الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أعقل رجل في العالم

أعقل رجل في العالم

محمد عبد الصادق

” .. سواء اتفقنا أو اختلفنا حول أفكار القذافي أو تصرفاته, فلا يستطيع منصف التشكيك في وطنيته ولا إنسانيته, ولا في إخلاصه لبلده وأمته العربية وقارته الإفريقية, ونظافة يده, يكفي أنه ترك ليبيا دولة غنية, تمتلك 320 مليار دولار احتياطي نقدي من العملات الصعبة, وصندوقاً سيادياً يحتوي على أكثر من 60مليار دولار, وغطاء من الذهب للعملة يتجاوز 120 طناً, ”
ــــــــــــــــــــــــــــ

بمناسبة اقتراب الذكرى الرابعة لرحيل الزعيم الليبي معمر القذافي وسط مشاهد قتل وتنكيل مروعة, على أيدي (الثوار) وبمساعدة قوات الناتو, عقب الاضطرابات التي اندلعت في ليبيا, متأثرة بما حدث في الجارتين تونس ومصر فيما سمي بالربيع العربي ـ تداعت إلى رأسي ذكريات عن تجربة حياتية, اقتربت خلالها بشكل مباشر من الشقيقة ليبيا والعقيد معمر القذافي, ففي منتصف تسعينيات القرن الماضي أتيح لي العمل في إحدى الصحف الناطقة بلسان المعارضة الليبية بالخارج, وكانت تصدر من لندن ولها مكتب في القاهرة يتم فيه تصحيح ومراجعة المادة التحريرية والتجهيز الفني, وكان يرأس التحرير روائي ومفكر ليبي كبير ( خرج عقب مقتل القذافي يبشر بالحرية وميلاد عصر جديد من الديمقراطية والانفتاح على العالم, وشاهدته مؤخراً يعلن ندمه وأسفه ويتحسر على أيام القذافي).
وكان رئيس التحرير يتنقل بين لندن حيث مقر الجريدة والقاهرة حيث تقيم أسرته, وكان يعمل في مكتب القاهرة مجموعة كبيرة من الشباب الليبي المقيمين مع أسرهم في مصر منذ سنوات باعتبارهم لاجئين سياسيين, وكانت مفاجأة مذهلة بالنسبة لي وصول شيك أول كل شهر من السفارة الليبية في القاهرة يتم به تغطية الأجور والمرتبات, وإيجار المكتب وتكاليف التشغيل.
بعد توطد علاقتي مع الزملاء الليبيين, ومن خلال (الدردشة) عرفت أن الحكومة الليبية تتكفل بمصاريف إقامتهم في مصر, وأنه لا فرق بين موالين ومعارضين؛ كلُ منهم يحصل على راتب شهري معتبر, وحصة تموينية تتضمن أفخر أنواع السلع من الأصناف والعلامات التجارية العالمية الشهيرة, والحكومة الليبية تتحمل إيجار المسكن واستهلاك الكهرباء والمياه, وتتحمل مصاريف علاجهم في أحسن المستشفيات في مصر والخارج, وتوزع عليهم بطاقات وقود مجانية, ولكل لاجئ الحق في الحصول على سيارة تتحمل الحكومة الليبية جماركها كاملة, وكل طالب يدرس في الجامعة أو دراسات عليا يحصل على 2000يورو شهرياً لم أشأ معرفة المزيد عن سر دعم النظام الليبي وإغداقه على من يسمون أنفسهم بالمعارضة بالخارج, بعدما وجدت تبرماً وتحفظاً من الزملاء وحفاظاً على لقمة العيش وفرصة العمل المجزية.
حتى كان يوم طلب مني رئيس التحرير تجهيز نفسي للسفر إلى النيجر لتغطية زيارة القذافي الذي سيقوم خلالها بإلقاء خطبة الجمعة في افتتاح مسجد بنته ليبيا في نيامي عاصمة النيجر, استغربت من طلب رئيس التحرير, وسألته متعجباً كيف يختارني وأنا مصري لهذه السفرة ويترك المحررين الليبيين؟!, أجابني: نحن صحيفة معارضة, والشباب يخشون من القبض عليهم وإرغامهم على العودة إلى ليبيا من قبل قوات الأمن المصاحبة للقذافي, لم أشأ الدخول في جدال أو رفض طلب رئيس التحرير, خصوصاً وقد وعدني بمكافأة مجزية وبدل سفر أنا في أمس الحاجة إليه, أما عن التأشيرة والإجراءات, فأخبرني أن كل ماعلي فعله هو التوجه لمطار القاهرة مصطحباً معي جواز السفر, وهناك سأجد اسمي موجوداً في الكشف.
توجهت إلى المطار وأنا (شايل الهم), وبالفعل وجدت هناك مندوباً من السفارة الليبية أعطيته جواز السفر, واصطحبني إلى مهبط الطائرات, وهناك وجدت طائرة نقل عسكرية ليبية تنتظر على المدرج, صعدت الطائرة, ولاحظت أن معظم الركاب من الصحفيين المصريين الشباب الذين وجهت السفارة الليبية الدعوة لصحفهم لتغطية الزيارة, بعد رحلة شاقة استمرت زهاء خمس ساعات, وصلنا للنيجر, ومن شباك الطائرة ظهر ممر الهبوط وسط الصحراء الشاسعة, ومبنى إداري صغير, وعلى مرمى البصر مآذن لجامع كبير حوله آلاف مؤلفة من البشر. هبطت الطائرة, وخرجنا من المطار دون تأخير ولا إجراءات, ووجدنا مجموعة من المندوبين الليبيين في استقبالنا, وزعوا علينا مظلة للوقاية من الشمس فقد كنا في شهر أغسطس وقت الظهيرة في بلد صحراوي شديد الحرارة, ومع المظلة كتاب ضخم مكتوباً عليه الكتاب الأخضر لمعمر القذافي, وتوجهنا إلى ساحة الجامع الكبير وسط الحشود السمراء التي لاحظت أنها تجلس على (حاوية بلاستيكية) عرفت أنها تحتوي على مساعدات إنسانية حملتها الطائرات الليبية وتم توزيعها على آلاف المصلين من أبناء النيجر والدول المجاورة, وبالطبع كان الكتاب الأخضر يتصدر الحاوية.
رُفع الأذان لصلاة الجمعة, وميزنا صوت القذافي يخطب الجمعة باللغة العربية في مصلين لا يتكلم معظمهم سوى لغته المحلية, ولا يفهمون حرفاً مما يقوله القذافي, ولكنهم مع ذلك استقبلوا خطبته بالتهليل والتكبير رغم طول وقت الخطبة ولهيب الشمس الحارقة, إكراماً لحقيبة المساعدات في بلد يعد الأفقر على مستوى العالم, وحضر الصلاة رؤساء النيجر وتشاد وبوركينا فاسو, الذين ربطتهم بالقذافي علاقات وطيدة, وربما هذا يفسر استقبال هذه الدول لأبناء القذافي عندما لجأوا إليها هرباً من أحداث 17فبراير, المهم انتهت الخطبة, وانتهت الزيارة المرهقة, وعدت للوطن أعاني من الإرهاق ومن ضربة شمس قاتلة, ومن عدم فهم لطبيعة العلاقة بين القذافي والمعارضة الليبية.
وسواء اتفقنا أو اختلفنا حول أفكار القذافي أو تصرفاته, فلا يستطيع منصف التشكيك في وطنيته ولا إنسانيته, ولا في إخلاصه لبلده وأمته العربية وقارته الإفريقية, ونظافة يده, يكفي أنه ترك ليبيا دولة غنية, تمتلك 320 مليار دولار احتياطي نقدي من العملات الصعبة, وصندوقاً سيادياً يحتوي على أكثر من 60مليار دولار, وغطاء من الذهب للعملة يتجاوز 120 طناً, كل هذه الثروات تركها ملكاً للشعب الليبي لم ينهبها أو يهربها لحسابه في بنوك أوروبا, كما فعل غيره من الحكام الذين أطيح بهم في دول الجوار, ومازال الشعب الليبي يعيش على ماتبقى من هذه الأموال التي ادخرها له القذافي, بعد استيلاء الناتو على جزء من الاحتياطيات, والتهام الصراع المسلح بين الجماعات المتناحرة على السلطة والثروة في ليبيا جزءاً آخر مما تركه القذافي الذي قتل غدراً وظلماً.
بعد أربع سنوات من الإطاحة بالقذافي بات شبح التقسيم يهدد ليبيا, وتسبب الصراع المسلح بين الفرقاء في تدمير البنية الأساسية والمرافق البترولية, وتراجعت صادرات النفط الليبية إلى أقل من النصف, بعد هجرة شركات النفط للأراضي الليبية, وتدمير المستودعات , والمرافئ النفطية, ونزوح أكثر من 2مليون ليبي عن ديارهم وتحولهم للاجئين داخل وخارج ليبيا, جراء الحرب الأهلية المستعرة هناك منذ الإطاحة بالقذافي ونظامه من الحكم, ولايبدو في الأفق القريب نهاية لهذا الصراع الدموي؛ بسبب تورط أطراف أجنبية عديدة في تغذية الصراع, ومحاولة السيطرة على مقدرات وثروات هذا البلد العربي الشقيق الملئ بالموارد الطبيعية والموقع الاستراتيجي المميز على البحر المتوسط ؛ الذي جعله مطمعاً للقوى الإقليمية والدولية؛ التي طالما وقف القذافي في وجهها طوال سني حكمه المديدة.

إلى الأعلى