الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / إشراقات عمانية

إشراقات عمانية

سعود بن علي الحارثي

سادسا : الآداب والفنون ( تنوع وثراء )
” .. في السابق لم تخل قرية عمانية أو تجمعا سكانيا من مهنيين وحرفيين وصناع يعملون داخل السوق أو أن لهم مواقعهم التي يمارسون فيها أعمالهم كصناعة النسيج والخزف ومشغولات الزينة وتقطير ماء الورد والحلوى والسعفيات وفي صناعة السيوف والخناجر والحلي والدباغة وغير ذلك الكثير وهي مما لا يستغني عنه أي منزل عماني آنذاك,”
ـــــــــــــــــــــــــــ

قدم العمانيون للحضارة الإنسانية أشكالا متعـددة مـن الفنـون المكتوبة والمتداولـة ( الشفهية ) والمصنوعة والمنحوتة والمزخرفة وهي فنون (( لا تنبع من فراغ, بل هي نتيجة التفاعل بين الأفراد والجماعات والبيئة المحيطة خلال الأزمان والأحقاب الماضية , فلا يعرف من هو المبدع الحقيقي لها .. )). وظهرت الزخرفة والنحت كتابة ورسما وبتعبيرات متعددة على الصخور وفي الجبال وفي أسقف الأبنية المعمارية وأبوابها وجدرها ومحاريبها كما نراها في العديد من القلاع والحصون والمساجد الأثرية والمنازل القديمة وما تتضمنه من نصوص دينية وأبيات شعرية لكبار الشعراء وتعبيرات ترمز لحياة الإنسان ومماته وما يجب أن يتحلى به من خلق وقيم، وتقدم لنا الاكتشافات المتواصلة المزيد من تلك الأعمال التي تؤكد على حضارات قديمة تعاقبت وعاشت في عمان ـ الصناعات والحرف اليدوية القديمة التي ظهرت بقوالب وأحجام واستخدامات كثيرة واعتمدت صناعاتها على اليد العمانية التي أبدعت في توظيف العديد من المكونات والعناصر المحلية في صناعة واخراج تلك الأعمال وزخرفتها بألوان ونقوش وتصاميم تبهر الناظر, وفي السابق لم تخل قرية عمانية أو تجمع سكاني من مهنيين وحرفيين وصناع يعملون داخل السوق أو أن لهم مواقعهم التي يمارسون فيها أعمالهم كصناعة النسيج والخزف ومشغولات الزينة وتقطير ماء الورد والحلوى والسعفيات وفي صناعة السيوف والخناجر والحلي والدباغة وغير ذلك الكثير وهي مما لا يستغني عنه أي منزل عماني آنذاك , وما يفيض عن حاجة سكان القرية يحمل إلى الأسواق الأخرى , وكانوا مقصد الناس الذين يسيرون إليهم لتصميم وتصنيع أوصيانة متطلباتهم واحتياجاتهم من تلك الأعمال الفنية، والتي لها أساتذتها المهرة الذين يعرفهم القاصي والداني, الكبير والصغير. وما زالت العديد من تلك الصناعات والأعمال تحتفظ بجمالياتها وزخرفتها الأخاذة وأشكالها البديعة وتعبر عن قدرات فنية وروح تقدس العمل, وسعت باستمرار إلى الابداع والتطوير وتحلت بروح المسئولية والاعتماد على النفس ولم تأنف العمل في أي مجال من المجالات ما دام يسهم في سد حاجات الناس ويوفر عملا ودخلا يوميا ويرفع من شأن الإنسان كونه يعتمد على حرفة ومهنة تكفيه الحاجـة والسؤال ـ وأتقن العماني كذلك فن السرد الشفهي والذي كانت له مجالسه ومناسباته ولياليه الممتعة, واعتمد على قصص الأولين وأحاديث الغابرين, وتفنن القصاصون في حبك ومزج تلك القصص بالدروس والمواعظ والأمثال التي يحتاجها الإنسان ولم تخل من روح الفكاهة والطرفة والبيان وقول الشعر الجاهلي والإسلامي والعماني, وعبرت عن ثقافة واسعة ومهارات متأصلة، وكانت للرجال جلساتهم كما للنساء اجتماعاتهن وكذلك الصبيان