الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تلويح عباس بـ”حلِّ السلطة”!

تلويح عباس بـ”حلِّ السلطة”!

جواد البشيتي

إنَّها ليست المرَّة الأولى، ولن تكون الأخيرة، على ما أخشى وأتوقَّع، التي يُلَوِّح فيها الرئيس الفلسطيني محمود عباس بـ”حلِّ السلطة الفلسطينية”، ردًّا على ما تبديه وتمارسه حكومة نتنياهو من عداء للفلسطينيين، يلقى تأييدًا صريحًا أو ضمنيًّا من إدارة الرئيس أوباما؛ ولقد كان آخر فصول هذا العداء هو ما قامت به هذه الحكومة للتَّسَبُّب في أزمة مالية للسلطة، من عواقبها العجز عن دَفْع رواتب موظَّفيها، عقابًا لها على انضمامها إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعد فشل سعي الفلسطينيين (والعرب) لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، ينتهي بموجبه الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بعد ثلاث سنوات.
وحلُّ السلطة الفلسطينية يبدو إجراءً، أو قرارًا، منطقيًّا؛ لأنَّ إسرائيل أحبطت، وتحبط، كل سعي فلسطيني لحلٍّ تفاوضي عادل للنزاع، وتمضي، في الوقت نفسه، قُدُمًا، في الاستيطان والتهويد، وفي تقويض مُقَوِّمات قيام دولة فلسطينية؛ لكنَّ هذا التلويح (المتكرِّر) بحل السلطة الفلسطينية يَعْكِس “أزمة خيار” تعانيها السلطة، وتتفاقَم في استمرار؛ وكأنَّ الرئيس الفلسطيني ما عاد لديه من أوراق الضغط إلاَّ هذه الورقة، ولا خيار لديه إلاَّ أنْ يُخيِّر إسرائيل قائلًا: إمَّا أنْ تنهي احتلالك سريعًا، وبما يسمح بقيام دولة فلسطينية، وإمَّا أنْ تستأنفي الاحتلال بالشكل الذي كان عليه قبل قيام السلطة الفلسطينية، ظَانًّا أنَّ إسرائيل ستُفَضِّل، لدى مفاضلتها بين هذا الخيار وذاك، حلَّ النزاع مع الفلسطينيين على حلِّ السلطة الفلسطينية.
إسرائيل (ومعها الولايات المتحدة) فَرَضَت (أو لم تتوقَّف عن سعيها لتَفْرِض) على الفلسطينيين خيارًا غريبًا عجيبًا قوامه: ضمان الرواتب لموظَّفي السلطة، مع استمرار الاستيطان والتهويد والتقويض لمُقوِّمات الدولة الفلسطينية، ومع بقاء “مفاوضات السلام” في أزمة، وإصابة “المقاومة” بعجز دائم، إلى أنْ يصبح “الحل الإسرائيلي النهائي” مَطْلبًا فلسطينيًّا!
وتشعر إسرائيل (ومعها الولايات المتحدة) الآن أنَّ العرب في حالٍ لا تسمح لهم إلاَّ أنْ يكونوا (ولو موضوعيًّا) جزءًا من حَمْلَة الضغوط على الفلسطينيين؛ حتى الأزمة المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية، والتي تَعاوَنَت إسرائيل والولايات المتحدة على التَّسبُّب فيها، لم تَلْقَ من الاهتمام العربي بالمساعدة على حلِّها إلاَّ ما يؤكِّد حالة العجز العربي (الذي قليله عجز حقيقي موضوعي، وكثيره عجز زائف مصطنع).
وفي داخل السلطة الفلسطينية نفسها لا نرى ما يُبشِّر بالخير؛ فسياسة التمويل للسلطة أَنْتَجَت جهازًا بيروقراطيًّا لديه من المصالح الشخصية والفئوية ما يُشدِّد لديه المَيْل إلى مهادنة السياسة الإسرائيلية، وتلبية مطالب وشروط تعود تلبيتها بالضرر على مصالح عامة فلسطينية.
حكومة نتنياهو اعتادت (واستسهلت) ممارسة الضغوط (السياسية) على السلطة الفلسطينية (أو على “دولة فلسطين” التي هي الآن عضو مراقب في الأمم المتحدة) من طريق جَعْلها عاجزة، تزداد عجزًا، عن دَفْع الرواتب لموظَّفيها، مع ما يترتَّب على ذلك من معاناة مالية واقتصادية ونفسية لمئات الآلاف من الفلسطينيين (وللموظفين منهم وعائلاتهم على وجه الخصوص) ومن إضرار بالاقتصاد الفلسطيني على وجه العموم.
