الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. “غزوة” باريس والاتهامات المتبادلة بين ذوي الأدوار الوظيفية

شراع .. “غزوة” باريس والاتهامات المتبادلة بين ذوي الأدوار الوظيفية

خميس التوبي

لا تزال تفاعلات الهجمات التي استهدفت فرنسا المسماة بـ”غزوة باريس” تواصل دحرجة كرات اللهب في جهات الأرض الأربع، وتتدحرج وفق ما أرادت الأصابع التي أشعلتها، ما يضع كل الشكوك المتكونة لتصب في مصب الحقيقة واليقين بأن ما حصل هو جزء كان لا بد منه في سياقات المشهد العام وصب مزيد من الزيت على نار الإرهاب وتعكير الأجواء، وعدم السماح بعودتها إلى الهدوء والصفاء، لارتباط مواسم الحصاد تاريخيًّا بسخونتها وتعكرها.
إلا أنه ووسط هذا الإصرار لم يُبدِ المشعلون لنار الإرهاب ومؤججوها ورعاتها أي حياء أو وجل من شنيع فعلتهم وقد لفحت آخر ورقة توت كانت تستر عوراتهم، بل راحوا يتقاذفون الاتهامات فيما بينهم في تنصل واضح مما اقترفته أيديهم، وبدل أن يسارعوا إلى ستر عوراتهم ويطفئوا نار إرهابهم، أخذ كل طرف يعيد النبش في دفاتره القديمة بحثًا عن عمل دنيء قام به أو مخطط مؤجل لقادم الأيام.
لقد كشف التجاذب التركي ـ الأوروبي على خلفية تلك الهجمات إلى حد بعيد مدى الانسجام والتكامل في تأدية الدور المطلوب صهيو ـ أميركيًّا في الفوضى الإرهابية الأميركية في المنطقة وخاصة في سوريا والعراق، وأن تركيا الأردوغانية وأوروبا القديمة ـ حسب وصف دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الأسبق ـ ليستا سوى كومبارس موكل إليه دور وظيفي يكشفه بكل وضوح تبادل الاتهامات حول تمرير قطعان الإرهابيين من وإلى سوريا تحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية في تركيا وأوروبا، وهي اتهامات بقدر ما يحاول أصحابها التبرؤ من دورهم في دعم الإرهاب وإلحاق الأذى ليس بالشعب السوري وحده، وإنما إلحاق الأذى بشعوبهم، بقدر ما ترتبه من إدانة واضحة وتلطخ الأيادي بدماء السوريين، وكذلك غير السوريين الذين يدفعون فاتورة أخطاء ساستهم الحمقى الذين قبلوا العمل بوظيفة خادم وسمسار لدى سيدهم الصهيو ـ أميركي.
من الواضح أن الهجمات التي ضربت فرنسا على الرغم من تحولها إلى مؤامرة حبكتها الأطراف ذاتها التي حبكت مؤامرة هجمات الحادي عشر من سبتمبر وما يسمى الربيع العربي، إلا أنها أوقعت المتحالفين مع الإرهاب والداعمين له في ارتباك وقلق كبيرين تحت وقع الصدمة التي أحدثتها على الصعيد الشعبي الذي عادة ما يكون ضحية مؤامرات العهر السياسي، ما أفقدهم التركيز فاندفع كل طرف يلقي باللائمة والمسؤولية على الآخر خشية الافتضاح والإدانة، ومحاولة غسل اليد من الدماء وإخفاء كل ما يمكن أن يقود إلى المدبر والمحرض والفاعل الحقيقي.
وأمام هذا السيل الذي يحاول كل طرف إسالته لجرف الآخر، تبدو الاعترافات والتناقضات دليلًا كافيًا للإدانة، حيث أقر وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو أن “تهريب المقاتلين” من تركيا إلى سوريا تحول إلى تجارة رابحة وعمل تديره شبكات أشبه بـ”المافيا”، مؤكدًا أن “كل التدابير التي اتخذتها الحكومة (التركية) على رغم “تشددها”، قد لا تستطيع بالمطلق منع مرور هؤلاء إلى سوريا”. وألقى الوزير التركي في تصريح صحفي له يوم الجمعة السادس عشر من يناير الحالي باللائمة على الاتحاد الأوروبي، الذي قال إنه لم