الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مَنْ لا دولة لهم!

مَنْ لا دولة لهم!

جواد البشيتي

” “حقوق الإنسان” تبقى حِبْراً على ورق، وكظِلٍّ لا جسم له، وفاقِدةً الأهمية العملية والواقعية، إذا ما كان الإنسان (أو ظَلَّ) بلا وطن، بلا دولة، بلا جنسية، بلا مُواطَنَة، وغير متمتِّعٍ بحقوق المواطَنَة كاملةً؛ فما هي أهمية “حقوق الإنسان” لأقلية عرقية مثل “الروهينغا” في بورما؛ فالمُنْتَمون إلى هذه الأقلية بلا جنسية (وبلا حقوق مترتبة على الجنسية)؟!”
ـــــــــــــــــــــــ
“مَنْ لا دولة لهم”، أو “أجيال بلا دولة”، هي قضية دولية قديمة، كانت الأمم المتحدة قد تعهدت بمعالجتها في اتفاقية صَدَرَت سنة 1954، وفي اتفاقية أخرى صَدَرَت سنة 1961، كانت غايتها “تقليل عدد مَنْ لا دولة لهم”؛ وتُقَدِّر المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد هؤلاء (في العالَم الآن) بنحو 10 ملايين إنسان؛ وقد بدأت المفوضية (الآن) حملة لإنهاء مشكلة “مَنْ يعيشون بلا دولة”، في أرجاء العالَم، في السنوات العشر المقبلة؛ لكنَّ التجارُب السابقة للمنظمة الدولية في هذه القضية لا تدعو إلى التفاؤل.
لا جدال في أهمية وضرورة إقرار وضمان والتزام واحترام “حقوق الإنسان”، أيْ الإنسان “العام”، “المُجَرَّد”، والذي لا وجود له على أرض الواقع، وفي التاريخ، إلاَّ بصفة كونه كامِناً في “الإنسان الخاص (المُحَدَّد)”، أيْ المنتمي إلى عِرْق ما، أو لون ما، أو جنس ما، أو قومية ما، أو دين ما، أو دولة ما، أو طبقة ما؛ لكنَّ “حقوق الإنسان” تبقى حِبْراً على ورق، وكظِلٍّ لا جسم له، وفاقِدةً الأهمية العملية والواقعية، إذا ما كان الإنسان (أو ظَلَّ) بلا وطن، بلا دولة، بلا جنسية، بلا مُواطَنَة، وغير متمتِّعٍ بحقوق المواطَنَة كاملةً؛ فما هي أهمية “حقوق الإنسان” لأقلية عرقية مثل “الروهينغا” في بورما؛ فالمُنْتَمون إلى هذه الأقلية بلا جنسية (وبلا حقوق مترتبة على الجنسية)؟!
وما هي أهمية “حقوق الإنسان” لأطفال يُوْلَدون في مخيَّمات لاجئين، ولا يتمتَّعون بحق حَمْل جنسية الدولة التي وُلِدوا فيها، وهُمْ الذين، على وجه العموم، لا يستطيعون العودة إلى وطنهم الأصلي لطلب الجنسية؟!
وما هي أهميتها لنساء (في 27 دولة) لا يُسْمَح لهُنَّ بمنح أطفالِهِنَّ جنسياتهِنَّ (ظاهرة “أجيال بلا دولة”)؟!
وما هي أهمية “حقوق الإنسان” لملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في مخيَّمات (في داخل، وفي خارج، فلسطين) منذ سنة 1948، والذين لا يُسْمَح بعودتهم إلى ديارهم في وطنهم، ولا بقيام دولة قومية لهم، ولسائر الفلسطينيين، ولو في جزء صغير من أرض وطنهم الأصلي؟!
أنْ تعيش في وطنٍ ليس وطنكَ، وفي دولةٍ ليست دولتكَ، ومن غير أنْ تَحْمِل جنسية، أو تتمتَّع بحقوق المُواطَنَة، فهذا إنَّما يعني (عملياً) أنْ تُحْرَم من الرعاية الصحية، ومن الحقِّ في التعليم، ومن الحقِّ في السَّفَر، ومن حقوق مدنية عِدَّة، ومن الحقوق السياسية كالحقِّ في التصويت؛ وإنَّ فَقْد الجنسية، مِنْ ثمَّ، أو عدم الحصول عليها، هو تقويض لأساس البُنْيَة المسمَّاة “حفوق الإنسانية (العالمية أو الكونية)”.
وهذه المأساة العالمية لا تشمل 10 ملايين إنسان فحسب؛ فثمَّة عشرات الملايين من البشر (منهم ملايين اللاجئين السوريين) شُرِّدوا من أوطانهم، وأُكْرِهوا على العيش في مخيَّمات البؤس في بلاد أخرى، لا يتمتَّعون بشيء من “حقوق الإنسان” في أمكنة عيشهم الاضطِّراري الجديد، ولا يستطيعون، في الوقت نفسه، ولأسباب عِدَّة، العودة إلى ديارهم وأوطانهم؛ مع أنَّهم ما زالوا يَحْمِلون جنسيات دولهم.
إنَّها دُوَلٌ لا وجود فيها لحقوق المُواطَنَة، تُمَزِّقها حروب أهلية، وقودها كل تعصُّبٍ كريهٍ بغيضٍ، هي التي تَقْذِف الآن العالَم، بدءاً بجوارها الإقليمي، بملايين اللاجئين من مواطنيها وأبنائها، مؤسِّسةً لواقع ديمغرافي جديد فيها، وفي جوارها الإقليمي؛ ولن يبقى هذا الواقع زمناً طويلاً متعايشاً مع الخرائط القديمة!

إلى الأعلى