السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حزب الصهيونية المُتجددة

حزب الصهيونية المُتجددة

علي بدوان

يُعتبر حزب “البيت اليهودي” من الأحزاب الجديدة في الخريطة السياسية “الصهيونية الإسرائيلية”. فقد ولد الحزب قبل بضع سنوات، لكنه وبسببٍ من طروحاته اليمينية الفجة، والخليطة العجيبة التي جمعها بتشكيلته من أجيال شباب الفيسبوك، وحاخامات مُتطرفين، وعلمانيين، ونساء وفتيات ناشطات، استطاع أن يَشُقَّ طريقه وسط المُجتمع اليهودي على أرض فلسطين، وأن يحقق نتائج مُتميزة بالدورة الانتخابية التاسعة عشرة السابقة للكنيست (البرلمان) من خلال حصوله على (12) مقعدًا من أصل (120) مقعدًا هي كامل عضوية الكنيست، وهو ما دفعه للتحالف مع بنيامين نتنياهو وحزب الليكود، ومعهما أحزاب اليمين لتشكيل الحكومة “الإسرائيلية” ذات اللون الواحد، القائمة حتى الآن، وقد بات حزب “اليت اليهودي” ركنًا أساسيًّا من أركانها، وبدونه لا يستطيع بنيامين نتنياهو أن يتخذ قرارات ذات بعدٍ هام، وبات أيضًا الحزب الرابع في “إسرائيل” من حيث عدد الأعضاء في الكنيست بعد حزب (الليكود)، وحزب (إسرائيل بيتنا)، وحزب (يوجد مستقبل/يش عتيد)، و(حزب العمل).
حزب البيت اليهودي، يُقدم نفسه باعتباره حزب الصهيونية المُتجددة في “إسرائيل”، الحزب الذي يقوم في دعائمه الأيديولوجية على طرح أفكار العودة للجذور واستحضار الإرث الصهيوني الماضي الذي أطلقه مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل، في مواجهة طروحات ومقولات “ما بعد الصهيونية” التي أطلقها عدد من المفكرين والسياسيين في “إسرائيل” في العقدين الأخيرين ونَظَّروا لها، ومن المحسوبين على بعض ألوان وأطياف “اليسار الصهيوني العلماني”، ومعهم أيضًا المؤرخون الجُدد الذين ذاع صيتهم خلال العقد الأخير ومنهم الفيلسوف اليهودي الأميركي نعوم تشومسكي.
فحزب البيت اليهودي في حقيقته، حزب يهودي ديني، يؤمن بالتوراة، وبالرواية الميثولوجية الخرافية، ويؤمن بأن فلسطين “أرض الميعاد” لليهود، ويُشجع جدًّا عمليات ومشاريع توسيع بناء المستوطنات وتهويد الأرض العربية الفلسطينية، ويسعى لتطبيق ما يسميه بأدبياته المنشورة “قانون التوراة في إسرائيل”، ولا يعتقد كثيرًا بإمكانية نجاح عملية التسوية مع العرب والفلسطينيين، ويدعو للتمسك بما يسميه “أرض إسرائيل الكاملة”.
ولكنه في الوقت نفسه لا يمانع كحزب أن يتعاون مع اليهود العلمانيين في حكم دولة الاحتلال وإدارة الدولة “الإسرائيلية”، وبهذا فإن الحزب يَضُمُ بين صفوفه العلمانيين أيضًا، وجل أعضائه من اليهود الغربيين (الإشكناز)، وقد فتح أبوابه لكل “الإسرائيليين”، من متدينين وعلمانيين وحريديم وغيرهم.
نفتالي بينيت، رئيس الحزب، ووزير الاقتصاد في حكومة نتنياهو الحالية، لا يُظهر تطرفًا دينيًّا، فهو من جيل شباب الفيسبوك وعلماني في جوهره، لكنه تحوّل في السنوات الأخيرة باتجاه الصهيونية الدينية الحريدية، وكان قد قضى فترة طويلة من حياته كشخص علماني وزوجته علمانية قبل أن يعود إلى الدين من جديد، ليصبح كذلك مُتطرفًا جدًّا من الناحية السياسية بآرائه، حيث تعتَبِرهُ قطاعات متزيدة من الجمهور في “إسرائيل” اليوم “قائدًا حقيقيًّا لليمين الإسرائيلي”.
إن هناك داخل حزب البيت اليهودي من هم أشَدُ تطرفًا من نفتالي بينيت، فهو يُعتبر قائدًا إنما دون أي تفويض ديني كما هو حال قادة الأحزاب الدينية كحزب اليهود الشرقيين كـ(حزب شاس). وفي حقيقة الأمر إن نفتالي بينيت وحزب البيت اليهودي يُمثّل الوسط القوي الصاعد في إطار الصهيونية الدينية بإطلالتها الجديدة، الذين يُطلق عليهم تسمية “متدينون لايت”، وغالبيتهم صغار السن ممن لا يلتزمون كثيرًا بالوصايا الدينية، إنما متمسكون جدًّا بالأيديولوجية اليمينية واليمينية الفاشية.
وهنا، فإن كل المعطيات القائمة في سلوك هذا الحزب وسلوك زعيمه نفتالي بينيت، تؤكد مسعاه لتحويل الحزب إلى قلعة يمينية دينية وعلمانية، فتم في جلسته الأخيرة تحديد مرشحيه فالانتخابات القادمة للكنيست وعلى رأسهم العلمانية الشابة (أييلت شاكيد)، التي تم اختيارها للمكان الأول في قائمة الحزب لانتخابات الكنيست (البرلمان) القادمة، فيما حافظت الشريحة الدينية المُحافظة، الأكثر تطرفًا من نفتالي بينيت، على قوتها وحضورها في القائمة المقترح من الحزب للمشاركة في الانتخابات القادمة للكنيست.
حزب البيت اليهودي، بزعامة وزير “الاقتصاد الإسرائيلي” نفتالي بينيت، عَمِلَ على تحضير جمهوره للجولة القادمة من الانتخابات للكنيست العشرين، والمتوقع لها أن تجري يوم السابع عشر من آذار/مارس 2015، حيث عقد الحزب قبل أيام لقاءات عمل لاختيار قائمته المقترحة للمشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة. وبالفعل تم ترتيب قائمته الانتخابية التي سيتقدم بها للانتخابات القادمة للبرلمان، وقد ضمت في الأسماء الأولى منها خليطة من تلاوين الحزب، حيث تربعت العلمانية الشابة (ايليت شاكيد) بحصولها على المركز الأول في قائمة الحزب للكنيست الـتي تضم عشرين اسمًا مقترحًا للمشاركة بالانتخابات البرلمانية. ثم تلاها (نفتالي بينيت). ثم (الحاخام أفيخاي رونتسكي) وهو من الحاخامات الذين يُمثلون السلطة الدينية داخل الحزب. ثم (الحاخام إيلي بن دهان). ثم وزير الإسكان الأسبق واللاهث وراء زيادة عمليات الاستيطان في القدس والضفة الغربية (اوري ارييل). ثم الإعلامي الشاب العلماني (يانون ميجيل). ثم رئيس منظمة (إن أردتم) (رونين شوفال) هم من ممثلي اليمين العلماني في القائمة العشرين. ثم الوجه النسائي (شولي معلم).
ان قائمة الأسماء العشرين المختارة التي سيتقدم بها الحزب للانتخابات البرلمانية تعكس الاندماج القائم داخل هذا الحزب “الصهيوني الإسرائيلي” بين “أصولية دينية مُظلمة واتجاهات يمينية عقائدية توراتية ويمين قومي علماني”. قائمة عنصرية ومظلمة تتلقى أوامرها من الحاخامات في نهاية المطاف.
وفي التقدير العام، تُشير استطلاعات الرأي الأخيرة في “إسرائيل” والمنشورة عل صفحات المطبوعات “الإسرائيلية” بأن حظوظ الحزب في الانتخابات القادمة عالية نسبيًّا، وقد يفوز بعددٍ من المقاعد تتعدى (17) مقعدًا ليصبح الحزب الثاني في “إسرائيل”، وبالتالي كحزبٍ أساسي في الائتلاف الحكومي القادم، وكحزبٍ مقررٍ في مسار السياسات القادمة للكيان الصهيوني.
أخيرًا، إن ملاحظة تطور الحالة “الإسرائيلية” الداخلية، وتقلبات خريطة الأحزاب وتحالفاتها، تكتسي أهمية وضرورة لفهم العقل السياسي “الإسرائيلي الصهيوني”، وما يعتمل داخل هذا الكيان من تطورات لها علاقة بما يجري في البيئة “الإسرائيلية” الداخلية، وفي عموم البيئة الإقليمية.

إلى الأعلى