع ضمن سلسلة الخدمات الملزمة بتقديمها، فالتعليم لم يعد ذلك فقط المنهاج الذي يصنع من ابنائنا شرائح متعددة من الموظفين في مجالات الخدمة المختلفة وانما صناعة لعقول قادرة على مواكبة احدث العلوم التقنية بل المشاركة في تأمينها لخدمة المجتمع، وهذا في واقع الامر لن يتحقق في ظل سياسة التعليم الحالية بدءا من المرحلة الدراسية الاولى وانتهاء بالجامعية، فالمرحلة الاولى يجب ان يكون التركيز فيها اكبر عن باقي المراحل على اعتبار انها تتشكل فيها صناعة العقل البشري لدى الطفل وتتحدد بالتوجيه رغباته وتصقل مواهبة وتعزز ابتكاراته، بدليل ان من يقوم بالتدريس في هذه المرحلة في بعض الدول التي نطلق عليها متقدمة لا يقل المستوى العلمي لبعضهم عن الماجستير والدكتوراه وفي مرحلة عمرية متقدمة، خلافا لما هو معمول به لدينا حيث من يتولى تدريس هذه الشريحة معظمهم حديثو التخرج، وبالتالي فان المحصلة النهائية لمراحل التعليم المتقدمة في جامعاتهم انجاز وفي جامعاتنا وكلياتنا معاناة لتكييف الطالب مع بيئته الجامعية لغة وفهما، فالمقرر في التعليم العام على مدى 12 عاما عربيا ثم يفاجأ بمقرر انجليزي فهل يعتقد احدنا ان ذلك يمكن ان يعينه على الابتكار والابداع الا ما رحم ربي.
اذن لابد ان نسارع الى التغيير في فكر التعليم لدينا وتوجهاته اذا ما اردنا ان يكون لدينا جيل مبتكر، جيل لديه القدرة على تقديم الحلول لكل مشاكل المجتمع، جيل همه ليس الوظيفة الحكومية وانما الاعتماد على الذات سواء من خلال ابتكاره لمنتج وتطويره او بناء مشروعه الخاص، فكل ما نستخدمه ونستهلكه من تقنية هي نتاج لابتكارات طلبة خدمهم التعليم واخذ بايديهم ثم اصبحوا مبتكرين.

طالب بن سيف الضباري
امين سر جمعية الصحفيين العمانية
Dhabari88@hotmail.com

إلى الأعلى