والبنات, وكان المجال مفتوحا والخيال واسعا لسرد الكثير من القصص التي تطعم بالأساطير والخيالات لصنع الإثارة والاستقطاب والتحفيز للاستماع وطلب المزيد من القصص والحكاوي ـ وفي مجال الفنون الغنائية والأهازيج الشعبية والأناشيد ذات الأغراض المتعددة فقد كانت للعمانيين طرقهم ومجالاتهم المعبرة عن حاجاتهم ومناسباتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم وعاداتهم اليومية, وقد أتقنوا قول الشعر الشعبي وصياغته في قوالب وأشكال متعددة واستخدموا اللغة المحلية الغنية بالمفردات والمصطلحات وتمكنوا من تطويعها وتوظيف واستخراج أجمل ما فيها من صور تعبيرية، وقد وجد ذلك الشعر الذي خلى من التكلف والتعقيد حاضنة شعبية تعشق الشعر وفنونه ومجالاته الواسعة وتدرك معاني ودلالات ما تحمله كل كلمة تصدر عن الشاعر، ضليعة بأحكام اللغة العربية وضوابطها لدرجة أن الشخص العادي في السوق يجادل في إعراب جملة أو تصحيح كلمة أو تفسير معنى لم يرق له أو لم يتوافق مع ذائقته اللغوية كما أشرنا إلى ذلك في مقالات سابقة , وقد عبر ذلك الشعر الغزير الذي لم يترك بابا إلا وطرقه غزلا ووصفا أو هجاء ومدحا وتصويرا لمناسبات وممارسات عن ثقافة المجتمع, ووجد حناجر فنية تتغنى به وتلقيه على مسامع الناس في ليالي السمر والمجالس العامة والخاصة والمناسبات المختلفة وفي أيام الحصاد والسفر وفي وقت يكون الإنسان فيه بحاجة إلى من يبدد وحشته ويؤنس وحدته ، كأن يدندن بتلك الأشعار ويغنيها وينشدها , وكانت الأهازيج الشعبية والفنون التقليدية المتعددة تعبر عن ثقافات وخصائص تتميز بها كل منطقة عن أخرى من مناطق السلطنة ، وعن ثراء وتنوع لا حدود لهما: (( الرزحة – الميدان – العازي – الهبوت – التيميينة – الرزفة … )), من هذه الموروثات (( الموسيقى التقليدية وما يصاحبها من غناء أو رقص ومنها أيضا تنبع موروثات ومفاهيم أخرى مثل القصص والحكايات التقليدية والأزياء والألغاز والأشعار … إلخ )), كما أن فن التغرود الذي تخصص به البدو شكل ابداعا عمانيا له مكانته ونظمه ومسمياته وفرقه وأنواعه المختلفة, في الأعراس والأعياد وفي الحروب وفي مواسم الصيد البحري والبري والمواسم الزراعية والختان وختم القرآن وفي جميع المناسبات خاصها وعامها كانت تلك الفنون جزءا أساسيا من المناسبة تطرب القلب وتسعد النفس وتنشر البهجة وتثير الفرح وتحرك المشاعر وتعزز روح التفاؤل والنشاط والحماسة والود والحميمية بين الناس, وتبرز ابداعات المجتمع وثقافته وخصائصه وشكل الحياة وانماطها التي يعيشها العامة, وظلت تلك الفنون تتوارثها الأجيال وتضيف إليها شيئا من التجديد والتطوير والتحديث مع كل مرحلة زمنية, من الأمثلة : بعد اختتام اليوم الدراسي في مدرسة القرآن الكريم , يردد الأولاد والبنات الأبيات الشعرية التالية:
حمدا لمن علمنــا وللهـدى وفقنــا
من فضله ألهمنــا علما بـه نرقى إلى
عرش سماء الأدب وللعلـى والحسـب
والشرف المهـذب من دنس الشرك خلا
يـا ربنـا علمتنـا كتابــك المبينــا
ومن القصائد التي تقرأ ويرددها الطلبة والطالبات , في احتفالات ختم القرآن ما يلي :
أبدأ بسم الله والرحمين .. آمين وبالرحيم الدائم الإحسان .. آمين
الحمدلله القديم الأزلي .. آمين ثم الصلاة والسلام سرمدا .. آمين
على النبي خير من قد وجدا .. آمين … إلخ .