يتعاون أمنيًّا مع بلاده في شكل جيد. مضيفًا “لو أن الفرنسيين نبهونا عن حياة بومدين لتم إيقافها عندما دخلت إسطنبول قبل ثلاثة أيام من اعتداءات باريس، لكننا لا نستطيع أن نُخمن من بين آلاف الزوار الأوروبيين الذين يدخلون تركيا من ينوي الانضمام إلى تنظيم الدولة”، معترفًا في الوقت ذاته وللمرة الأولى بوجود 700 تركي يقاتلون في صفوف ما يسمى “داعش”، بينما تقول مصادر تركية أخرى إن الرقم أكبر من ذلك بكثير. وبعيدًا عن هذا التجاذب والتبادل التركي ـ الأوروبي فإن الواقع وحده كافٍ لتقديم إجابات شافية ومنطقية وأدلة إدانة، فهذه القطعان الهائجة من الإرهابيين التي تقتل وتدمر منهم لم يأتِ بمحض إرادته وإنما عن طريق تحريض وخداع وإيهام وتغييب للوعي وتجنيد وتسليح، ومنهم من جاء بمحض إرادته، فضلًا عن أن توجهاتهم وأيديولوجياتهم معروفة لدى الأجهزة الأمنية، بدليل معسكرات التدريب المقامة خصيصًا لهم وعقد صفقات شراء السلاح ووجود السلاح بمختلف أنواعه بأيديهم، والدفاع عنهم في المحافل الرسمية والإعلامية واعتبارهم إرهابيين معتدلين أو ما اصطلحوا على تسميته “معارضة معتدلة”. وفي زيارته الأخيرة إلى تركيا أعلن جو بايدن نائب الرئيس الأميركي في إطار محاولة واشنطن إقناع أنقرة بالمشاركة في التحالف الدولي ضد “داعش” أنه اتفق مع الحكومة التركية على إقامة معسكرات تدريب لما يسمى بـ”المعارضة المعتدلة”. ويوم الجمعة الماضية أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) أن الجيش الأميركي يعتزم نشر حوالي ألف جندي أو أكثر لتدريب قوات “المعارضة السورية” في معركتها ضد “داعش”. وينوي البنتاجون تدريب حوالي خمسة عشر ألف إرهابي ومرتزقة وتكفيري من النوع “المعتدل”، مع العلم أن كل التشكيلات الإرهابية التي تدربت على يد الأميركي وعملائه ووكلائه انضمت تباعًا إلى “داعش”، وبالتالي حجة البنتاجون بأن تدريبه لـ”معارضته المعتدلة” هو لمواجهة “داعش” حجة واهية ومردودة. وطبعًا معروف أن هذه “المعارضة المعتدلة” هي خليط من المرتزقة والإرهابيين والتكفيريين من المنطقة ومن أصقاع العالم، وقدموا من تلك الدول إلى تركيا بأوامر وإذن من حكوماتها وتحت مرأى ومسمع أجهزتها الأمنية والاستخبارية، وهؤلاء يغدون ويروحون من تركيا إلى سوريا بعلم وأمر من السلطات التركية وأجهزتها الأمنية، فكيف يتأتى القول بأن أنقرة غير قادرة على منع دخول وعبور هؤلاء؟
ولعل في التناقض إفادة أخرى إلى ما سبق، حيث أفادت وسائل إعلام تركية أن “خفر السواحل التركية في ولاية مرسين جنوب تركيا تمكن من ضبط سفينة صيد في سواحل البحر المتوسط المقابلة لمدينة مرسين، وعلى متنها 140 مهاجرًا غير شرعي سوري، بينهم 30 طفلًا أثناء محاولتهم التوجه إلى إيطاليا. وتم تحويل السوريين بعد إجراء الفحوصات الطبية إلى مديرية أمن مرسين، فيما تم تحويل قبطان السفينة (هـ. ك) للتحقيق”. فمن تمكن من إحباط هجرة غير شرعية ألا يكون قادرًا على إحباط أي تسلل أو منع دخول مئات الإرهابيين وتدفق السلاح إلى تركيا ومن ثم إلى سوريا؟
الخلاصة، مهما بلغت الحرب الإعلامية والسياسية بين التركي والأوروبي لتحميل الآخر المسؤولية وغسل اليد من الدماء، فمن المؤسف أنهما لن يخرجا من تحت عباءة الصهيو ـ أميركي ويتخليا عن الدور الوظيفي الموكل إليهما حتى لو جرا الويلات والكوارث والمآسي على شعوبهما.

إلى الأعلى