الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. صراخ الشعوب

باختصار .. صراخ الشعوب

زهير ماجد

كأنما الشعوب الأوروبية في واد وحكوماتها في واد آخر .. يشعر المرء وكأن ماحصل للصحيفة شارل ايبدو قدم لها خدمة العمر، اذ رفع مبيعاتها من مجرد آلاف الى خمسة ملايين نسخة، وبدل ان تتوارى عن الانظار نتيجة وضعها المالي، وصل اليها ملايين الدولارات مساعدات يهودية.
تحرك الفرنسيون نحو الصحيفة المذكورة كأنه اكتشاف جديد لصحيفة لم يسمعوا بها قبلا، وكأنه فعل نكايات ضد مجهول وفي احسن الاحوال ضد المسلمين. المسألة الجوهرية ان الشعوب في اي مكان هي اكثر تخلفا من حكوماتها، فاذا كانت الحكومات تخطط، فان الشعوب تحركها الصدمة، واذا كانت الحكومات على برمجة محددة، فان الشعوب مبعثرة الاتجاهات متكيفة مع حالة الاستهلاك الاجتماعي، مصاب كل المجتمعات.
صدمة الصحيفة سوف نراها في عيون الفرنسيين، وفي احاديثهم، وفي رغباتهم. لو طلع المسؤول الاول في الدولة على غيظ ظاهر ونادى بأعلى صوته ” هم المسلمون ” لرأينا العجب من تصرفات الشعب ومن حنين فجائي الى عودة الحروب الصليبية على قاعدة قديمة لم تتغير. هكذا نادى البابا حين احتاج الى الحملة الصليبية الاولى فافرغ كل ما في جعبته من قوة كلام وتحريض ضد المسلمين واهل الشرق فجاءت الجحافل على عهدها له، لكنها اكتشفت لاحقا ان كنوز الشرق أثمن من كل كلامه.
اليوم تمكنت اميركا من تسريع الاستهلاك في اوروبا حتى صارت رغبات الأوروبي موجودة في معدته اولا، وهو شعاره اليوم. عندما يقلد الاوروبي الاميركي فانه يحتاج الى نمط خياته اولا ايضا .. لم يعد سرا ماجاء عند ابن خلدون من ان الضعيف يقلد القوي حتى لو كان على خطأ. أليست مجتمعاتنا العربية مصابة باللوثة ذاتها وان جيلا عربيا بكامله لايمت بصلة مثلا الى اللغة العربية فيما هو مرجع باللغة الانجليزية تحديدا. بل ان هذا الجيل يسخر اليوم من لغته ويراها متخلفة، فيما هي اجمل اللغات وانصعها.
اوروبا لم تعد مانعرفه عنها مسرحا للثقافة، بقدر ماصارت ملاذا من اين تأتي الريح كي تلحق بها. عالم بسيط الافكار، فيما العرب على حد قول البعض كثيرو الاهتمام بالسياسة ويعرفون تفاصيلها كما يعرفها اي محلل .. بل ان كل عربي صار محلالا اذا ماندهت عليه لتسمع رأيه في حدث او واقعة.
اوروبا اذن على صراخ لأن جرحا ألم باحدى دولها، ثم لحق بالاخرى، فصار عليها ان تقول الآه كي يسمعها العالم الذي هب بأسره مذعورا مما حصل .. فاوروبا بالنسبة اليه عالم محمي لكنه في الواقع أكثر عرضة من العرب والمسلمين انفسهم، لأنه اضعف في تركيبته، فالعربي والمسلم يعتاش على الحدث المتكرر ويعايشه بلا انقطاع ، فهو قد تأقلم وصار الحدث جزءا من يومياته فاعتاد عليه.
سنسمع صراخ أوروبا اكثر فاكثر، بعدما انكشف حدود الأمن فيها، وتبين هشاشة مجتمعاتها رغم قوتها العسكرية وامكانياتها الكبيرة. اما العرب فلا يصرخون لأن جلودهم تمرست وعقولهم توحدت بالحدث، وآمالهم ستظل معلقة الى ان تفك عقدتها.

إلى الأعلى