وفي مناطق أخرى يردد الطلبة الآتي : ذكر الله ذكر الله .. داخلين بيت الله .. في يدينا قلم فضة .. تكتب بيه آيات الله. وتمتاز الملابس التقليدية بتصميمها الأخاذ ومكوناتها الجمالية وتطريزها المعبر عن الفن والابداع والتي تتنوع في تفاصيلها الدقيقة من منطقة إلى أخرى واحدة من أهم ما برع فيه العمانيون, ويرتدي العماني زيه التقليدي حرصا من جلالة السلطان على الاحتفاظ بالهوية (( من بين وسائل أخرى كثيرة فلا تذوب شخصيته في خضم التيارات الحديثة)), وقد كتب الرحالة جيمس بكنجهام الذي عاش في القرن التاسع عشر يمتدح (( ثياب أهل عمان ويشيد ببساطتها وأناقتها ونظافتها ونوه بأن ثياب الأغنياء لا تختلف في قيمتها عن ثياب أقل الناس شأنا وقدرا … )) , ونظم العمانيون سباقات الخيل والابل وكانت لها مناسباتها وفنونها وممارساتها العديدة . وتطرق العمانيون إلى كتابة الرسائل والمقامات في مختلف المجالات والأغراض وتميزت بعمق الموضوع وسلاسة اللغة , والحديث عن تلك الفنون في إبداعاتها وتعدد أنواعها وأغراضها وتطورها الزمني وتخصص مناطق السلطنة بكل فن منها وتقديم أمثلة عنها , مما يتطلب دراسات وأبحاث متخصصة وجهد مؤسسي ترصد له الأموال ويفرغ الباحثون والأكاديميون والمختصون في مجالاته وأصنافه الكثيرة . وتشكر وزارة التراث القومي والثقافة على جهودها في توثيق أكثر من 200 فن من الفنون الشعبية العمانية بمختلف أنواعها .
وعندما التقيت باستاذ اللغة العربية (( أبو الوفاء القاضي)), في مطلع الثمانينيات، كانت فكرته العامة التي تأسست لديه من خلال متابعته لبرامج قناة التلفزة العمانية بأن الشعر الشعبي هو الفن الوحيد الموجود في السلطنة، وبأن شعراء الفصحى غير موجودين، وعندما شرحت له خطأ معلوماته، وقدمت له الصورة الصحيحة متضمنة أسماء لامعة لشعراء كبار لا يقلون في مكانتهم ومستواهم الشعري والأدبي وعظمة شعرهم وقدرتهم على الانتاج, عن أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وشعراء العربية الكبار في كل زمان .. أبدى امتعاضه من الإعلام المحلي الذي يركز فقط على الشعر الشعبي ولم يأت على سيرة الشعراء الذين وضعت أسمائهم أمامه، وكان في غاية الشوق للإطلاع على أكبر عدد من دواوين الشعراء العمانيين وقد قدمت له منها “ديوان الستالي – ديوان النبهاني – ديوان أبو مسلم البهلاني – ديوان الشيخ عبدالله بن علي الخليلي ..” وبعد إطلاعه ودراسته للشعر العماني أطنب في المديح والإشادة بهؤلاء الشعراء وكان في غاية الأسف أنهم مغيبون عن الإعلام العربي وغير معروفين في عواصمه , وطالب بالمزيد من المعلومات والدواوين وبدأ في دراسة الشعر العماني .. وأعد بعدها الأستاذ أبو الوفاء عدداً من البرامج الإذاعية خلال فترة التسعينيات عن الشعر العماني وشخصياته لاقت إقبالاً كبيراً ومتابعين كثر , ومن هنا فعلى وسائل الإعلام والكتاب والمثقفين والمختصين أن يبرزوا هذه الفنون والابداع العماني الأدبي بشتى الوسائل والأدوات تمثيلاً وتوثيقاً وتقديماً وكتابة وتأليفاً وبحثاً في إطار منهج شمولي يركز على مختلف تلك الفنون والأعمال الإبداعية , والعمل على توثيقها وتدريب عدد من العمانيين عليها , وتدريسها في المدارس والجامعات حفاظا عليها من الاندثار والانقراض .

إلى الأعلى