السبت 19 أغسطس 2017 م - ٢٦ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فوائد أزمة النفط

فوائد أزمة النفط

”.. ربما يؤدي استمرار هبوط الأسعار خلال العام الجاري، حسب أغلب التوقعات ، في أن تعيد الاقتصادات الرأسمالية الكبرى النظر في كثير من سياساتها الاقتصادية الكلية والجزئية. وإن جاء ذلك بالاضطرار، فربما هو الحل الوحيد إذ لم تتوفر الجرأة ولا الإرادة السياسية لاتخاذ قرارات شجاعة بعد الأزمة المالية.”
ــــــــــــــــــــ
ليست هذه محاولة للنظر إلى نصف الكوب الملآن، كما يقال، وإنما محاولة للتفكير بشكل مختلف قليلا حتى لو كانت سباحة ضد التيار السائد الذي ينتشر في وسائل الاعلام والتحليلات الاقتصادية نادبا حظ شركات الطاقة الكبرى والاستثمار في مشروعاتها المستقبلية والدول المصدرة للنفط التي تعتمد في دخلها على عائدات مبيعات الطاقة. حتى الشامتين في روسيا وإيران ومن يتوقعون انهيار اقتصاد البلدين بسبب هبوط أسعار النفط يمثلون جزءا من هذا التيار السائد الذي نحاول إلى حد ما الابتعاد عن خطه وزاوية نظره للأزمة الحالية في أسواق النفط. ولا يعني ذلك أنه ليست هناك أزمة، بل هي أزمة عرضها هو انخفاض الأسعار أما سببها فهو ببساطة اختلال ميزان العرض والطلب في السوق نتيجة عوامل عدة من بينها ضعف النمو الاقتصادي العالمي وزيادة الانتاج في الولايات المتحدة من النفط الصخري عالي التكلفة واستمرار الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة في معدلات انتاجها العالية لمحاولة تعويض الفاقد من انخفاض السعر.
الحقيقة أن كل هذه المثالب التي تذكر مرتبطة بانخفاض أسعار النفط وكنتيجة لها يمكن ان تكون ايجابيات من ناحية أخرى. ولنبدأ مثلا بما هو خاص جدا، وربما حتى شخصي ـ وان شاركني فيه ملايين بالتأكيد ـ إلى حد كبير، فنتيجة انخفاض أسعار النفط لن يرتفع التضخم في الاقتصادات الرأسمالية الصناعية وبالتالي لن تتمكن البنوك المركزية من رفع اسعار الفائدة الأساسية المتدنية جدا. ويعني ذلك بالنسبة لي أن ما أدفعه شهريا كقسط للقرض العقاري على بيتي لن يزيد. وهذا أمر لو تعلمون عظيم، للملايين من العاملين الذين يوازنون بدقة بين أجورهم ونفقاتهم الشهرية. هذا طبعا بالإضافة إلى انخفاض اسعار وقود السيارات ـ ولو بقدر ضئيل ـ وتبعات ذلك الايجابية على انفاق الأسر ذات الدخول الثابتة. هناك أيضا تأثير غير مباشر لانخفاض اسعار النفط، وبالتالي المشتقات ومنها وقود النقل، وهو أن كلفة أسعار السلع التي يتم تسويقها بالنقل تقل ولو بشكل طفيف.
أما بالنسبة للدول والحكومات، فهناك فائدة عامة لانخفاض أسعار النفط تتعلق بعملية “سحب الحرارة من الاقتصاد العالمي” بما يؤجل أزمة كانت على وشك أن تصيبه وتقود ربما إلى كساد وليس فقط ركود كما حدث في الأزمة المالية 2008/2009. ومن شأن انخفاض أسعار الطاقة أن يؤثر في كل مؤشرات الاقتصاد العالمي بشكل وان بدا في ظاهره سلبيا لكنه في النهاية سيكون اثره ايجابيا بل وربما يدفع الدول الرئيسية لمعالجة الجذور الأصلية لأزمات الاقتصاد العالمي واختلالاته الهيكلية لم يتم التعرض لها حتى الآن واقتصر الأمر على سياسات “ترقيعية” للخروج من الركود الناجم عن الأزمة المالية. وربما يؤدي استمرار هبوط الأسعار خلال العام الجاري، حسب أغلب التوقعات، في أن تعيد الاقتصادات الرأسمالية الكبرى النظر في كثير من سياساتها الاقتصادية الكلية والجزئية. وإن جاء ذلك بالاضطرار، فربما هو الحل الوحيد إذ لم تتوفر الجرأة ولا الإرادة السياسية لاتخاذ قرارات شجاعة بعد الأزمة المالية.
يبقى ما يقال عن أن انهيار أسعار النفط أمر متعمد من جانب كبار منتجين ومصدرين وحتى مستهلكين يستهدف الضغط على روسيا وإيران، وهذا تنظير مبالغ فيه على أقل تقدير وضرب من الشطط في الأغلب الأعم. أما اذا قبلنا فرضا بنظرية مؤامرة، فإن ما يبدو من ضرر على دول أوبك من انخفاض الأسعار يتمثل في ضائقة مالية للدول الأعضاء انما هو فائدة على المدى البعيد. ذلك ان مستوى سعر قليل لفترة ربما يخرج الشركات التي تنتج النفط الصخري من السوق لعدم الجدوى الاقتصادية لإنتاجها. بل ربما تستعيد أوبك دورا فقدته تقريبا في العقود الأخيرة نتيجة التأكيد على حاجة الاقتصاد العالمي لمصادر الطاقة الأحفورية لزمن معقول. بل ربما ينتهي الأمر بدخول منتجين كبار مثل روسيا في أوبك فيما بعد.
أما بالنسبة للدول، فهناك فوائد مباشرة من قبيل أن بعض الدول المستهلكة للطاقة أكثر منها مصدرة انخفضت فاتورة انفاقها على الطاقة. فمصر على سبيل المثال وفرت ما يصل إلى 30 مليار جنيه من دعم الطاقة الذي تدفعه الحكومة للحفاظ على أسعار الوقود للمستهلكين. على العكس في بريطانيا مثلا، فان انخفاض اسعار النفط وبالتالي الوقود للمستهلكين حرم الخزانة البريطانية من عائدات الرسوم والضرائب التي تفرضها على المشتقات وتزيد عن نصف سعرها للمستهلك. والقياس هنا يمكن سحبه على دول وحكومات عديدة في الجانبين، وربما كانت تلك التصحيحات ضرورية لضبط السياسات الاقتصادية ـ وان جاء ذلك اضطرارا.
وربما تكون الفائدة الأكبر، على عكس ما هو سائد من تصور، على الدول المنتجة والمصدرة للنفط والتي تعتمد دخولها بشكل كبير على عائدات مبيعات الطاقة. فإذا كانت أغلب تلك الاقتصادات ـ وفي مقدمتها الاقتصادات الخليجية ـ تسعى منذ فترة لتنويع النشاط فيها وزيادة حصة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد تحسبا لما “بعد النفط”، فإن سياسات التنوع الاقتصادي تلك كانت بوتيرة “مرتاحة” إلى حد كبير. أما في ظل التراجع الحالي في السعار وبالتالي في دخلها، فإن وتيرة تنويع النشاط الاقتصادي وتطوير قطاعات أخرى ستكون أسرع بما يجعل تلك الاقتصادات في وضع أفضل لمواجهة اي أزمات مستقبلية. ولعل روسيا وإيران تكونان أكبر المستفيدين من الأزمة الحالية في أسعار النفط، رغم ما يبدو من ضرر آني.

د.أحمد مصطفى* كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى