الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر .. حماية التراث واجب وطني

بداية سطر .. حماية التراث واجب وطني

حماية التراث واجب وطني ، وأمر يرتبط بالوطنية دون شك ، باعتباره رافدا مهما من روافد التراث الأصيل عبر مر الأزمان ، فالتراث جزء لا يتجزأ من تاريخ الوطن العريق، به عرف الأجداد فاستشرفوا به المستقبل فيما بين الأصالة والمعاصرة ، فصنعوا سمعة نوعية قلما تجد لها مثالا في المنطقة فتنوعت صناعاتهم وبقيت رفيق التاريخ عُرفوا بها وعُرفت بهم ، وما أدلّ على ذلك حين توثق عديد الصناعات العمانية وغيرها من التراث المتوارث في سجلات العالم وتعترف بها اعترافا يضعها في مصاف دول سياحية كبرى ويمتد منها علماء الآثار والسياحة منهجا يعتدّون به في هذا المجال ، وما توثيقها إلا خشية اندثارها وضياعها ، بالنظر إليها بعين الاعتبار من خلال التشجيع والتدريب والدعم المقدم إلى جانب إيجاد هيئة تعنى بالصناعات الحرفية تعمل على بقائها وترسيخ أفكارها بين الشباب إضافة إلى تطويرها تطويرا يتناسب والوضع الراهن المعتمد على التقدم التقني.
إننا ندرك جميعا قيمة المشغولات اليدوية والصناعات الحرفية الوطنية التي تركها الأجداد فتنوعت بين الفنون المعمارية وصناعة السفن والملبوسات التقليدية كالبريسم والصوف وما بين الخزف وسعف النخيل وصناعة الحلوى العمانية الواسعة الشهرة واللبان والصناعات الخشبية وتربية الهجن والخيول ذات السلالة العربية الأصيلة والمشغولات الفضية إضافة إلى صناعة الذهب والفخار وغيرها من الصناعات التي لا يتسع المقام لذكرها ، إلا أننا نرمي في هذا النص إلى سبر أغوار صناعة فضية كان لها حيز كبير في التاريخ لتميزها وتصميمها الفني الثري بالإبداع والابتكار بذوق رفيع يخلب الألباب كونها من أهم الصناعات الفضيّة العمانيّة مما أدّى لأن يحرص كل فرد على اقتناء الخنجر العماني الضارب في عمق التاريخ فيكمل الرجل زيّه العماني بلبس الخنجر في المناسبات بأتراحها وأفراحها فيزداد بها شجاعة وبهاء وأناقة وتزداد به رسوخا وثباتا وإقداما.
إنّ ما يميز الخنجر العماني عن بقية خناجر البلدان قبضة نصلته الشهيرة وهي مربط فرس النص ، فقبضة النصلة لها حكايات وقصص عديدة في التراث العماني يتناقلها الأجداد ، وعادة ما يتسامرون بها في أحاديثهم التي تضفي إلى الخنجر الشجاعة وترغيب الشباب للبسها ، فقبضة النصلة الأصلية لرأس الخنجر تتميز بصلابتها وقوتها ومتانة تماسكها وهي تتنوع ما بين قبضة نصلة الزراف ، ونصلة قرن الفيل الباهظة الثمن إضافة إلى نصلة وحيد القرن ذات السعر المرتفع لندرة هذا الحيوان الذي تم حظر صيده دوليّا والاتجار في أعضائه خشية انقراضه ، من هنا بدأ كثير من مالكي قبضة النصال المتميزة في البلاد الحفاظ عليها بيد أنه ثمة موقف يمثل خطورة على مثل هذه الأثريات والمقتنيات الخالدة عبر التاريخ ، ففي أثناء زيارتي لإحدى المحافظات البارزة في صناعة قبضة النصال والخناجر العمانيّة فإنّ بعض التجار من دول الجوار يأتون عنوة إلى البلاد لشراء قبضة النصال القديمة ويقتنونها بمبالغ خيالية تزيد عن خمسة وعشرين ألف ريال عماني لقبضة النصلة الواحدة ولا يبالون بشرائها ويزايدون عليها ويشترونها بأعداد كبيرة ، وما زادني خوفا وحيرة في الأمر أن تنقرض قبضات النصال ونبقى على الحديثة التي لا تمت إلى الأصالة بصلة رحم فمن المسؤول عن حماية قبضات هذه النصال ؟ ولماذا لا تمنع من المرور عبر المنافذ كونها تشكل حرفة وطنية تقليدية لها قيمتها الوطنية ورمزيتها ودلالتها على تاريخ الخنجر العماني ؟ .. ولماذا لا تسنّ تنظيمات تمنع بيع مثل هذا الموروث الوطني وتنظم تنظيما يخضع للرقابة الصارمة ؟ بهدف بقائه والمحافظة عليه.
إنّ ما يشجع على بيع هذا الموروث التقليدي العريق من قبل البعض طلب الحصول على المال دون التفكير في عاقبة هذا الأمر وهو ما ندعو إليه من هذا المنبر ضرورة وضع استراتيجية للمحافظة على هذا الموروث الأصيل بأن تتبنى الجهات ذات الاختصاص اقتناء قبضات هذه النصال والخناجر الموروثة عن الآباء والأجداد وغيرها من التراثيات العريقة حفاظا على بقائها داخل الوطن.
وكما يقال أن الشيء بالشيء يذكر فنربط هذا الأمر المقلق بأمر ليس أقل منه أهمية حين حدثني أحد الأخوة عن قصة ظريفة لها علاقة وطيدة بقضية المحافظة على هوية التقاليد والموروث العماني حدثني بأنه زار إحدى ولايات محافظة الشرقية فرأى في إحدى الحظائر جملا كبيرا غريب المنظر والهيئة وتعجّب من ضخامة جسمه وندرة نوعه فأبى إلا أن يسأل عن هذا الجمل العجيب الذي يبرك في تلك الحظيرة فأجابه صاحبه بأنه جمل يستخدم للتلقيح اشتراه أحد مواطني دولة مجاورة بسعر خياليّ لاستخدامه لأغراض الإنجاب فهو فحل نادر النوع من الإبل العربية الأصيلة مضيفا بأنه من سلالة نادرة الوجود ، حينها أبديت اندهاشي متسائلا من أين لكم أن تجدوا جمالا نادرة الوجود تنفردون بها في مهام التلقيح والإنجاب هل ستسافرون بنوقكم إلى دول الجوار طلبا للتلقيح بحثا عن السلالة العربية الأصيلة التي تميز بها أجدادكم خصوصا وأن العمانيين يشتهرون بتضمير النوق ولهم باع طويل في هذا المجال وخبرات استفادت منها المنطقة ؛ فتركُ الحبل على غاربه في أمر بيع سلالات عربية أصيلة قلما تجد لها وجودا في جمال المنطقة ونوقها يسهم في اندثار مثل هذه الموروثات سواء من الحرف أو الهجن أو غير ذلك من الصناعات التي يتناقلها اليوم بعض الوافدين إلى بلدانهم ويمارسونها جهارا نهارا دون خوف من ناب أو ظفر ، وكما يقال بأن التاريخ بإخباره البشر عن الماضي ، سيتيح لهم الحكم على المستقبل وفي ذلك فليتفكر أولو الألباب.

خلفان بن محمد المبسلي
Khalfan05@yahoo.com

إلى الأعلى