الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / زحام النفايات

زحام النفايات

عادل سعد

لم أجد مقاربة أدعم بها موقف اللبنانيين بشأن مشكلة النفايات التي تعصف في بلدهم إلا ما أشارت إليه رئيسة الوزراء البريطانية الأسبق السيدة الراحلة تاتشر حين قالت (أشد ما يزعجني أولئك الذين ينظفون منازلهم ويضعون النفايات تحت أقرب سجادة في المنزل لإخفائها).
الحال إن معاناة اللبنانيين من مخاطر النفايات تتصدر الآن قائمة اهتماماتهم بعد أن تحولت مكباتها في طرابلس وبيروت وصيدا وصور ومدن وبلدات أخرى إلى عناوين كبيرة من السموم والمناظر البشعة التي تمتد على مساحات واسعة، مع ملاحظة أن لبنان (ينتج) 4 آلاف طن من النفيات المنزلية يوميا، إضافة إلى مخلفات البطاريات والأدوية والأصباغ والدهانات وعبوات مواد التنظيف وأكياس البلاستيكية التي كثيرًا ما ترمى على قارعة الطرق وعلى الشواطئ، الأمر الذي حول البلد إلى أشبه بمكب عائم قياسًا بصغر مساحة لبنان والكثافة السكانية والعشوائيات التي تنشأ في هذه المنطقة أو تلك حتى بات ينطبق عليها ما قالته ماري دوجلاس صاحبة كتاب (النقاء والخطر) تحليل مبادئ التلوث والمحظور الصادر في نيويورك عام 1966 بقولها (القذارة قضية خارج محلها).
إن شكوى اللبنانيين بشأن عقدة النفايات وامتداد مخاطرها منظرًا وواقعا مقززا ورائحة سمومية مشهد يتكرر منه الكثير في بلدان عربية أخرى إذا أخذنا بحقيقة أن نسبة كبيرة من الأشخاص والمجموعات في أغلب البلدان العربية لا تفرق بين منظر قنينة غاز منزلي وباقة ورد، وإذا أخذنا الصورة العراقية فيكفي أن نشير إلى مشاهد يومية متكررة لعراقيين يرمون علب المياه والمشروبات الغازية من نوافذ منازلهم وأبوابها ومن نوافذ السيارات، وكذلك أعقاب السجائر بدون أن يرف لهم جفن، بل الصورة الأبشع في ذلك عراقيًّا أن تجد احدهم يفتح زجاجة سيارته ليبصق أمام الآخرين بطريقة بدائية إلى أبعد الحدود.
وإذا كان اللبنانيون يشكون من سموم النفايات التي بدأت تداهم منازلهم وأجواءهم ومنتجعاتهم فإن للنفايات في العراق صورة استثمارية إذ تحولت هذه الظاهرة إلى تجارة مربحة من قبل جماعات أقامت لها عشوائيات سكنية بالقرب من المكبات المكشوفة في ضواحي بغداد وفي مدن أخرى انتظارًا لحاويات النفايات التي تلقي ما تحتويه هناك، وقد صار معروفًا أن النفايات التي تأتي من المنطقة الخضراء التي فيها المقرات السياسية والدبلوماسية والمنصور والكرادة والحارثية وحي شارع فلسطين تباع بمبالغ أكبر بكثير من الحاويات التي تأتي من الأحياء الفقيرة، ويتداول العراقيون قصصًا كثيرة عن حاجات ثمينة استطاع أصحاب تلك المساكن العشوائية العثور عليها خلال التفتيش بأكوام النفايات، منها أكياس من الأموال وقطع ذهب وأشياء ثمينة أخرى دون أن يضعوا باعتبارهم أن البحث في مكبات النفايات والسكن على تخومها مضر بالصحة العامة، ومن ضمن التقارير التي اطلعت عليها أن نسبة الأورام السرطانية في المناطق السكنية التي (تتعاطى) بشكل أو بآخر مع النفايات كبيرة جدًّا، مع ملاحظة أن العراق هو من أكثر البلدان استهلاكًا للمياه المنزلية، ولكن في تنظيف السيارات و(الوجوه) وواجهات المنازل والإسراف في هذه المياه عبر تسلية يومية تستطيع أن تشاهد منها عشرات المناظر في أحياء بغداد حيث يذهب الماء هدرًا في الشوارع من دون رقيب الضمير وكأنهم في عناد مع التبليغ المعروف (لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر جارٍ).
وإذا أخذنا صورًا أخرى من التأثير الخطير للنفايات فيكفي أن نلقي نظرة على أكوام الأسماك والأحياء البحرية الأخرى التي تنفق نتيجة تلوث الشواطئ العربية وخاصة بسبب أكياس البلاستيك التي تبتلعها الأسماك فتغلق عليها فرصة التنفس فتموت.
عمومًا نحن في البلاد العربية ما زلنا نتعامل بانتقائية إن لم نقل بعشوائية مع موضوع النفايات وأكثر اهتمامنا بالواجهات فقط، وحسب معرفتي المتواضعة أيضًا أن الأشخاص الذين لا يتعاملون مع النظافة والحس الأخلاقي الخاص بها هم من البخلاء الذين يفتقدون النظافة النفسية، أو من الذين لا يستطيعون الفكاك من النزعة الاستهلاكية فتجدهم يخرجون إلى الأسواق ليشتروا ما ينفعهم وما لا ينفعهم وبذلك ينطبق عليهم ما قاله أحد الكتاب الأميركيين (هناك صلة بين الشعور بالتعاسة وتنامي الحس الاستهلاكي).

إلى الأعلى