وفي “الأزمات”، و”المآسي”، لا أجِدُ مفرًّا، إذا ما أردت التكلُّم بلسان الحقيقة، من أنْ أُحَمِّل “الضحية” المسؤولية الأولى والكبرى، وأنْ أرفض كل عُذْرٍ لتبرئة ساحة السلطة الفلسطينية، التي ارتضت، إذْ استخذت لأوهام السلام والاتفاقيات مع إسرائيل، أنْ تتَّخِذ من أموال فلسطينية تُحْكِم إسرائيل قبضتها عليها، وكأنَّها “الراتب الشهري الإسرائيلي” تتقاضاه السلطة الفلسطينية، مَصْدَرًا لدفع رواتب موظفيها، ولإعالة (أيْ تلبية الحاجات الأوَّلية والأساسية من مأكل وملبس ومسكن ودواء وعلاج وتعليم..) مئات الآلاف من مواطنيها. وبدلًا من أنْ تجتهد السلطة الفلسطينية في استحداث مَصْدَر مالي مستقلٍّ حُرِّ، بمنأى عن قبضة إسرائيل وضغوطها، رَأَيْناها تُدْخِل مزيدًا من الفلسطينيين في هذه القبضة المالية الإسرائيلية؛ فإنَّ كثيرًا من أعضاء تنظيم “فتح” أُحيلوا إلى التقاعد، أو المعاش، وأصبحوا “متقاعدين عسكريين”، يتقاضون رواتبهم (راتب التقاعد) من “المَصْدَر المالي نفسه”، أيْ من الأموال (الفلسطينية) التي يُحْكم نتنياهو قبضته عليها؛ وهكذا أصبح في مقدور إسرائيل ممارسة ضغوطها “المالية ـ السياسية” ليس على موظَّفي السلطة الفلسطينية فحسب، وإنَّما على جزء كبير من أعضاء تنظيم “فتح”، أو مِمَّن كانوا “أعضاء”، قبل إحالتهم إلى التقاعد، وتحويلهم إلى “متقاعدين عسكريين”.
وكان حريًّا بها أنْ تعي جيِّدًا العواقب السياسية التي يمكن أنْ تترتَّب على هذا القرار، أو الإجراء، الذي جَعَل لنتياهو سلطانًا سياسيًّا (ولو خفيًّا) على أعضاء تنظيم يُفْتَرَض فيه أنْ يستبدَّ به هاجس النأي بنفسه عن هذا “الاحتلال المالي الإسرائيلي”.
إنَّ “الرسوم الجمركية” هي مَصْدَر من أهم المصادر المالية لأيِّ دولة؛ وينبغي لـ”الدولة” أنْ تُمارِس وتُظْهِر وتؤكِّد “سيادتها” في كل ما يتَّصل بهذا “المَصْدَر”؛ لكنَّ السلطة الفلسطينية، ولأسباب جَعَلَتْها مضطرة لا مختارة، ارتضت (في اتفاقيات مع إسرائيل) أنْ تتولى إسرائيل جباية هذه الرسوم “نيابةً عنها”، على أنْ تُسلِّم “السلطة”، وفي انتظام، كل ما جَبَتْه من أموال (هي أموال فلسطينية خالصة).
ولقد أقامت إسرائيل الدليل، غير مرَّة، على أنَّها (وهذا أمر طبيعي، ويجب أنْ ينظر الفلسطينيون إليه على أنَّه طبيعي) ليست بأهل للثقة الفلسطينية (المالية ـ السياسية) بها؛ وها هو نتنياهو يُبْلِغ إلى الموظفين الحكوميين الفلسطينيين، وإلى كثير من أعضاء حركة “فتح”، في “رسالته”، أيْ من طريق “أزمة الرواتب” التي افتعلها، أنَّ تجرؤ عباس على إتمام سعيه في الأمم المتحدة سيكلِّفكم غاليًا، ولسوف تدفعون ثمنه من رواتبكم، أيْ من لقمة عيشكم أنتم وعائلاتكم؛ فإذا أردتم لـ”الراتب” أنْ يستمر وينتظم، فإنَّ عليكم أنْ تدفعوا الثَّمن السياسي لذلك، وهو استخذاء سلطتكم للمشيئة السياسية لإسرائيل؛ فامتثلوا لما نطلبه منكم، واجتنبوا ما ننهاكم عنه!
بعد “الضحية”، وبعد إسرائيل، يتحمَّل العرب المسؤولية، أيْ مسؤولية استمرار، وتعاظم، هذا الاستبداد “المالي ـ السياسي” الإسرائيلي بالفلسطينيين؛ فإنَّ كثيرًا من الدول العربية التي التزمت (غير مرَّة) أنْ تكون للفسطينيين وسلطتهم “شبكة أمان مالية”، تُعينهم على مواجهة ضغوط “أزمة الرواتب”، والتغلُّب عليها، وإحباط سعي إسرائيل، من ثمَّ، إلى استثمارها سياسيًّا، لم تُتَرْجِم التزامها هذا إلاَّ بما جَعَل الفلسطينيين أكثر معاناة (ماليًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا) وكأنَّ هذا “الشأن القومي” ما عاد يستأثر باهتمامهم.
وفي أسوأ الأحوال، لن تتصرَّف إسرائيل (إذا ما حُلَّت السلطة الفلسطينية) بما يسمح بإعادة الأوضاع في الضفة الغربية إلى ما كانت عليه قبل قيام السلطة؛ فإنَّ حلًّا شبيهًا بـ”حلِّ غزة” يمكن أنْ تلجأ إليه إسرائيل في الضفة الغربية، أيْ في أجزاء منها.

إلى الأعلى